القدرة الشرائية في اختبار البداية.. هل تواجه حكومة المنصوري غلاء الأسواق أم تختبر قدرتها على مواجهة مراكز المصالح؟

0
114

هناك لحظة يصبح فيها ثمن ما يوضع على مائدة الأسرة أكثر تعبيراً عن الوضع الاقتصادي من عشرات المؤشرات التي تُعرض في التقارير الرسمية. فحين يدخل المواطن إلى السوق ويعيد حساب مشترياته، ويستغني عن بعض المواد أو يقلص الكميات التي اعتاد شراءها، تصبح القدرة الشرائية قضية يومية تتجاوز الأرقام المعلنة ومعدلات النمو والتضخم.

من هذه الزاوية يبدأ الاختبار الحقيقي لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، التي عرضت برنامجها الحكومي أمام البرلمان يوم الاثنين 19 أكتوبر، واضعة القدرة الشرائية والتشغيل والحماية الاجتماعية ضمن أولويات المرحلة المقبلة. فالمغاربة لا ينتظرون برنامجاً جديداً بقدر ما ينتظرون أن يلمسوا أثره في الأسواق والأجور والمعاشات وفرص الشغل.

وتزداد أهمية هذا الاختبار لأن ارتفاع كلفة المعيشة لم يبدأ مع الحكومة الجديدة. لقد راكمت السنوات الحكومية الماضية ضغوطاً على ميزانيات الأسر، بفعل ارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية، وتفاوت القدرة على مواجهة تلك الزيادات بين الفئات الاجتماعية. وبالتالي، فإن تغيير رئيس الحكومة وتشكيل أغلبية جديدة لا يمحوان تلقائياً آثار المرحلة السابقة، كما أن حداثة التعيين لا يمكن أن تتحول إلى إعفاء مفتوح من المسؤولية عن التدابير التي تدخل ضمن صلاحيات الحكومة الحالية.

من الدجاج والبيض إلى اللحوم.. حين تتحول السوق إلى امتحان سياسي

في حديثه عن الأسعار، يستحضر الصحافي الذي راكم أكثر من أربعة عقود من التجربة المهنية، وتجاوز الستين من عمره، دهشته من مستويات الأسعار التي بات يسمع عنها أو يصادفها في السوق. ويشير، ضمن ما أثار انتباهه، إلى أسعار مرتفعة للدجاج والبيض واللحوم، وإلى أثمان قد تصل، وفق ما ذكره، إلى 120 درهماً للكيلوغرام في بعض الحالات التي تستوجب التحقق من طبيعة السلعة ومكان البيع وتاريخ معاينتها.

هذه الأرقام، قبل تعميمها على السوق المغربية، تحتاج إلى ضبط ميداني دقيق. لكن جوهر المسألة لا يتوقف عند رقم واحد: لماذا أصبحت الأسر مطالبة بإعادة ترتيب أولوياتها باستمرار، فيما يفترض أن تكون المواد الغذائية الأساسية في متناول شرائح واسعة من المجتمع؟

والتمييز هنا ضروري بين ارتفاع الأسعار المسجل في سوق معينة، والتغير العام في الأسعار على المستوى الوطني، وبين كلفة الإنتاج وهوامش التوزيع وأساليب التسويق. فالدجاج، مثلاً، يتأثر بتكاليف الأعلاف والكتاكيت والطاقة والنقل، كما يتأثر بتوازن العرض والطلب. غير أن ذكر هذه العوامل لا ينبغي أن ينهي النقاش؛ بل ينبغي أن يكون مدخلاً للتحقق من تكاليف الإنتاج وهوامش الربح، وتحديد ما إذا كانت المنافسة تعمل بصورة سليمة أم أن هناك اختلالات تستدعي التدخل.

والأمر نفسه ينطبق على اللحوم الحمراء، التي ظلت أسعارها موضع نقاش خلال السنوات الأخيرة رغم التدابير المرتبطة بالاستيراد ودعم العرض. فحين تُتخذ إجراءات عمومية يفترض أن تساعد على توفير اللحوم أو تخفيف تكلفتها، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى انتقال أثرها إلى المستهلك النهائي، وعن الجهات التي تستفيد من الدعم، وكيفية مراقبة انعكاسه على السعر المعروض في محلات البيع.

إن المال العام لا يُقاس أثره فقط بحجم الاعتمادات المرصودة أو بعدد الإجراءات المعلنة، وإنما كذلك بما يصل فعلياً إلى المواطن. وإذا تحملت الدولة كلفة تدبير معين لتخفيف الضغط عن الأسر، فمن حق المجتمع أن يعرف ما النتائج المحققة، وما الاختلالات التي حالت دون بلوغها، ومن يتحمل المسؤولية عند ثبوت التقصير أو المخالفة.

