زيارة فيليبي السادس إلى سبتة المحتلة.. بين تثبيت الموقف الإسباني وحسابات الرباط

0
62

المغرب أمام زيارة ملكية ليست الأولى في تاريخ النزاع، لكنها تأتي في ظرف مختلف: أزمة هجرة حادة، وخطاب ملكي يرفض إخضاع الشراكة للضغط، وعلاقات ثنائية تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الخلاف حول السيادة.

وصل الملك فيليبي السادس، رفقة الملكة ليتيثيا، إلى سبتة المحتلة يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، في أول زيارة لهما إلى المدينة منذ اعتلائهما العرش سنة 2014. لم تكن الزيارة مفاجأة في جدول المؤسسة الملكية الإسبانية؛ فقد أُعلنت رسمياً، وحددت أجندتها لقاءات مع السلطات المحلية وممثلي المجتمع، وزيارة مؤسسة تعليمية، ومشاركة في مراسم لتخليد ذكرى المهاجرين الذين لقوا حتفهم في البحر يومي 30 و31 يوليوز الماضي.

استقبل سكان المدينة الملكين بالأعلام الإسبانية، وردد بعضهم شعارات تؤكد تمسكهم بالانتماء إلى إسبانيا. وفي البرنامج الرسمي، تسليم مفتاح المدينة، ولقاءات مع المسؤولين، وزيارة لمدرسة في محيط متعدد الثقافات، ثم مراسم تأبين في المقبرة الإسلامية سيدي مبارك. وتقول المؤسسة الملكية الإسبانية إن الزيارة ترمي إلى التعبير عن دعم التاج للمؤسسات المحلية وسكان سبتة.

لا يحتاج هذا النوع من الزيارات إلى كثير من التأويل لفهم رسالته الأولى: ملك إسبانيا يزور مدينة تديرها الدولة الإسبانية، ويلتقي مسؤوليها وسكانها، ويؤكد حضور المؤسسة الملكية إلى جانبهم. لكن هذه الرسالة، التي قد تبدو اعتيادية في أي مدينة أخرى، تكتسب معنى مختلفاً بالنسبة إلى المغرب، الذي يعتبر سبتة ومليلية مدينتين محتلتين ويواصل المطالبة باسترجاعهما.

الزيارة، بهذا المعنى، تؤكد الموقف الإسباني القائم، لكنها لا تنشئ وحدها واقعاً قانونياً جديداً، ولا تحسم النزاع التاريخي، ولا تلغي المطالبة المغربية. وما ينبغي تجنبه هو التعامل معها كما لو أنها إعلان عن انتصار إسباني جديد أو هزيمة مغربية وقعت بمجرد أن وطئت قدما الملك أرض المدينة.

فسبتة لم تظهر في الخريطة السياسية للبلدين هذا الأسبوع، كما أن الخلاف بشأنها لم يبدأ مع فيليبي السادس.

في سنة 2007، زار الملك السابق خوان كارلوس الأول والملكة صوفيا سبتة ومليلية، وأثار ذلك أزمة دبلوماسية مع الرباط. استدعى المغرب سفيره لدى مدريد للتشاور، واحتج على الزيارة باعتبارها مساساً بموقفه من السيادة على المدينتين. كانت تلك الواقعة سابقة مباشرة ظلت حاضرة في الذاكرة الدبلوماسية للبلدين، لكنها لا تفرض بالضرورة تكرار الرد نفسه بعد نحو تسعة عشر عاماً.

الظروف تغيرت، والعلاقات المغربية الإسبانية مرت بمراحل من التوتر وإعادة بناء الثقة، كما أصبحت المصالح الاقتصادية والأمنية والهجرة جزءاً أساسياً من إدارة العلاقة. لذلك، فإن المقارنة بين الزيارتين لا ينبغي أن تنحصر في قياس مستوى الاحتجاج المغربي هذه المرة بما حدث سنة 2007. الأهم هو معرفة ما إذا كان اختلاف رد الفعل العلني يعكس اختياراً دبلوماسياً مدروساً، وما إذا كانت هناك اتصالات أو مواقف رسمية أخرى لم تظهر في التصريحات العامة.

حتى الآن، لا تكفي المعطيات المنشورة للجزم بما يدور خلف القنوات الدبلوماسية. وما رصدته الصحافة الإسبانية هو قدر من الحذر المغربي في التعامل مع الزيارة، خلافاً لما وقع في 2007. وهذا وصف لطريقة التعامل الظاهرة، وليس دليلاً في حد ذاته على التراجع أو النجاح.

الأزمة التي سبقت الزيارة تمنحها سياقاً إضافياً.

