وهبي يعود إلى وزارة العدل رغم عاصفة المحامين وتعثر المسطرة المدنية.. هل أصبح الجدل حوله جزءاً من معادلة الاستمرار؟

0
58

عاد عبد اللطيف وهبي إلى وزارة العدل في الحكومة الجديدة التي ترأس الملك محمد السادس مراسم تعيين أعضائها، اليوم الجمعة بالقصر الملكي بالرباط. تجديد الثقة في الوزير يأتي بعد أشهر شهدت توقف المحامين عن تقديم خدماتهم المهنية، وخلافاً حاداً حول مشروع القانون المنظم للمهنة، فضلاً عن قرار المحكمة الدستورية الذي قضى بعدم دستورية مقتضيات متعددة من قانون المسطرة المدنية.

وهبي، الذي احتفظ بحقيبة العدل في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، يدخل ولاية حكومية جديدة وهو يعرف أن علاقته بجزء من الجسم المهني الذي يفترض أن يكون شريكاً أساسياً في إصلاح العدالة أصبحت موضوع نزاع علني. وفي المقابل، واصلت وزارته الدفع بمشاريع تشريعية تقول إنها تستهدف تحديث المهن القانونية وتحسين أداء المنظومة القضائية.

تجديد التعيين واقعة رسمية. أما تفسيره باعتباره دليلاً على رضا القصر أو ما يُسمّى «المخزن» و«الدولة العميقة» عن جميع اختيارات الوزير، فيحتاج إلى قدر أكبر من الحذر. لا يتضمن بلاغ التعيين الملكي تقييماً لحصيلة وهبي، ولا يشرح أسباب الاحتفاظ به. لذلك، فإن السؤال الصحافي الأكثر دقة يتعلق بما إذا كانت الاستمرارية تعني استمرار الرهان على اختياراته الإصلاحية، أم أن التقييم النهائي سيظل مرتبطاً بما ستسفر عنه الولاية الجديدة.

إضراب المحامين.. حين انتقل الخلاف من النصوص إلى المحاكم

بدأت واحدة من أبرز محطات المواجهة في 7 يناير 2026، عندما دخل المحامون في توقف شامل عن العمل احتجاجاً على مضامين مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، الذي صادق عليه مجلس الحكومة في 8 يناير. واستمر التوقف إلى أن قررت جمعية هيئات المحامين بالمغرب تعليق الإضراب في فبراير، بعد تدخل رئيس الحكومة عزيز أخنوش وفتح مسار جديد للنقاش.

لم يكن الخلاف متعلقاً بتفصيل تقني واحد. فقد دار النقاش حول طبيعة تنظيم المهنة، واستقلاليتها، وشروط الولوج إليها، والعلاقة بين المحامي وموكله، وحدود تدخل السلطة الحكومية في تأطير الممارسة المهنية.

من وجهة نظر وزارة العدل، يحتاج تنظيم المهنة إلى مراجعة قانون يعود إطاره السابق إلى سنوات طويلة، بما يسمح بتحديث قواعدها وتعزيز الشفافية والحكامة. وقد قدم وهبي المشروع باعتباره جزءاً من إصلاح أوسع للمهن القانونية والقضائية، مشيراً إلى أن إعداده مر بمشاورات امتدت لسنوات.

أما جمعية هيئات المحامين، فقد تمسكت بمخاوف تتصل باستقلال المهنة وحصانة الدفاع وطبيعة العلاقة بين التنظيم المهني والسلطة التنفيذية. وقد دخلت هذه المخاوف في صلب الاحتجاجات، وأصبحت العودة إلى الحوار مرتبطة بإعادة مناقشة النص ومقتضياته.

وعندما يتوقف المحامون عن تقديم خدماتهم، لا يبقى الخلاف محصوراً بين الوزارة والهيئات المهنية. فالمتقاضي الذي ينتظر جلسة أو إجراءً قضائياً يجد نفسه أمام تأخير قد تكون له كلفة مادية أو اجتماعية، وقد تتأثر مصالحه تبعاً لطبيعة القضية وآجالها. لكن تقدير حجم الضرر الإجمالي الذي لحق المتقاضين يحتاج إلى بيانات رسمية عن الملفات والجلسات التي تأجلت، ولا يصح اختزاله في رقم غير موثق.

في 12 فبراير، أعلنت جمعية هيئات المحامين تعليق الإضراب والعودة إلى الخدمات المهنية، بعد تدخل رئيس الحكومة. كان ذلك انفراجاً في الأزمة، لكنه لا يساوي بالضرورة تسوية جميع أسباب الخلاف. فتعليق الاحتجاج يتيح استئناف العمل، بينما يظل التوافق التشريعي رهيناً بمضمون النص النهائي ومدى استجابته للملاحظات المهنية.

