أول مجلس وزاري في عهد حكومة المنصوري.. قانون مالية 2027 يضع القدرة الشرائية والشباب والتنمية الترابية أمام اختبار التنفيذ

0
95

لا يبدأ النقاش الذي يفتحه المجلس الوزاري المنعقد يوم السبت 17 أكتوبر 2026 بالقصر الملكي بالرباط من حجم الاعتمادات المالية المعلنة، ولا من عدد الأولويات التي تضمنها مشروع قانون المالية لسنة 2027، بل من العلاقة التي تحاول الحكومة الجديدة إقامتها بين التوازنات المالية للدولة وانتظارات المواطنين، في سنة تراهن فيها على مواصلة النمو، وضبط التضخم، وتقليص عجز الميزانية، مع توسيع الإنفاق المرتبط بالخدمات الاجتماعية والتنمية الترابية.

فقد ترأس الملك محمد السادس أول مجلس وزاري بعد تشكيل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، وخصصت أشغاله للتداول والمصادقة على التوجهات العامة لمشروع قانون المالية للسنة المقبلة. وقدم وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية عرضاً حول الخطوط العريضة للمشروع، وفق ما أورده بلاغ الديوان الملكي، مستنداً إلى الفصل 49 من الدستور.

تكتسب هذه المحطة أهميتها من طبيعة الملفات التي جُمعت داخل مشروع واحد: القدرة الشرائية، والصحة والتعليم، وإدماج الشباب في سوق الشغل، والجهوية المتقدمة، والسيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية، إلى جانب الاستثمار الخاص واستقرار المؤشرات المالية. إنها التزامات تتقاطع في ميزانية واحدة، لكنها لا تتحرك بالضرورة بالسرعة نفسها، ولا تستجيب للفئات نفسها، ولا تخضع جميعها للمؤشرات ذاتها في قياس النجاح.

عرض الحكومة ينطلق من توقع نمو الاقتصاد الوطني بنسبة 4,7 في المائة عند نهاية سنة 2026، واحتواء التضخم في حدود 0,7 في المائة، مع تقليص عجز الميزانية إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام. وتقدم هذه الأرقام صورة عن هامش اقتصادي ومالي تسعى السلطة التنفيذية إلى استثماره في السنة المقبلة، لكنها تظل توقعات مرتبطة بنهاية السنة الجارية، وليست نتائج نهائية لسنة 2027.

كما أن انخفاض التضخم لا يعني، في حد ذاته، عودة القدرة الشرائية إلى المستوى الذي كانت عليه قبل ارتفاع الأسعار. فالتضخم يقيس وتيرة تغير الأسعار، بينما ترتبط القدرة الشرائية بما تستطيع الأسر اقتناءه فعلياً بدخلها، بعد احتساب تكاليف الغذاء والسكن والنقل والتعليم والصحة. لذلك فإن الإعلان عن إصلاح هيكلي للأسواق والأسعار، ورفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر، يفتح مجالاً لتقييم أكثر دقة من الاكتفاء بمؤشر التضخم العام: هل ستشعر الأسر بتحسن ملموس في نفقاتها اليومية، وهل ستصل التدابير إلى الفئات التي تتحمل العبء الأكبر من تكاليف المعيشة؟

المشروع يتحدث عن استعادة القدرة الشرائية، ومواصلة تعميم التغطية الصحية وضمان استدامة أنظمتها، وتأهيل المنظومتين العموميتين للصحة والتعليم، وتيسير الولوج إلى السكن اللائق عبر برنامج الدعم المباشر للسكن. لكن البلاغ، في عرضه للتوجهات العامة، لا يقدم بعد تفاصيل المبالغ المخصصة لكل تدبير، ولا شروط الاستفادة الجديدة، ولا الجدول الزمني الكامل لتنزيل الإصلاحات. وستظهر هذه العناصر في الوثائق التفصيلية للمشروع وفي مسار مناقشته والمصادقة عليه.

هذا التمييز ضروري عند قراءة أولويات الحكومة الجديدة: فالإعلان عن اتجاه سياسي ومالي يحدد ما تريد السلطة التنفيذية إنجازه، لكنه لا يكفي وحده للحكم على حجم الأثر الذي سيصل إلى المواطنين.