في نهاية يوليوز الماضي، شهدت سبتة تدفقاً جماعياً للمهاجرين من جهة الأراضي المغربية، في أزمة أثارت ضغطاً على السلطات المحلية، وأعادت ملف الحدود إلى قلب النقاش السياسي الإسباني. وتحدثت تقارير دولية عن عشرات الآلاف من محاولات العبور، وعن وفيات في البحر، وعن استمرار وجود أعداد من المهاجرين داخل المدينة، بينهم قاصرون. وتختلف الأرقام المتداولة باختلاف المصادر وطريقة احتساب العابرين، ولذلك لا ينبغي التعامل معها باعتبارها إحصاءً موحداً ونهائياً.

أصبحت الأزمة موضوعاً للخلاف داخل إسبانيا حول أمن الحدود، وإجراءات إعادة المهاجرين، ومسؤولية المؤسسات، وطبيعة التعاون مع المغرب. وفي الوقت نفسه، لم تكن الرباط تنظر إلى ملف الهجرة باعتباره مجرد مهمة تقنية تتعلق بمراقبة الحدود، بل باعتباره جزءاً من علاقة ثنائية تتحمل فيها مسؤوليات وتنتظر، في المقابل، تعاوناً يحترم مصالحها وشروطها.

في خطابه أمام البرلمان يوم 9 أكتوبر، تحدث الملك محمد السادس عن حدود النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرة، وانتقد ما وصفه باستغلال بعض الأوساط السياسية والإعلامية للملف، مؤكداً أن الشراكة اختيار سيادي والتزام إرادي، وليست موضوعاً للضغط أو التهديد أو الابتزاز. ودعا إلى تصور جديد للتعاون يقوم على التنمية المشتركة والقوة الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.

جاء الخطاب قبل أيام قليلة من زيارة الملك الإسباني إلى سبتة. هذا التتابع الزمني يتيح قراءة سياسية، لكنه لا يثبت أن الخطاب كان موجهاً حصراً إلى الزيارة أو أنه تضمن رداً مباشراً عليها؛ فالملك المغربي تناول ملف التعاون في مجال الهجرة، ولم يجعل الزيارة الملكية الإسبانية موضوعاً معلناً لكلمته.

التمييز مهم، لأن تحويل كل موقف مغربي إلى رد فعل على خطوة إسبانية يختزل السياسة الخارجية للمملكة في منطق الاستجابة، بينما يتضمن الخطاب الملكي نقاشاً أوسع بشأن شروط التعاون وتوزيع المسؤوليات والضغوط التي يمكن أن تصاحب ملف الهجرة.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الزيارة الإسبانية تأتي في لحظة حساسة. فالتأبين المقرر لضحايا البحر يحمل بعداً إنسانياً، ودعم المؤسسات المحلية هدف معلن، لكن حضور رأس الدولة في سبتة يحمل أيضاً دلالة سيادية واضحة بالنسبة إلى مدريد. ويمكن اجتماع هذه الأبعاد في زيارة واحدة من دون أن يكون أحدها بالضرورة التفسير الوحيد لها.

أما الحديث عن أن الملك فيليبي يستغل وضعاً سياسياً مغربياً أو يخدم حزباً بعينه، فيحتاج إلى أدلة لا توفرها الزيارة وحدها. فالملك الإسباني يتحرك بصفته رأس الدولة، فيما تتنافس الحكومة والأحزاب على تدبير أزمة الهجرة وتداعياتها. ومن المشروع تحليل المكاسب السياسية الداخلية التي يمكن أن تنتج عن الزيارة، لكن ليس من الدقة تقديم النيات الحزبية المفترضة باعتبارها وقائع ثابتة.

التاريخ الذي يفصل بين المدينتين والمغرب أقدم بكثير من الأزمة الراهنة.

استولت البرتغال على سبتة سنة 1415، ثم أصبحت المدينة تحت التاج الإسباني بعد انفصال البرتغال عن إسبانيا، وهو الوضع الذي أقرته معاهدة لشبونة سنة 1668. أما مليلية، فقد خضعت للسيطرة الإسبانية منذ سنة 1497. واستمر الوجود الإسباني في المدينتين بعد استقلال المغرب سنة 1956، بينما بقيت المطالبة المغربية باسترجاعهما جزءاً من الملفات التاريخية والسيادية العالقة بين البلدين.

