عودة الرياضة إلى وزارة الشباب.. الخطوة الأولى تحققت، والاختبار يبدأ مع مهدي بنسعيد

0
75

فصل الرياضة عن قطاع التعليم الأولي يعيد ترتيب المسؤوليات الحكومية، لكنه يفتح ملفاً أوسع يتعلق بمستقبل الإدارة الرياضية، والقانون المنظم للقطاع، وحدود تدخل الإدارة في الجامعات، وحق الشباب المغربي في ممارسة الرياضة بعيداً عن المحسوبية والزبونية.

تضمّنت التشكيلة الحكومية التي جرى الإعلان عنها يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026 تعيين محمد مهدي بنسعيد وزيراً للشباب والثقافة والرياضة، إلى جانب صلاح الدين أبكاري وزيراً منتدباً لدى الوزير نفسه، مكلفاً بالشباب. وبذلك عادت الرياضة إلى قطاع حكومي يجمعها بالشباب والثقافة، بعدما كانت ضمن قطاع التعليم الأولي والتربية الوطنية.

بالنسبة إلى الفاعلين الذين طالبوا بفصل الرياضة عن التعليم الأولي، تمثل هذه الخطوة استجابة لمطلب يتعلق بموقع القطاع داخل الهيكلة الحكومية. لكن الإعلان عن التعيين لا يكشف، في حد ذاته، طبيعة الاختيارات التي ستوجّه تدبير الرياضة خلال المرحلة المقبلة، ولا ما إذا كان هذا التغيير سيصاحبه تحول في أدوات العمل والإدارة والتمويل.

فقد عرفت الرياضة المغربية خلال السنوات الماضية تداخلاً بين مسؤوليات مؤسساتية مختلفة، بينما ظلت أسئلة الممارسة الرياضية اليومية، ووضع الأندية، وتكوين الأطر، وتدبير الجامعات، وتوسيع قاعدة المستفيدين من المنشآت الرياضية مطروحة على الفاعلين في القطاع. وإعادة ترتيب الاختصاصات الحكومية تتيح فرصة لإعادة النظر في هذه الملفات، لكنها لا تقدم جواباً تلقائياً عنها.

المرحلة الأولى من مطلب فصل الرياضة عن التعليم الأولي تحققت. والمرحلة التالية تتعلق بما ستفعله الحكومة بهذا الاختيار.

من تغيير الوصاية إلى مراجعة طريقة التدبير

المطلوب من مهدي بنسعيد لا يقتصر على استعادة الملفات الرياضية إلى وزارته، بل يشمل تحديد الكيفية التي ستدار بها هذه الملفات، وطبيعة العلاقة التي ستربط الوزارة بالجامعات الرياضية والأندية والجمعيات والرياضيين.

لقد أصبح من الضروري فتح نقاش حول بنية الإدارة المكلفة بالرياضة، واختصاصاتها، وحدود تدخلها في شؤون الهيئات الرياضية. فالإدارة مطالبة بتطبيق القانون، ومراقبة احترام شروط الدعم العمومي، وضمان الشفافية والمحاسبة، لكنها مطالبة أيضاً بتفادي تحويل سلطتها التنظيمية إلى وسيلة للتأثير غير المبرر في التسيير الرياضي.

وتبرز هنا مسألة الكفاءات. فالتكوين في معاهد الرياضة ينبغي أن يتيح تأهيل المدربين والأطر التقنية، وفق اختصاصاتهم ومؤهلاتهم، بينما يتطلب تدبير المؤسسات والجامعات الرياضية كفاءات إدارية وقانونية ومالية وتدبيرية. ولا يصح التعامل مع هذه المجالات كما لو كانت اختصاصاً واحداً، أو اعتبار الشهادة التقنية وحدها معياراً كافياً لتولي المسؤوليات الإدارية.

كما أن أي تقييم للمنظومة لا ينبغي أن يتحول إلى حكم جماعي على خريجي معهد مولاي رشيد أو غيره من مؤسسات التكوين. المطلوب هو إخضاع المسؤوليات لمعايير الكفاءة والنتائج والنزاهة، بصرف النظر عن المؤسسة التي تخرج منها المسؤول، مع وضع حد لأي تضارب في المصالح أو امتيازات لا تستند إلى معايير واضحة.