الشباب من البرامج المتفرقة إلى سياسة تمتد من التعليم إلى السكن

يحتل الشباب موقعاً متقدماً في التوجهات المعلنة، ليس فقط عبر برامج التكوين والتشغيل، بل من خلال تعهد الحكومة بإطلاق برنامج وطني مندمج للفترة 2027-2031، يربط التأهيل المهني بالمواكبة، وتيسير الولوج إلى التمويل والضمان والأسواق. ويذهب البلاغ أبعد من ذلك حين يشير صراحة إلى محدودية البرامج القطاعية المتفرقة، ويدعو إلى الانتقال نحو سياسة تتبع مسار الشباب من التعليم والتكوين إلى الشغل والسكن، بما يضمن لهم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

هذا الاعتراف بمحدودية المقاربة المتفرقة يستحق التوقف عنده. فالمشكلة التي تواجه إدماج الشباب لا تختزل في غياب برامج للتكوين أو التمويل، وإنما تشمل أيضاً مدى ارتباط التكوين بحاجات سوق الشغل، وقدرة المقاولات على إحداث مناصب مستقرة، وصعوبة الانتقال من التأهيل إلى أول وظيفة، ثم إلى دخل يسمح بالاستقلال والسكن.

والبرنامج المعلن يمتد خمس سنوات، وهي مدة تسمح نظرياً ببناء سياسة تتجاوز التدابير الظرفية، شرط أن تتضح آليات التنسيق بين القطاعات الحكومية، والجهات المسؤولة عن التنفيذ، ومؤشرات قياس النتائج. أما البلاغ فلا يحدد بعد حجم الميزانية الإجمالية المخصصة لهذا البرنامج، ولا عدد الشباب المستهدفين، ولا الأهداف الكمية المتعلقة بالتشغيل أو التكوين أو التمويل.

وتتضح أهمية هذه التفاصيل عند وضع الالتزام الحكومي أمام المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية. فالتوقعات التي نشرها المندوبية السامية للتخطيط في يوليوز 2026 ضمن ميزانيتها الاقتصادية الاستشرافية لسنة 2027، تشير إلى احتمال تباطؤ نمو الاقتصاد الوطني إلى نحو 3 في المائة خلال سنة 2027، بعد نمو مرتقب يبلغ 4,8 في المائة سنة 2026، وفق فرضية موسم فلاحي متوسط في السنة المقبلة. كما تتوقع استمرار دور الطلب الداخلي في دعم النشاط الاقتصادي، مع تأثر المبادلات الخارجية بتباطؤ الطلب العالمي وارتفاع كلفة المواد الأولية.

هذا التقدير لا يحسم المسار الذي سيسلكه الاقتصاد فعلياً، لكنه يضع سياسة إدماج الشباب أمام تحدٍ واضح: لا يكفي توسيع برامج المواكبة إذا لم يترافق ذلك مع قدرة الاقتصاد على توفير فرص عمل منتجة ومستقرة. كما أن ربط التشغيل بالتكوين والتمويل والأسواق يقتضي أن تكون النتائج قابلة للقياس، حتى لا يتحول البرنامج المندمج إلى مظلة جديدة تضم برامج قائمة من دون تغيير جوهري في طريقة اشتغالها.

25 مليار درهم للتنمية الترابية.. أين ستظهر آثار الاعتمادات؟

خصصت التوجهات العامة لمشروع قانون المالية مبلغاً يقدر بـ25 مليار درهم لتسريع تنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، بالتوازي مع الدفع بالجهوية المتقدمة وإعادة هندسة اختصاصات الجهات وفق منطق الوضوح والنجاعة، وتعزيز التنسيق والتعاقد بين الدولة والجهات، والتفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري.

إنه من أكبر الالتزامات المالية المحددة بالأرقام في البلاغ، لكنه يظل مرتبطاً ببرامج لم تُعرض في هذا الإعلان تفاصيل توزيع اعتماداتها بين الجهات والأقاليم، ولا طبيعة المشاريع التي ستحظى بالأولوية، ولا المعايير المعتمدة لتحديد المستفيدين منها.

وتكمن أهمية هذه النقطة في أن التنمية الترابية لا تقاس فقط بحجم الأموال التي ترصد لها، بل بقدرتها على تقليص الفوارق في الولوج إلى الخدمات وفرص النشاط الاقتصادي. فالمناطق التي تعاني نقصاً في المرافق الصحية أو التعليمية، أو ضعف البنية التحتية، أو محدودية فرص الشغل، تحتاج إلى مشاريع تستجيب لحاجاتها الفعلية، لا إلى توزيع متساوٍ للاعتمادات بمعزل عن حجم الخصاص.