هذه الوقائع لا تعني أن التاريخ وحده يكفي لحسم الوضع القانوني المعاصر، لكنها تفسر لماذا لا ينظر المغرب إلى سبتة ومليلية باعتبارهما مجرد مدينتين إسبانيتين بعيدتين جغرافياً عن شبه الجزيرة الإيبيرية. فالقضية ترتبط بتاريخ التوسع الأوروبي في شمال إفريقيا، وبمسار استكمال الوحدة الترابية للمملكة، وباختلاف مستمر بين الروايتين المغربية والإسبانية.

ولا يصح دمج هذا الملف آلياً في قضية الصحراء المغربية، رغم وجود نقاط مقارنة بينهما. فالمسيرة الخضراء سنة 1975 كانت محطة في مسار استرجاع الصحراء من الاستعمار الإسباني، أعقبتها اتفاقات مدريد وانسحاب إسبانيا، ثم تطورت قضية الصحراء ضمن مسار دولي خاص. أما سبتة ومليلية، فلهما تاريخ مختلف ووضع قانوني وسياسي مغاير. المقارنة المفيدة بين الملفات الترابية هي أن مساراتها تتأثر بالوثائق والوقائع والتحولات السياسية والدبلوماسية، لا أن نتائج أحدها تنتقل تلقائياً إلى الآخر.

في الجانب الاقتصادي، شهدت المناطق المحيطة بسبتة ومليلية تحولات عميقة بعد إغلاق الحدود خلال جائحة كوفيد-19، ثم إعادة تنظيم حركة الأشخاص والبضائع ضمن التفاهمات المغربية الإسبانية التي أعقبت مرحلة إعادة بناء العلاقات سنة 2022. وكان توقف التجارة الحدودية غير النظامية ضربة لفئات من العاملين والأسر التي ارتبط دخلها بهذا النشاط.

لكن الادعاء بأن ستة آلاف أسرة غادرت سبتة ومليلية إلى إسبانيا بسبب وقف التهريب يحتاج إلى توثيق مستقل يحدد عدد الأسر وتاريخ انتقالها وأسبابه. ولا ينبغي الخلط بين هذا الادعاء وبين أرقام المهاجرين الذين عبروا إلى سبتة خلال أزمات حدودية سابقة. فالحجة الاقتصادية تزداد قوة عندما تستند إلى أرقام موثقة عن التشغيل والتجارة والدخل وحركة السكان، لا عندما تعتمد رقماً لم يُحسم مصدره.

المؤكد أن العلاقة الاقتصادية بين البلدين أوسع من ملف المدينتين. فهناك تجارة واستثمارات وتعاون أمني ومصالح مرتبطة بالهجرة والبنية التحتية والاستقرار الإقليمي. وقد أعادت خارطة الطريق المغربية الإسبانية سنة 2022 تأكيد أهمية الحوار والتعاون وتطبيع حركة الأشخاص والبضائع. ولا يلغي ذلك الخلاف حول السيادة، مثلما أن الخلاف لا يجعل كل أشكال التعاون مستحيلة.

بالنسبة إلى المغرب، لا يتطلب الدفاع عن المطالبة الوطنية تحويل كل زيارة إسبانية إلى أزمة دبلوماسية، كما لا يعني الحفاظ على المصالح المشتركة قبول الأمر الواقع باعتباره نهاية للنقاش. وتظل المسألة مرتبطة بقدرة الدولة على إدارة الملفات المختلفة وفق أدواتها وأهدافها، مع وضوح الموقف الوطني وعدم الخلط بين ضبط التصريحات والتنازل عن الحقوق.

وقد اتجه جزء من التغطية الإعلامية إلى وصف الزيارة بالاستفزاز، بينما ركزت تغطيات أخرى على بعدها المؤسساتي وأزمة الهجرة. ولكل قراءة ما تستند إليه، لكن الصحافة مطالبة بالتمييز بين الرسالة السيادية التي تحملها الزيارة، والنية المفترضة وراء توقيتها، والنتائج الفعلية التي قد تترتب عليها. فاللغة الغاضبة لا تعوض نقص الأدلة، كما أن تجنب التصعيد لا يكفي وحده لإثبات أن كل شيء يسير وفق خطة ناجحة.

الزيارة حدث رسمي إسباني، وسبتة قضية مغربية قائمة، والعلاقات بين الرباط ومدريد تتجاوز حدود الخلاف الترابي إلى شبكة من المصالح المتبادلة. أما ما ستقرره الرباط بشأن الرد الدبلوماسي، فلا يمكن استباقه من خلال التوقعات الإعلامية وحدها. المعيار هو ما ستكشف عنه المواقف الرسمية والخطوات اللاحقة، ومدى حفاظ المغرب على مصالحه ومطالبه في علاقة لا يستطيع أي من الطرفين اختزالها في مشهد ملكي واحد.