الجزائر ومعركة الصحراء المغربية في الأمم المتحدة.. دفاع عن البوليساريو أم قلق من مسار التسوية؟

0
70

بين الاعتراض على الحكم الذاتي، واستحضار ملف اللاجئين، والتشكيك في خلفيات الموقف الأمريكي، تحاول الجزائر تثبيت مقاربتها لنزاع الصحراء المغربية. لكن اختبار هذه المقاربة يبقى مرتبطاً بما يمكن أن تفضي إليه المفاوضات، وبمستقبل سكان مخيمات تندوف وحقهم في الاختيار بعيداً عن الحسابات الإقليمية.

تتحرك الدبلوماسية الجزائرية في نيويورك وهي تواجه معادلة تتغير تدريجياً: مقترح الحكم الذاتي المغربي أصبح أساساً للمفاوضات وفق القرار 2797 الذي اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025، فيما يستمر الخلاف حول شروط التسوية، والجهات التي ينبغي أن تشارك فيها، وكيفية ضمان حق الصحراويين في تقرير مستقبلهم.

وفي أكتوبر 2026، يعود الملف إلى مجلس الأمن مع اقتراب موعد تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «المينورسو»، المحدد في 31 أكتوبر. وهذا التوقيت يمنح التصريحات الجزائرية الأخيرة أهمية سياسية، لكنه لا يسمح وحده بالقول إن القرار المقبل حُسم سلفاً أو إن جميع بنوده أصبحت معروفة. وفق المعطيات المنشورة بشأن برنامج مجلس الأمن لهذا الشهر.

في هذا السياق، تبرز مسألة السيادة باعتبارها إحدى نقاط الخلاف الأساسية. فالموقف الجزائري يتمسك بأن التسوية لا ينبغي أن تحدد نتيجتها مسبقاً، وأن المفاوضات مطالبة بإنتاج حل عادل ودائم، لا أن تتحول إلى مسار شكلي ينتهي إلى نتيجة مقررة سلفاً. وتكشف هذه الحجة عن جوهر الاعتراض الجزائري على اعتماد الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية إطاراً للتفاوض.

لكن ثمة فرقاً بين الاعتراض السياسي على توجه مجلس الأمن، وبين القول إن الجزائر ترفض الشرعية الدولية أو تضع نفسها فوق المؤسسة الأممية. فمثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى قرائن تتجاوز التصريحات الاعتراضية. كما أن القرار 2797 لم ينه النزاع، ولم يعلن تسوية نهائية، وإنما جعل المقترح المغربي أساساً للمفاوضات، مع الإبقاء على هدف الوصول إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف.

الرهان الجزائري على تعريف من يمثل الصحراويين

يتجاوز الخلاف مسألة السيادة ليصل إلى سؤال التمثيل. فمن يملك حق التحدث باسم الصحراويين، ومن ينبغي أن يشارك في أي مفاوضات مقبلة؟

تتمسك الجزائر والبوليساريو بدور الجبهة بوصفها ممثلاً للشعب الصحراوي، بينما يتيح النقاش حول المشاركة السياسية طرح أسئلة أخرى بشأن المنتخبين في الأقاليم الجنوبية، والساكنة الصحراوية الموجودة داخل المغرب، وأفراد الأسر المقيمين في مخيمات تندوف، وسائر المعنيين بمستقبل المنطقة.

ولا يمكن افتراض أن أي صيغة جديدة للمفاوضات ستقصي البوليساريو أو تستبدل بها ممثلين آخرين من دون نص واضح. في المقابل، لا ينبغي اختزال مسألة التمثيل في موقف طرف واحد، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمستقبل جماعات بشرية موزعة بين مناطق مختلفة، وبحل يفترض أن يحظى بقبول الأطراف المعنية.