أما الجهوية المتقدمة، التي يعاد التأكيد على تسريعها، فتتوقف فعاليتها على وضوح الاختصاصات وتحديد المسؤوليات بين الدولة والجهات، وعلى امتلاك المؤسسات الترابية القدرة الإدارية والمالية على تنفيذ ما تتعاقد بشأنه. وإذا ظلت القرارات والموارد موزعة بين مستويات متعددة من دون آليات تنسيق فعالة، فقد يتسع الفارق بين الإعلان عن المشروع وإنجازه على الأرض.

ولا يقدم البلاغ تفاصيل تسمح بالحكم على كيفية توزيع مبلغ 25 مليار درهم، أو ما إذا كان سيغطي مشاريع جديدة بالكامل أم يساهم في تمويل برامج قائمة. لذلك تبقى قراءة الأثر الاجتماعي والمجالي لهذه الاعتمادات رهينة بالوثائق التنفيذية التي ستوضح طبيعة المشاريع ومواعيد إنجازها ومؤشرات تقييمها.

السيادة المائية والطاقية والغذائية.. كلفة الاستقلال الاستراتيجي

تجمع الأولويات المعلنة بين الأمن المائي وتسريع تطوير الطاقات المتجددة ومواصلة تنزيل عرض المغرب للهيدروجين الأخضر، والتنزيل التدريجي لخارطة طريق البنية التحتية للغاز، إلى جانب ضمان الأمن الغذائي وتعزيز السيادة الرقمية الوطنية.

ويكشف جمع هذه الملفات داخل مشروع قانون المالية عن اتساع مفهوم السيادة الذي تتبناه الدولة في تدبير التنمية. فالماء يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي وباستقرار النشاط الفلاحي، والطاقة تؤثر في كلفة الإنتاج والنقل والصناعة، بينما أصبحت البنية الرقمية جزءاً من قدرة الاقتصاد على المنافسة وتطوير الخدمات.

غير أن هذه الأوراش تختلف من حيث آجالها وكلفتها ومردوديتها. فبعض الاستثمارات يمكن أن تظهر آثارها في المدى القريب، بينما يتطلب تطوير البنية التحتية للطاقة والغاز والهيدروجين الأخضر استثمارات ممتدة، واتفاقات تمويل، وشروطاً تقنية واقتصادية لا يكفي الإعلان عن التوجهات لحسمها.

وتزداد هذه المسألة حساسية مع الإشارة في البلاغ إلى اضطراب الظرفية العالمية، وتصاعد الصراعات الجيوسياسية، واتساع النزعات الحمائية، واشتداد المنافسة على الطاقة والتكنولوجيا والتمويل. وهي عوامل يمكن أن تؤثر في أسعار الاستيراد وكلفة المشاريع الكبرى، حتى عندما تتوفر الإرادة السياسية لإنجازها.

وكانت المندوبية السامية للتخطيط قد ربطت، في توقعاتها الاقتصادية المنشورة في يوليوز 2026، بين التوترات الجيوسياسية واضطراب سلاسل التوريد وارتفاع أسعار المواد الأولية، مع توقع تباطؤ نمو التجارة العالمية وانعكاس ذلك على الطلب الخارجي الموجه نحو المغرب.

لهذا، فإن السيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية لا تتعلق فقط بتوسيع المشاريع، بل أيضاً بقدرة هذه الاستثمارات على تقليص التعرض للصدمات الخارجية، وتحسين شروط الإنتاج، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية بتكاليف يمكن تحملها.

الاستثمار الخاص والمقاولات الصغيرة.. الحلقة التي تربط النمو بالتشغيل

يراهن المشروع، في أولويته الخامسة، على بناء اقتصاد قادر على تمويل الطموح الاجتماعي والسيادي، مع المحافظة على التوازنات الماكرو اقتصادية والمالية، وتسريع الإصلاحات المؤسساتية، وتطوير منظومات صناعية سيادية جديدة.

ويولي اهتماماً خاصاً للاستثمار الخاص عبر تعزيز آليات الدعم المنصوص عليها في ميثاق الاستثمار، ومواصلة إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، مع التركيز على المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة.

هذا الاختيار يضع المقاولات في صلب المعادلة التي تجمع النمو والتشغيل. فالاستثمار العمومي يستطيع إطلاق مشاريع البنية التحتية وتوفير طلب على السلع والخدمات، لكن قدرة الاقتصاد على إنتاج فرص عمل مستدامة تتوقف أيضاً على نشاط المقاولات، وقدرتها على التوسع والابتكار والولوج إلى التمويل والأسواق.