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى مراجعة المديرية المكلفة بالرياضة، بما في ذلك بحث إلغاء هيكلتها الحالية إذا أثبت التقييم أنها لم تعد تستجيب لحاجات القطاع، وإحداث بنية جديدة أو هيئة متخصصة تتولى تدبير الشأن الرياضي وفق اختصاصات محددة، وآليات للمحاسبة، ومؤشرات معلنة لقياس النتائج.

المقصود ليس تغيير الأسماء والمسميات داخل الإدارة، بل تغيير طريقة اشتغالها، وتحديد المسؤوليات حتى لا تضيع المحاسبة بين تعدد المتدخلين.

القانون رقم 30.09 أمام اختبار النتائج

يمتد النقاش إلى القانون رقم 30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة، الصادر سنة 2010، والذي يشكل أحد الأطر القانونية الأساسية لتنظيم القطاع. وقد صدرت لتطبيقه نصوص تنظيمية، من بينها المرسوم رقم 2.10.628 الصادر في 4 نوفمبر 2011.

هذا القانون يستحق تقييماً شاملاً بعد سنوات من تطبيقه، لا من خلال عدد مواده أو حجم النصوص التنظيمية المرتبطة به، وإنما من خلال ما أتاحه فعلياً من تنظيم للممارسة الرياضية، وضمان لتكافؤ الفرص، وتحسين للحكامة، وتطوير للأندية والجامعات، وحماية لحقوق الرياضيين.

وتشمل المراجعة المطلوبة البحث في مدى ملاءمة شروط اعتماد الجمعيات وتأهيل الجامعات، وحدود سلطة الإدارة في علاقاتها بهذه الهيئات، وسبل الاعتراض على القرارات، وضمانات الشفافية في الدعم العمومي. وهذه مسائل يمكن تقييمها من خلال النصوص القانونية والممارسة الفعلية، بدلاً من اختزال النقاش في الدفاع عن القانون أو المطالبة بإلغائه دون دراسة.

أما الدعوة إلى إلغاء القانون وتعويضه بإطار تشريعي جديد، فهي خيار ينبغي أن يخضع لتقييم قانوني ومؤسساتي معلل، يحدد المقتضيات التي تعثرت، والبدائل المقترحة، والضمانات التي ستمنع إعادة إنتاج الاختلالات نفسها.

والاستفادة من التجارب الأجنبية ممكنة، لكن المقارنة تحتاج إلى تدقيق. ففرنسا تتوفر على مدونة للرياضة تنظم مجالات متعددة، من دور الدولة والهيئات الرياضية إلى تنظيم الممارسة والتأطير.

غير أن الاستفادة من هذه التجربة لا تعني نقل نصوصها آلياً، بل دراسة المؤسسات وآليات الرقابة والتمويل وتوزيع المسؤوليات التي تجعل المنظومة قابلة للعمل.

رياضة الشعب لا ينبغي أن تتحول إلى مجال مغلق

يبقى جوهر الإصلاح مرتبطاً بمن يستفيد من الرياضة، ومن يستطيع الولوج إلى مواقع القرار داخلها.

فالرياضة المغربية لا تختزل في المنتخبات الوطنية أو الجامعات أو الرياضات التي تحظى بحضور رسمي وإعلامي واسع. هناك أندية محلية، وجمعيات، ومدربون، وممارسون، وشباب في أحياء ومدن ومناطق بعيدة عن مراكز القرار، يحتاجون إلى فضاءات وتجهيزات وتأطير وفرص حقيقية للممارسة.

ولا ينبغي أن تتحول الاختلافات في المكانة الاجتماعية أو العلاقات الشخصية إلى عوامل تحدد فرص الولوج إلى المسؤولية أو الاستفادة من الإمكانات المتاحة. المطلوب قواعد واضحة لتوزيع الدعم، وإعلان معايير الاستفادة، ومراقبة طرق صرف المال العام، وفتح المجال أمام الكفاءات الجديدة، مع ضمان حق المتضررين في التظلم وفق القانون.

