لم تعد قضية سبتة، بعد أكثر من شهرين على موجة العبور الجماعي التي هزت المدينة، محصورة في سؤال كيف تمكن عشرات الآلاف من الوصول إلى داخل المجال الإسباني خلال ساعات. ملف آخر بدأ يفرض نفسه على مدريد، وهذه المرة من داخل المدينة نفسها: ماذا حدث للمهاجرين بعد وصولهم، وكيف تعاملت معهم القوات الإسبانية، وهل تحولت إجراءات ضبط الحدود إلى ممارسات يمكن أن تدخل في نطاق المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة؟
المسألة لم تعد مجرد اتهامات صادرة عن منظمات حقوقية. فقد دخل المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب، باو بيريز-ساليس، على الخط، مطالباً السلطات الإسبانية بتحقيق «سريع وفعال ومستقل» في الادعاءات التي أوردتها منظمة العفو الدولية بشأن تعرض مهاجرين وطالبي لجوء لسوء المعاملة في سبتة. والأهم أن المسؤول الأممي لم يتعامل مع الاتهامات باعتبارها واقعة محسومة، لكنه حذر من أن بعض الأفعال، إذا ثبتت، قد تشكل معاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة، وقد ترقى في بعض الحالات إلى مستوى التعذيب.
هذا التفصيل القانوني مهم. فالأمم المتحدة لا تعلن أن التعذيب وقع بالفعل، ولا تحل محل القضاء في تحديد المسؤوليات. لكنها تقول إن طبيعة الادعاءات وخطورتها كافية لفتح تحقيق رسمي دون انتظار اكتمال الشكايات الفردية. وبحسب بيريز-ساليس، فإن اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب تلزم الدولة بالتحقيق عندما توجد أسباب تدعو إلى الاشتباه في وقوع مثل هذه الأفعال.
والوقت، في مثل هذه الملفات، ليس عنصراً محايداً.
المقرر الأممي حذر من احتمال ضياع أدلة مهمة مع مرور الأيام، سواء تعلق الأمر بآثار الإصابات الجسدية أو بتسجيلات كاميرات المراقبة التي لا تحتفظ بها الأنظمة بالضرورة إلى أجل غير محدود. كما دعا إلى إخضاع الأشخاص الذين يقولون إنهم تعرضوا لسوء المعاملة لفحوص طبية ونفسية وفق معايير «بروتوكول إسطنبول»، مع توفير مترجمين ووسطاء ثقافيين، وضمان ألا يتعرض أصحاب الشهادات للترهيب أو الضغط.
وطلب أيضاً عدم إبعاد الأشخاص المعنيين أو نقلهم بطريقة يمكن أن تحول دون وصولهم إلى العدالة أو تعرقل التحقيق.
هذه النقطة تلامس مباشرة واحدة من أكثر القضايا حساسية التي ظهرت منذ الأيام الأولى لأزمة سبتة: سرعة إعادة أعداد ضخمة من الأشخاص إلى المغرب.
الحكومة الإسبانية تقول إن أكثر من 90 في المائة ممن دخلوا المدينة يومي 30 و31 يوليوز عادوا إلى المغرب خلال الساعات والأيام الأولى، وإن التنسيق مع السلطات المغربية كان ضرورياً لتحقيق ذلك. وفي عرض قدمه رئيس الحكومة بيدرو سانشيز أمام البرلمان في شتنبر، تحدث عن عودة نحو 50 ألف شخص خلال أقل من 24 ساعة، ونحو 63 ألفاً بعد 72 ساعة، مؤكداً أن هذه العمليات تمت في إطار العودة إلى المغرب. كما قال إن أكثر من 3,300 شخص عادوا طوعاً منذ 10 غشت.
لكن رواية «العودة الطوعية» لم تغلق الملف الحقوقي.
فمنذ غشت، كانت منظمة العفو الدولية تطلب من مدريد توضيحات بشأن الضمانات الإجرائية التي رافقت عمليات الإعادة، وخصوصاً بالنسبة إلى طالبي اللجوء والقاصرين، كما تحدثت عن معلومات بشأن عمليات إعادة فورية قسرية تتعارض مع الرواية الرسمية الإسبانية.
