حكومة المنصوري أمام اختبار الحريات الفردية.. هل يفرض «الميزان» حدود الحداثة على «الجرار» و«الوردة» و«الكتاب»؟

0
73

من تصريحات عبد اللطيف وهبي إلى موقف عبد الجبار الراشدي، يعود النقاش حول العلاقات الرضائية والقانون الجنائي ومدونة الأسرة إلى واجهة الحسابات الحكومية. لكن انتقال هذه الملفات إلى الولاية الجديدة سيكشف ما إذا كانت المرجعيات الحزبية المتباينة قادرة على إنتاج قرارات تشريعية واضحة.

أعلنت فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعينة، يوم 12 أكتوبر 2026، عن تشكيل أغلبية حكومية تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية. وفي البيان المشترك، تحدثت الأحزاب الأربعة عن حكومة منسجمة، وعن تقوية الحريات والحقوق وتحقيق العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي.

تبدو هذه الصياغة واسعة بما يكفي لتجمع مكونات سياسية تختلف في مرجعياتها وتصوراتها لبعض القضايا المجتمعية. غير أن اختبار هذا التوافق سيأتي عندما ينتقل الحديث عن الحقوق والحريات من لغة البلاغات إلى مقتضيات قانونية محددة، خصوصا في الملفات التي تمس العلاقة بين الحياة الخاصة للفرد والتدخل التشريعي للدولة.

حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تقود المنصوري من خلاله الأغلبية، يرتبط بخطاب التحديث المجتمعي، بينما يحمل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية امتدادا سياسيا يساريا وتقدميا. أما حزب الاستقلال، فيحتفظ بمرجعية وطنية محافظة في عدد من القضايا الاجتماعية. وهذه توصيفات عامة لا تعني أن الأحزاب الثلاثة الأولى تتبنى موقفا واحدا من كل إصلاح، أو أن الاستقلال يرفض جميع التغييرات القانونية المرتبطة بالحريات.

المسألة الأكثر أهمية هي معرفة ما سيحدث عندما يصبح الاختلاف محددا، وتُطرح مادة قانونية للتعديل أو الإبقاء، ويُطلب من كل حزب أن يوضح موقفه من صيغة تشريعية بعينها.

تصريحات سابقة تضع الاختلاف أمام امتحان جديد

في النقاش الذي رافق عمل الحكومة السابقة، تحدث عبد اللطيف وهبي، وزير العدل آنذاك، عن وجود تيارين داخل الجهاز التنفيذي، أحدهما حداثي والآخر محافظ. وفي تصريحات نقلتها وسائل إعلام، وصف حزب الاستقلال بأنه محافظ إلى حد ما، معتبرا أن درجة محافظته لا تصل إلى المستوى الذي نسبه إلى حزب العدالة والتنمية.

كان وهبي يدافع، من موقعه الحكومي، عن ضرورة التعامل مع اختلاف المرجعيات داخل الأغلبية. وقد لخّص موقفه بالقول إن الحكومة تضم أصوات الحداثيين والمحافظين، وإن وجود حزب الاستقلال ضمنها يستوجب قبول هذا التنوع.

لكن تصريحات عبد الجبار الراشدي، رئيس المجلس الوطني لحزب الاستقلال، نقلت النقاش من التوصيف العام إلى موقف سياسي أكثر تحديدا. ففي لقاء خاص مع هسبريس نُشر في 16 شتنبر 2026، أعلن الراشدي رفض حزبه للعلاقات الرضائية، مستخدما عبارة واضحة: «نحن ضدها».

هذا موقف معلن من مسؤول حزبي، وليس دليلا كافيا وحده على كيفية تصويت جميع نواب الحزب على كل مقتضى قانوني محتمل. لكنه يقدم مؤشرا ينبغي أخذه في الاعتبار عند قراءة مستقبل الإصلاحات التي تتصل بالعلاقات الخاصة والتجريم والعقوبات.

والفارق هنا أن التوافق على تشكيل حكومة يقتضي الاتفاق على الحد الأدنى من العمل المشترك، بينما لا يعني بالضرورة تطابق الأحزاب في كل الاختيارات التشريعية. وقد تنجح الأغلبية في تجاوز خلافاتها بشأن بعض الملفات الاقتصادية والاجتماعية، ثم تجد نفسها أمام تفاوض أكثر تعقيدا عندما يتعلق الأمر بقضايا تتصل بالقيم والحقوق الفردية.

القانون الجنائي: أين ينتهي التوافق وتبدأ الاختيارات؟

من بين الملفات التي ستحدد طبيعة هذا التوازن، ورش مراجعة القانون الجنائي. فالنقاش المرتبط بهذا الورش يتجاوز الصياغة التقنية للنصوص، لأنه يطرح أسئلة عن نطاق التجريم، وحدود تدخل القانون في الحياة الخاصة، والضمانات التي ينبغي أن تحمي الأفراد من أي تدخل غير متناسب مع الحقوق التي يكفلها القانون.

وقد سبق لعبد اللطيف وهبي أن تبنى خطابا يدعو إلى مراجعة عدد من المقتضيات المرتبطة بالحريات الفردية. غير أن موقف الوزير، حتى عندما يكون واضحا، لا يكفي وحده لتحديد ما ستنتهي إليه الحكومة؛ فالصيغة النهائية لأي مشروع تتأثر بمضمون النص المقترح، وبالمناقشة داخل الحكومة والبرلمان، وبالتعديلات التي قد تقدمها الفرق البرلمانية.