ومن هنا، فإن الحديث عن المنتخبين الصحراويين في الأقاليم الجنوبية أو عن الصحراويين الذين يقبلون بمقترح الحكم الذاتي يظل جزءاً من النقاش السياسي حول توسيع المشاركة، ما لم يصدر قرار أو اتفاق يحدد بصورة دقيقة شروط هذه المشاركة وصلاحياتها.

واشنطن وتل أبيب.. تفسير جزائري للتراجع أم معركة حول موازين القوى؟

تربط التصريحات الجزائرية، بحسب المقتطفات الواردة في المادة، بين التحولات التي يشهدها ملف الصحراء المغربية وبين الاتفاق الثلاثي الذي جمع المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل في ديسمبر 2020، والذي تضمن اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على الصحراء.

ويصف الخطاب المنقول عن المندوب الجزائري هذا المسار بأنه صفقة تمت على حساب الفلسطينيين والصحراويين. وهي صيغة تعكس قراءة الجزائر للترابط بين الملفين، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن الموقف الأمريكي من الصحراء المغربية كان نتيجة صفقة على حساب الفلسطينيين، أو أن الاعتراف الأمريكي هو العامل الوحيد وراء التحولات الدبلوماسية اللاحقة.

فالاعتراف الأمريكي سنة 2020 واقعة موثقة، كما أن مجلس الأمن جعل مقترح الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات في قراره الصادر سنة 2025. وبين الواقعتين توجد مسارات دبلوماسية ومواقف دولية متعددة، لا يمكن اختزالها جميعاً في تفسير واحد.

وتكشف المقارنة بين الملفين أيضاً عن ضرورة التعامل الدقيق مع التصويت الجزائري في مجلس الأمن. ففي 17 نوفمبر 2025، صوّتت الجزائر لصالح القرار 2803 المتعلق بخطة إنهاء الحرب في غزة، بينما امتنعت الصين وروسيا عن التصويت. وهذا ثابت في السجل الرسمي للأمم المتحدة. محضر التصويت.

يمكن قراءة هذا التصويت باعتباره موقفاً جزائرياً براغماتياً في ملف غزة، لكن وصفه بأنه محاولة لكسب ود واشنطن، أو الجزم بأنه لم يحقق أي نتيجة، يبقى تفسيراً يحتاج إلى أدلة مستقلة. فالتصويت على قرار بعينه لا يثبت وحده وجود تفاوض خلف الكواليس، ولا يكشف بالضرورة عن مجمل الحسابات التي تحكم سياسة الدولة.

وبالمثل، لا ينبغي أن تتحول العلاقة بين المغرب والولايات المتحدة إلى تفسير شامل لكل موقف جزائري. فالمنافسة الإقليمية بين البلدين أقدم من اتفاق 2020، وتمتد إلى قضايا النفوذ والتحالفات والتصورات المختلفة للأمن الإقليمي. غير أن تحديد وزن كل عامل في الموقف الحالي يتطلب تتبع الوقائع، لا الاكتفاء بالاستنتاج السياسي.

مخيمات تندوف.. ملف إنساني يفرض أسئلة سياسية

تستحق الإشارات المتكررة إلى اللاجئين وقلة المساعدات الإنسانية اهتماماً خاصاً. فحين يربط مسؤول جزائري بين تراجع المساعدات وضرورة معالجة الأسباب الجذرية للنزاع، فإنه يضع الأزمة الإنسانية ضمن حجته السياسية. لكن هذا الربط يفتح بدوره أسئلة تتعلق بظروف السكان، وسبل تحسين أوضاعهم، والضمانات اللازمة لأي حل مستقبلي.

وتبقى مخيمات تندوف واحدة من أكثر النقاط حساسية في النزاع. فالوجود الطويل للاجئين، واستمرار الاعتماد على المساعدات، ومحدودية الآفاق السياسية، كلها مسائل تستدعي معالجة جدية، بعيداً عن توظيف المعاناة الإنسانية في تبادل الاتهامات.