ثم جاءت مهمة المنظمة إلى سبتة بين 10 و15 شتنبر، لتضيف طبقة أخرى إلى القضية.
تقول منظمة العفو الدولية إنها تحدثت مع أكثر من 65 مهاجراً وطالب لجوء، وإن شهادات عديدة تحدثت عن عنف وإهانات ومضايقات منسوبة إلى أفراد من القوات المسلحة الإسبانية. ومن بين أكثر من 65 مقابلة، وثقت المنظمة 22 شهادة مباشرة تتعلق بالضرب والإهانة ومصادرة أو تكسير ممتلكات وهواتف وأموال، إلى جانب روايات عن إصابات في الرأس والظهر واستخدام العصي واللكمات والركل.
بعض الشهادات أكثر خطورة من مجرد الحديث عن استخدام مفرط للقوة.
المنظمة تحدثت عن مهاجرين قالوا إنهم تعرضوا للإجبار على الركوع أو القيام بأفعال ذات طابع ديني، وعن عبارات مهينة وعنصرية، وعن ممارسات استهدفت نساء، بينها إهانات ذات طابع جنسي. كما قالت إنها اطلعت على تسجيلات وصور وتقارير طبية اعتبرتها متسقة مع بعض الروايات المتعلقة بالإصابات. وتحدث تقريرها كذلك عن ادعاءات بشأن تدخل أفراد عسكريين ليلاً وهم ملثمون، وعن استخدام رذاذ مهيج وعمليات طرد عبر منطقة تاراخال.
كل ذلك يبقى، في هذه المرحلة، ضمن نطاق الادعاءات والأدلة التي يتعين على التحقيق الرسمي اختبارها. لكن عدد الشهادات، وطبيعة بعضها، والمواد التي تقول المنظمة إنها جمعتها، جعلت الملف يتجاوز مستوى حادثة منفردة يدور حولها خلاف في الروايات.
الأكثر حساسية أن وزارة الدفاع الإسبانية كانت قد أحالت الشكايات إلى النيابة والقضاء في سبتة وفتحت تحقيقاً داخلياً. وهي الخطوة التي رحب بها المقرر الأممي باعتبارها بداية إيجابية، لكنه أبقى على مطلب الاستقلالية والسرعة والفعالية.
وهذا يعني أن مدريد أصبحت أمام مسارين متوازيين في أزمة واحدة.
المسار الأول يتعلق بكيفية حدوث الاختراق الحدودي الهائل يومي 30 و31 يوليوز، وهو سؤال لم تغلقه الحكومة الإسبانية نفسها. فقد أقر سانشيز بأن ما حدث يستوجب تحديد ما إذا كان الأمر يتعلق بـ«عجز» أم «تقاعس»، وقال إن أجهزة الأمن والاستخبارات والقضاء تشارك في تحديد ما جرى. وفي الوقت نفسه، أكد أنه لا توجد، حتى ذلك الوقت، أدلة صلبة قدمتها جهات دبلوماسية أو أوروبية أو دولية تثبت أن المغرب خطط أو نفذ العملية.
أما المسار الثاني فيتعلق بما حدث بعد أن دخل الأشخاص إلى سبتة.
وهنا تغيرت طبيعة الأزمة. لم يعد النقاش مقتصراً على حماية الحدود الإسبانية أو الضغط الذي تعرضت له مدينة لا يتجاوز عدد سكانها عشرات الآلاف أمام وصول عشرات الآلاف في فترة قصيرة. صار السؤال متعلقاً بحدود استخدام القوة، وبحق طلب اللجوء، وبالضمانات القانونية لمن يتم إبعاده، وبالمسؤولية الفردية عندما يكون المتهم موظفاً أو عسكرياً يعمل باسم الدولة.
منظمة هيومن رايتس ووتش كانت قد حذرت بدورها في غشت من بقاء آلاف المهاجرين وطالبي اللجوء في الشوارع في ظروف وصفتها بأنها غير ملائمة، ومن غياب المأوى الكافي والوصول إلى المعلومات وإجراءات اللجوء.