قانون المهنة.. الخلاف استمر داخل المؤسسات

في 15 أبريل 2026، قدم وهبي مشروع القانون رقم 66.23 أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب. وفي 19 ماي، صادق مجلس النواب عليه بأغلبية 163 صوتاً مقابل 57 صوتاً معارضاً، دون امتناع. ثم صادقت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس المستشارين على المشروع في 22 يونيو، بموافقة ستة مستشارين وامتناع أربعة عن التصويت.

هذه المحطات تبيّن أن المشروع انتقل إلى مراحل تشريعية متقدمة رغم الاحتجاجات التي رافقت إعداده. لكنها لا تثبت وحدها أن الخلاف انتهى، ولا أن جميع المحامين اقتنعوا بالصيغة التي جرى التصويت عليها. فالأغلبية البرلمانية تقيس موقف المصوتين داخل المؤسسة التشريعية، بينما يقاس التوافق المهني بمواقف الهيئات المعنية وبمدى استجابتها للمقتضيات الجديدة.

والفارق مهم هنا. فالوزارة تستطيع الدفاع عن مشروعها باعتباره إصلاحاً ضرورياً، والبرلمان يستطيع المصادقة عليه وفق المساطر الدستورية، لكن استمرار التوتر بين الجهة المنظمة للمرفق والمهنيين الذين يشاركون في تشغيله يظل عاملاً يستحق المتابعة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحق الدفاع وضمانات التقاضي.

كما أن التوتر لم يقتصر على قانون المحاماة. فقد سبق أن أثار قانون المسطرة المدنية نقاشاً دستورياً واسعاً، وانتهى إلى محطة أكثر حساسية من مجرد اختلاف في وجهات النظر.

المحكمة الدستورية.. محطة لا يمكن تجاوزها في تقييم الحصيلة

في 4 غشت 2025، أصدرت المحكمة الدستورية قرارها رقم 255/25 بشأن القانون رقم 02.23 المتعلق بالمسطرة المدنية، وقضت بعدم مطابقة مجموعة من مقتضياته للدستور. وشمل القرار مواد متعددة مرتبطة بإجراءات التبليغ والتقاضي، ومقتضيات أخرى رأت المحكمة أنها لا تتوافق مع الأحكام الدستورية ذات الصلة.

كانت هذه محطة تشريعية ذات دلالة مؤسساتية واضحة. فالقانون الذي مر عبر المسار البرلماني لا يصبح بمنأى عن الرقابة الدستورية، والوزارة التي تقترح النصوص تظل مطالبة بمراجعتها عندما تكشف الرقابة عن تعارض بعض أحكامها مع الدستور.

لكن من الضروري أيضاً ضبط الوصف: قرار المحكمة الدستورية لا يعني إسقاط جميع إصلاحات وهبي، ولا يثبت أن كل اختيارات الوزارة كانت خاطئة. إنه يثبت أن مقتضيات محددة في النص المعروض عليها لم تكن مطابقة للدستور، وهو أمر كافٍ لطرح أسئلة جدية بشأن جودة الصياغة التشريعية، وآليات التدقيق القانوني، ومدى استحضار الضمانات الدستورية منذ مرحلة إعداد المشروع.

وفي يناير 2026، عادت الحكومة إلى مشروع قانون المسطرة المدنية رقم 58.25، بعد ترتيب الآثار القانونية المترتبة على قرار المحكمة الدستورية. وصادقت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب على المشروع في 5 يناير، ثم صادقت عليه لجنة مجلس المستشارين في 2 فبراير بالإجماع.

وهنا تظهر ضرورة الفصل بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الدستورية. فالوزير يتحمل مسؤولية سياسية عن المشاريع التي يقترحها وعن طريقة تدبيرها، بينما تبقى المحكمة الدستورية صاحبة الاختصاص في البت في مطابقة النصوص للدستور. ولا يجوز تحويل قرارها إلى حكم شخصي شامل على الوزير، كما لا يجوز التعامل معه باعتباره تفصيلاً عابراً في حصيلته.

مدونة الأسرة.. ملف آخر ينتظر اختبار التوافق

تعود وزارة العدل في الولاية الجديدة أيضاً إلى ملفات تشريعية واجتماعية شديدة الحساسية، وفي مقدمتها مراجعة مدونة الأسرة. ففي مناقشة برلمانية يوم فاتح دجنبر 2025، أوضح وهبي أن مسودة تعديل المدونة كانت قد أُعدت، لكنها ظلت خاضعة للنقاش والتدقيق داخل الحكومة، مع استمرار دراسة مقتضيات مرتبطة بالولاية والحضانة والزواج والطلاق.