ومن منظور مغربي، يبرز السؤال المتعلق بإمكان عودة الصحراويين إلى وطنهم في إطار تسوية سياسية تحت السيادة المغربية. غير أن تحويل هذا التصور إلى إجراء عملي يتطلب ترتيبات واضحة بشأن العودة الطوعية، والحقوق المدنية، ولمّ شمل الأسر، وضمانات الأمن والاستقرار، فضلاً عن تحديد الوضع القانوني للأشخاص المعنيين.

أما القول إن القرار الأممي المقبل سيدعو إلى إخلاء المخيمات أو فرض إحصاء يميز بين الصحراوي المغربي وغيره، فلا يمكن اعتماده بوصفه حقيقة قبل الاطلاع على نص رسمي يتضمن ذلك. فهذه سيناريوهات محتملة في النقاش السياسي، وليست بنوداً يجوز نسبتها إلى مجلس الأمن من دون وثيقة.

وفي هذا الملف، تظل الشفافية بشأن أعداد السكان وظروفهم واحتياجاتهم الإنسانية عنصراً أساسياً في أي معالجة جادة. كما أن المطالبة بتسوية دائمة لا تعفي أي طرف من مسؤولية تحسين الأوضاع القائمة، ولا تجعل مصير السكان رهيناً بانتظار اتفاق سياسي قد يطول.

هل حُسم اتجاه القرار المقبل؟

تتمسك الجزائر بأن الحل ينبغي أن ينبع من المفاوضات، وأن نتيجته لا يجوز أن تُفرض مسبقاً. وفي المقابل، يستند المغرب إلى تنامي الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وإلى ما تضمنه قرار مجلس الأمن لسنة 2025 من اعتماد هذا المقترح أساساً للمفاوضات.

هذا التباين يضع الدبلوماسية الجزائرية أمام اختبار حقيقي: كيف تحافظ على مقاربتها للنزاع في ظل تغير الإطار الذي تتحرك داخله المفاوضات؟ كما يضع المغرب أمام مسؤولية تحويل الدعم الدبلوماسي إلى تصور عملي قابل للنقاش والتنفيذ، يوضح المؤسسات والصلاحيات والضمانات التي يمكن أن يقوم عليها الحكم الذاتي.

ولا يعني اعتماد مقترح الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات أن كل تفاصيل التسوية أصبحت محسومة، أو أن القرار المقبل سيكرر بالضرورة الصياغات السابقة من دون تعديل. فمجلس الأمن يناقش النصوص في ضوء مواقف أعضائه، كما أن التجديد الدوري لولاية المينورسو يظل مناسبة لتقييم المسار والمهام والظروف المحيطة به.

لهذا، فإن الحكم على أداء الدبلوماسية الجزائرية لا ينبغي أن يقوم على وصفها بالهزيمة قبل صدور القرار، كما لا يكفي الحديث عن نجاح الدبلوماسية المغربية لإثبات أن جميع مراحل التسوية قد أُنجزت. المعيار الأكثر دقة هو ما ستثبته الوثائق الرسمية، وما ستكشفه المفاوضات، وما إذا كان المسار الجديد سيقرب المنطقة من حل سياسي مستدام.

ويبقى العنصر الذي لا يجوز أن يغيب وسط هذا التجاذب هو السكان المعنيون بالنزاع. فمستقبل الصحراء المغربية، كما تطرحه الرباط، يرتبط بالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية؛ أما الوصول إلى تسوية قابلة للاستمرار فيقتضي أيضاً معالجة الملف الإنساني، وتوسيع المشاركة السياسية وفق صيغة متفق عليها، وتوفير ضمانات تحمي حقوق المعنيين.

وعندما يصدر قرار مجلس الأمن الجديد، ستكون المقارنة بين نصه ومواقف الأطراف أكثر إفادة من استباقه بإعلان النتيجة. عندها فقط يمكن تحديد ما الذي تغير فعلاً في مسار النزاع، وما الذي بقي موضع تفاوض، وما إذا كانت التصريحات المتشددة قد ترجمت إلى مواقف تفاوضية جديدة.