وفي المقابل، فإن وجود جامعات ملكية أو هيئات مرتبطة برياضات لها خصوصياتها التنظيمية لا يكفي، في حد ذاته، للحكم على طريقة تدبيرها أو المطالبة بإلغاء وضعها. ينبغي أن ينصب التقييم على الحكامة والنتائج ومدى احترام القواعد، مع مراعاة الاختصاصات القانونية والأنظمة المعمول بها.

المبدأ الذي ينبغي الدفاع عنه هو أن تظل الرياضة متاحة للمغاربة جميعاً، وأن تكون فرص التكوين والممارسة والتقدم المهني قائمة على الاستحقاق، لا على النفوذ أو العلاقات.

هل تحتاج رياضات الدفاع عن النفس إلى إطار خاص؟

تستحق رياضات الدفاع عن النفس بدورها نقاشاً مؤسساتياً، بالنظر إلى تعدد تخصصاتها واختلاف متطلبات التأطير والتكوين والسلامة والتحكيم. ويمكن بحث جدوى إحداث مجلس أعلى أو إطار تنسيقي خاص بهذه الرياضات، إذا أظهرت الدراسة أن تعدد المتدخلين يخلق صعوبات فعلية في التنظيم أو يضعف حماية حقوق الممارسين.

لكن إحداث مؤسسة جديدة لا يمثل حلاً بذاته. ينبغي تحديد علاقتها بالجامعات الرياضية القائمة، واختصاصاتها القانونية، وكيفية تمثيل التخصصات المختلفة داخلها، وآليات انتخاب مسؤوليها ومراقبة قراراتها. وإلا فقد تنتقل الاختلالات من بنية إلى أخرى من دون معالجة أسبابها.

التصريح الحكومي والميزانية: الاختبار المقبل

ستتضح ملامح السياسة الرياضية بصورة أكبر من خلال التصريح الحكومي ومشروع قانون المالية لسنة 2027، المرتقب عرضهما أمام البرلمان وفق الجدولة التي أشرتم إليها.

وسيكون من المهم تتبع موقع الرياضة في الأولويات الحكومية، وحجم الموارد المخصصة لها، وكيفية توزيعها، والبرامج التي ستستهدف الأندية والجمعيات والرياضة المدرسية والجامعية والرياضة للجميع، فضلاً عن البنيات التحتية وتكوين الأطر. كما ينبغي معرفة ما إذا كانت الحكومة ستعلن عن مراجعة الإطار القانوني أو الإداري، أم ستكتفي باستمرار البرامج القائمة.

أما تعيين مهدي بنسعيد، فهو بداية مرحلة جديدة في توزيع المسؤولية الحكومية عن القطاع، وليس دليلاً مسبقاً على نجاحها أو إخفاقها. وستتوقف دلالة هذه العودة على القرارات التي ستتخذها الوزارة، والموارد التي ستُعبّأ، والآليات التي ستعتمدها لتقييم النتائج ومحاسبة المسؤولين.

والرسالة التي تستحق أن تصل إلى الوزير واضحة: إن استعادة الرياضة إلى وزارة الشباب ينبغي أن تتجاوز تغيير موقعها في الهيكلة الحكومية، لتفتح نقاشاً جدياً حول الإدارة والقانون والتمويل وتكافؤ الفرص. والرهان هو أن يجد الشاب المغربي في الرياضة مجالاً مفتوحاً للممارسة والتطور، وأن يجد النادي والجمعية إطاراً واضحاً للعمل، وأن يخضع المسؤول الرياضي للمحاسبة على أساس ما يحققه، لا على أساس موقعه داخل شبكة العلاقات.

الأسابيع المقبلة ستتيح أولى المؤشرات العملية على اتجاه الحكومة. وسيكون التصريح الحكومي والميزانية أول وثيقتين ينبغي قراءتهما لمعرفة ما إذا كانت عودة الرياضة إلى وزارة الشباب ستقترن بإصلاح ملموس، أم ستظل في حدود إعادة توزيع الاختصاصات.