وبذلك بدأت الصورة التي رسمتها مدريد في الأيام الأولى للأزمة تتغير تدريجياً. فقد قدمت السلطات الإسبانية سرعة إعادة عشرات الآلاف باعتبارها دليلاً على قدرة الدولة على استعادة السيطرة، فيما أعادت المنظمات الحقوقية توجيه النظر إلى الكيفية التي تمت بها تلك العمليات، وإلى الأشخاص الذين بقوا داخل المدينة، وإلى ما تعرض له بعضهم.
الأزمة نفسها كانت استثنائية في حجمها. البرلمان الأوروبي وصف واقعة 30 يوليوز بأنها دخول جماعي غير مسبوق، وقدّر عدد الوافدين بنحو 80 ألف شخص، فيما تحدثت السلطات الإسبانية عن أكثر من 70 ألفاً، وسجلت منظمات حقوقية سقوط عشرات القتلى أثناء محاولات العبور.
وفي مثل هذا الحجم من الأحداث، تصبح الأرقام نفسها جزءاً من المشكلة: تقديرات مختلفة لعدد من دخلوا، روايات متباينة حول عدد من عادوا، خلاف حول طبيعة الإعادة، وشهادات تظهر بعد أسابيع عن وقائع جرت داخل المدينة.
أما المغرب، الذي كان في قلب الأزمة بحكم موقعه الجغرافي، فقد تعامل خلال الفترة نفسها مع تدفقات بشرية ضخمة على حدوده ومساراته الدولية. وفي صيف 2026، كانت المملكة تدير في الوقت ذاته عملية «مرحبا» التي عبَر خلالها أكثر من أربعة ملايين من مغاربة العالم في الاتجاهين، مع تعبئة واسعة للموارد البشرية والطبية واللوجستية ونقاط استقبال ومساعدة داخل المغرب وخارجه. وتقول الحصيلة الرسمية إن العملية مرت دون تسجيل اكتظاظ ملحوظ رغم بلوغ التدفقات في ذروة بعض الأيام نحو 80 ألف وافد و87 ألف مغادر يومياً.
لا تعني هذه المعطيات، في حد ذاتها، أن ملف الهجرة غير النظامية أو أزمة سبتة يمكن اختزاله في مقارنة مباشرة بين نموذجين. لكنها تجعل من الصعب أيضاً قراءة الأزمة من زاوية أمنية إسبانية صرفة، وكأن كل ما حدث بدأ عند السياج وانتهى بمجرد إعادة الأشخاص إلى الجانب المغربي.
هناك الآن ملف قضائي وحقوقي مفتوح داخل إسبانيا، وتدخل أممي يطلب التحقيق، ومنظمة دولية وضعت شهادات وأدلة أمام السلطات، فيما يستمر الجدل السياسي حول القواعد التي ينبغي أن تحكم الإعادة وطلبات اللجوء والقاصرين.
والمفارقة أن سبتة التي دخلت أزمة يوليوز باعتبارها نقطة ضعف في الحدود الخارجية لإسبانيا والاتحاد الأوروبي، باتت تحمل معها سؤالاً آخر إلى داخل المؤسسات الإسبانية نفسها: كيف تحمي الدولة حدودها من دون أن تتحول حماية الحدود إلى مساحة معلقة خارج القواعد التي يفترض أن تحكم استعمال القوة ومعاملة الأشخاص الذين يصلون إلى أراضيها؟
الجواب لن يأتي من التصريحات السياسية ولا من رواية طرف واحد. ما سيحسمه هو ما إذا كانت التحقيقات قادرة فعلاً على الوصول إلى التسجيلات، والتقارير الطبية، وسلاسل الأوامر، وهوية العناصر الموجودة في المواقع، وظروف كل عملية إعادة، ثم تحديد ما ثبت وما لم يثبت.
ذلك هو الاختبار الذي وضعته شهادات سبتة أمام مدريد الآن، بعد أن كان الاختبار الأول هو كيفية منع تكرار عبور جماعي بحجم لم تعرفه المدينة من قبل.