وإذا عاد وهبي إلى وزارة العدل في الحكومة الجديدة، فسيكون السؤال المتعلق بقدرته على مواصلة هذا التوجه مرتبطا بعاملين متداخلين: طبيعة المشروع الذي سيقدمه، ومدى استعداد حلفائه للدفاع عن مقتضياته عندما تصبح موضع نقاش سياسي وتشريعي. أما إذا أُسندت الوزارة إلى مسؤول آخر، فسيظل الاختبار قائما، لأن الملفات نفسها ستبقى مطروحة على الحكومة.

لا تتوافر، في المعطيات المتاحة عند إعلان الأغلبية، قرارات تشريعية جديدة تسمح بالجزم بأن الحكومة اتفقت على موقف موحد من العلاقات الرضائية أو من جميع المقتضيات المتصلة بالحريات الفردية. لذلك فإن الحديث عن مواجهة محسومة بين مكونات الأغلبية يسبق الوقائع، تماما كما أن افتراض تجاوز الخلافات بمجرد الاتفاق على تشكيل الحكومة يتجاهل المواقف المعلنة لبعض قياداتها.

قد تختار الأحزاب التوافق على صيغة وسطية، وقد تتفق على تعديلات محددة وتختلف حول أخرى، وقد تؤجل بعض الملفات إلى حين استكمال المشاورات. وتبقى هذه احتمالات مرتبطة بما ستقدمه الحكومة فعليا، لا نتائج يمكن استخلاصها من تركيبتها وحدها.

مدونة الأسرة تطرح سؤالا مختلفا

تفتح مراجعة مدونة الأسرة بدورها مجالا لاختبار قدرة الأغلبية على التوفيق بين المرجعيات المتباينة. غير أن هذا الملف لا ينبغي اختزاله في ثنائية حداثة ومحافظة، لأن تفاصيل الإصلاح تشمل قضايا قانونية واجتماعية متعددة، وقد تختلف مواقف الأحزاب بحسب كل مقتضى على حدة.

ومن ثم، فإن التقارب المفترض بين الأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية لا يكفي للقول إنها ستتحرك في جبهة موحدة. فالتشابه في بعض المرجعيات لا يلغي اختلاف الأولويات، كما أن وجود حزب الاستقلال لا يعني تلقائيا تعطيل كل إصلاح ذي بعد اجتماعي.

المعيار الذي سيكشف حقيقة التوازن هو مضمون المقترحات التي ستتبناها الحكومة، ثم مواقف الأحزاب والفرق البرلمانية منها. وسيكون من المفيد تتبع ما إذا كانت هذه المكونات ستقدم تصورات مشتركة قبل عرض النصوص، أم ستترك لكل ملف مسارا تفاوضيا مستقلا.

وفي الحالتين، تظل المسؤولية السياسية قائمة: الحزب الذي يعلن دعمه لتوسيع الحقوق مطالب بتوضيح موقفه من الإجراءات القانونية التي تجسد هذا التوجه، والحزب الذي يعلن تحفظه مطالب بدوره بتحديد المقتضيات التي يعترض عليها وأسباب اعتراضه، بدلا من الاكتفاء بتوصيفات عامة.

المنصوري أمام مسؤولية إدارة الاختلاف

يضع موقع فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة المقبلة هذا النقاش ضمن مسؤوليات القيادة الحكومية. فهي تقود أغلبية تتكون من أربعة أحزاب، وقد أعلنت هذه المكونات اتفاقها على العمل في إطار حكومة منسجمة، وعلى برنامج حكومي سيُعد في المرحلة المقبلة.

لكن الانسجام السياسي لا يُقاس فقط بقدرة الأحزاب على الاتفاق على توزيع المسؤوليات أو صياغة برنامج عام. إنه يظهر أيضا في طريقة تدبير الخلاف عندما يتعلق الأمر بقرارات تمس المجتمع مباشرة. ولا يعني ذلك أن الحكومة مطالبة بإلغاء التباينات بين مكوناتها؛ فوجود الاختلاف أمر طبيعي في التحالفات السياسية، لكن المطلوب هو أن تكون التسويات واضحة وأن تتحمل الأطراف مسؤولية مواقفها.

كما أن الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، إذا أرادا تحويل مرجعيتهما التقدمية إلى أثر تشريعي، فسيكون عليهما توضيح ما يدعمانه تحديدا داخل النصوص المطروحة. والأمر نفسه ينطبق على الأصالة والمعاصرة، الذي يقود الأغلبية، وعلى حزب الاستقلال الذي عبّر أحد أبرز مسؤوليه عن موقف صريح من العلاقات الرضائية.

أما الرهان المرتبط باستضافة المغرب كأس العالم 2030، فيمكن أن يضيف إلى السياسات العامة أسئلة عن صورة البلاد وتطورها الاجتماعي، لكنه لا يشكل، في حد ذاته، دليلا على اتجاه حتمي نحو تعديل قوانين بعينها. فالإصلاحات التشريعية تحتاج إلى قرارات ومقترحات ومناقشات موثقة، لا إلى استنتاجات تُبنى على حدث دولي مرتقب.

في النهاية، ستتضح طبيعة هذه الأغلبية من خلال ما ستفعله بالنصوص الموضوعة أمامها، لا من خلال الأوصاف التي تطلقها على نفسها أو على شركائها. وسيكون موقف حزب الاستقلال من مشاريع محددة، كما سيكون موقف الأحزاب ذات الخطاب التقدمي منها، جزءا من هذا الاختبار. أما الآن، فإن الاتفاق على تشكيل الحكومة ثابت، بينما لا تزال كيفية تدبير الخلاف حول الحريات الفردية ومراجعة القانون الجنائي ومدونة الأسرة رهينة بما ستكشف عنه القرارات المقبلة.