وفي تقييمه للاقتصاد المغربي، ربط صندوق النقد الدولي في مارس 2026 آفاق النمو باستمرار الاستثمار العمومي، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، ودينامية الإنتاج الفلاحي. كما شدد على أن إحداث فرص عمل مستدامة يتطلب قطاعاً خاصاً أكثر دينامية وإصلاحات في سوق الشغل.

وتبقى فعالية التدابير الموجهة إلى المقاولات الصغيرة رهينة بشروط الاستفادة منها، وسرعة معالجة الملفات، والقدرة على الوصول إلى التمويل، فضلاً عن الظروف التي تتيح لهذه المقاولات تحويل الدعم إلى استثمار إضافي ومناصب شغل. ولا يحدد البلاغ، في صيغته المعلن عنها، الحجم المالي المخصص لهذه التدابير أو الأهداف الرقمية المرتبطة بها.

أما المحافظة على التوازنات المالية، التي يضعها المشروع ضمن أولوياته، فتكتسب أهمية خاصة مع تعدد الالتزامات الاجتماعية والاستثمارية. فاستدامة الدعم الاجتماعي وتمويل الصحة والتعليم والتنمية الترابية، بالتوازي مع مشاريع السيادة الاستراتيجية، تقتضي موارد عمومية كافية وقدرة على ترتيب النفقات وفق الأولويات.

وتفيد توقعات المندوبية السامية للتخطيط بأن عجز الميزانية قد يتراجع من 3,5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2025 إلى 3,4 في المائة سنة 2026، ثم إلى 3,2 في المائة سنة 2027. وهي تقديرات استشرافية تختلف قليلاً عن هدف تقليص العجز إلى 3 في المائة الذي عرضه الوزير ضمن المؤشرات المرتبطة بنهاية السنة الجارية، لا بنتيجة نهائية للسنة المقبلة.

ويظل الفرق بين التوقعات والهدف الحكومي أمراً طبيعياً في إعداد السياسات المالية، لكنه يجعل الافتراضات التي ستبنى عليها ميزانية 2027، ومصادر تمويل نفقاتها، وتطور المداخيل، عناصر أساسية لفهم مدى قابلية الالتزامات المعلنة للتنفيذ.

ما الذي سيكشفه مشروع قانون المالية؟

المجلس الوزاري الأول في عهد حكومة فاطمة الزهراء المنصوري وضع أمام السلطة التنفيذية مجموعة من الالتزامات المتداخلة، تبدأ من معيش الأسر وتمتد إلى تشغيل الشباب، وتصل إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والجهات وتطوير البنية الاقتصادية والاستراتيجية للمملكة.

لكن البلاغ يحدد التوجهات العامة، ولا يعرض بعد كل التفاصيل اللازمة لتقييمها مالياً واجتماعياً. فالمبالغ المخصصة لكل قطاع، وشروط الاستفادة من الدعم، ومؤشرات التنفيذ، ومواعيد إنجاز المشاريع، ستحدد مقدار ما يمكن استخلاصه من هذه الأولويات عند الانتقال إلى الوثائق التفصيلية للمشروع.

ويأتي ذلك بعد تشكيل الحكومة الجديدة، في وقت تواجه فيه ملفات التشغيل والخدمات العمومية والفوارق المجالية انتظارات اجتماعية متراكمة. وقد ربطت التغطيات المنشورة يوم 17 أكتوبر بين المجلس الوزاري وإعلان تخصيص 25 مليار درهم للتنمية الترابية، فيما أبرزت التوجهات الرسمية أهمية الانتقال إلى سياسة أكثر اندماجاً في التعامل مع قضايا الشباب.

وسيكون مشروع قانون المالية لسنة 2027، بعد استكمال مساره المؤسساتي وعرض تفاصيله، مناسبة لفحص العلاقة بين الأهداف المعلنة والموارد المرصودة لها. فاستعادة القدرة الشرائية تحتاج إلى إجراءات تصل آثارها إلى الأسر، وإدماج الشباب يحتاج إلى فرص عمل فعلية، والتنمية الترابية تحتاج إلى مشاريع قابلة للإنجاز والتقييم، فيما يتطلب تمويل هذه الأولويات الحفاظ على توازنات مالية تسمح باستمرارها.

المعيار الذي ستُقرأ به هذه الميزانية في نهاية المطاف لن يكون عدد الأولويات المدرجة فيها، بل ما ستتيحه نتائج التنفيذ من معطيات قابلة للتحقق بشأن دخل الأسر، وفرص الشغل، وجودة الخدمات العمومية، والفوارق بين الجهات، ومدى تقدم المشاريع المعلن عنها.