وتتجاوز حساسية هذا الورش الجانب التقني للقانون. فمدونة الأسرة تمس العلاقات داخل الأسرة، وحقوق النساء والأطفال، ومسؤوليات الآباء والأمهات، والتوازن بين المرجعيات الدينية والاجتهاد القانوني والتحولات الاجتماعية. لذلك، فإن نجاح أي مراجعة لا يتوقف على إعداد مواد جديدة أو تمريرها عبر المؤسسات، بل يرتبط كذلك بوضوح الخيارات، وجودة النقاش العمومي، ومدى قدرة النص النهائي على توفير ضمانات قانونية قابلة للتطبيق.

وفي هذا الملف تحديداً، توجد مواقف مختلفة لدى الفاعلين السياسيين والحقوقيين والمدنيين، بين من يطالب بتوسيع بعض الضمانات الحقوقية، ومن يركز على حماية المرجعية الدينية والأسرة، ومن يناقش آثار التعديلات المحتملة على الحياة اليومية للمواطنين. ولا يمكن اختزال هذه المواقف في معسكرين متجانسين، كما لا يصح تقديم أي تصور باعتباره موقف المجتمع المغربي بأكمله من دون أدلة.

إبقاء وهبي على رأس وزارة العدل يعني أنه سيواصل تحمل المسؤولية الحكومية عن جانب أساسي من هذا الورش، لكن لا توجد في بلاغ التعيين معطيات تسمح بالقول إن تجديد الثقة فيه حُسم تحديداً بسبب مدونة الأسرة، أو إن القصر اتخذ قراراً استراتيجياً معلناً لتكليفه بتمرير صيغة بعينها.

ماذا تعني ولاية جديدة لوهبي؟

عودة وهبي إلى الوزارة بعد هذه الملفات تفتح سؤالاً سياسياً مشروعاً حول معايير الاستمرارية في تدبير الحكومة. فالوزراء لا يغادرون مناصبهم بالضرورة عند كل خلاف مهني، ولا تعني إعادة تعيينهم أن كل اعتراض على سياساتهم قد رُفض. وقد تكون الاستمرارية مرتبطة بتقدير سياسي لحاجة الإصلاح إلى متابعة، أو باختيارات تتعلق بتوازنات الحكومة، أو بتقييمات أخرى لم تُعلن تفاصيلها.

أما الحديث عن رضا «المخزن» أو «الدولة العميقة»، فيظل بحاجة إلى أدلة مستقلة تحدد المقصود بهذه التعبيرات وتثبت العلاقة السببية بينها وبين التعيين. المؤكد هو أن الملك ترأس مراسم تعيين الحكومة الجديدة، وأن وهبي احتفظ بوزارة العدل. وما وراء ذلك من تفسير لدوافع القرار ينبغي أن يبقى في نطاق الفرضيات ما لم تسنده معطيات موثوقة.

والأمر نفسه ينطبق على وصف هذه العودة بأنها سابقة لم تحدث في تاريخ الحكومات المغربية. فإثبات مثل هذا الادعاء يستلزم مراجعة تاريخية للتعيينات الحكومية المتعاقبة، وتحديد المقصود بدقة: هل يتعلق الأمر بتجديد ولاية متتالية في حقيبة العدل، أم باستمرار وزير في منصبه عبر أكثر من حكومة؟ من دون هذا التحديد، لا يمكن تقديم العبارة كحقيقة تاريخية محسومة.

في المقابل، لا يحتاج تقييم الولاية الجديدة إلى افتراضات بشأن ما يدور داخل دوائر القرار. يكفي الرجوع إلى الملفات المفتوحة: علاقة الوزارة بالمحامين، جودة التشريع، تنفيذ قرارات المحكمة الدستورية، مصير مدونة الأسرة، وسرعة الخدمات القضائية وضمانات المتقاضين.

وهبي أمام فرصة لاستكمال الإصلاحات التي يدافع عنها، لكنه أمام مسؤولية أيضاً في معالجة الخلافات التي صاحبتها. وستكون الأشهر المقبلة مناسبة لمراقبة ما إذا كان الحوار مع الهيئات المهنية سيتحول إلى توافق مستقر، وما إذا كانت المشاريع التشريعية ستصل إلى صيغ أكثر إحكاماً، وما إذا كان المواطن سيلاحظ تحسناً في مسار التقاضي وخدمات المحاكم.

تجديد الثقة في وزير قرار سياسي ومؤسساتي ثابت. أما اعتباره شهادة نهائية على نجاح حصيلته، أو دليلاً على أن كل اعتراضات المحامين والمهنيين فقدت مشروعيتها، فذلك حكم لا تسنده واقعة التعيين وحدها. التقييم الأوسع سيظل مفتوحاً على ما ستنتجه الولاية الجديدة من قوانين، وما ستكشفه الممارسة من نتائج، وما إذا كانت العدالة ستصبح أقرب إلى المواطن في الوقت والكلفة والضمانات.