هل تواجه الحكومة مصالح اقتصادية يصعب إخضاعها للرقابة؟

هنا تظهر فرضية تستحق البحث، لا إصدار حكم مسبق: هل تواجه الحكومة الجديدة اختلالات متراكمة في بعض الأسواق، أم أن الأمر يتعلق أساساً بتكاليف الإنتاج والتوزيع وبنية العرض والطلب، أم بمزيج من هذه العوامل؟

من السابق لأوانه الجزم بأن ارتفاع الأسعار حملة ضغط منظمة على حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، أو أن فاعلين اقتصاديين يسعون إلى دفعها نحو التفاوض أو تقديم دعم جديد مقابل تخفيف الأسعار. مثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة ووثائق ومعطيات عن سلوك السوق، لا إلى التزامن وحده بين ارتفاع الأسعار وتغيير الحكومة.

لكن غياب الدليل على وجود ضغط منظم لا يعني أن الحكومة تستطيع تجاهل السؤال الأوسع المتعلق بقوة المصالح الاقتصادية ومدى فعالية الرقابة عليها. فالحكومات تتعامل مع فاعلين اقتصاديين يمتلكون خبرة السوق ومعلوماتها وشبكاتها، بينما لا تنجح التدابير العمومية دائماً في تحويل قرارات الدعم أو التحفيز إلى تخفيضات محسوسة في الأسعار.

والمطلوب، في هذه الحالة، ليس الدخول في مواجهة سياسية مع المستثمرين لمجرد أنهم مستثمرون، ولا منحهم امتيازات إضافية تحت ضغط الظرفية. المطلوب هو قواعد واضحة للمنافسة، وشفافية في تحديد الأسعار وهوامش التسويق، ومراقبة فعالة، وتطبيق القانون على كل من تثبت مخالفته، مع حماية الاستثمار المنتج والمنافسة المشروعة.

أما إذا كشفت المعطيات أن ارتفاع الأسعار ناجم عن اختلالات بنيوية في الإنتاج أو التوزيع، فعلى الحكومة أن تقدم للمواطنين تشخيصاً واضحاً وخطة قابلة للقياس، بدلاً من الاكتفاء بتكرار الوعود العامة بمحاربة الاحتكار والوساطة غير المشروعة.

وعود المنصوري.. ماذا سيتغير في جيب المواطن؟

في برنامجها الحكومي، وضعت المنصوري تحسين القدرة الشرائية ضمن الأولويات، وتحدثت عن ضبط التضخم، وتطوير الحماية الاجتماعية، ورفع الحد الأدنى للمعاشات تدريجياً إلى 3000 درهم. كما أعلنت الحكومة هدف تحقيق نمو اقتصادي متوسط يبلغ 5% سنوياً خلال المرحلة المقبلة، مع السعي إلى إبقاء التضخم في حدود 2%.

هذه أهداف مهمة، لكنها لا تمثل نتائج محققة بمجرد الإعلان عنها. فالتضخم الذي يتباطأ لا يعني بالضرورة أن الأسعار تعود إلى مستوياتها السابقة؛ قد يعني فقط أن الأسعار تواصل الارتفاع بوتيرة أبطأ. والأسرة التي استنزفت الزيادات السابقة جزءاً من دخلها تحتاج إلى تحسن في قدرتها الفعلية على الشراء، لا إلى مؤشر اقتصادي أفضل لا يظهر أثره في ميزانيتها.

ومن هنا تبرز أهمية الوعود التي تناولتها النقاشات الانتخابية، ومنها إصلاح الضريبة على الأجور، وتحسين المعاشات، ومراجعة أوضاع الأرامل، وتخفيف بعض الأعباء المرتبطة بفواتير الكهرباء. غير أن كل وعد من هذه الوعود يحتاج إلى تحديد شروط الاستفادة، والكلفة المالية، والجدول الزمني، والنصوص القانونية أو التنظيمية اللازمة لتنفيذه.

كما تنتظر فئات مهنية، من متصرفين ومهندسين وتقنيين وغيرهم، معالجة مطالب تتعلق بالعدالة الأجرية والترقي وإحداث رتب جديدة. وهذه المطالب لا تنفصل عن القدرة الشرائية، لأنها تتصل بمكانة الأجر في السلم الاجتماعي، وبمدى تناسبه مع المسؤوليات المهنية وتكاليف المعيشة.

لكن الحكومة ستحتاج إلى الموازنة بين الإنصاف الاجتماعي والاستدامة المالية. فالزيادات التي لا تستند إلى تصور تمويلي واضح قد تتحول إلى التزامات يصعب الوفاء بها، بينما يؤدي تأجيل المطالب الاجتماعية باستمرار إلى تعميق الشعور بالتفاوت وفقدان الثقة. والمسؤولية السياسية تقتضي أن تشرح الحكومة ما تستطيع تنفيذه، وما يحتاج إلى وقت، وما يتعذر تحقيقه، ولماذا.

الاحتجاج أمام البرلمان.. الرسالة التي جاءت بالتزامن مع البرنامج الحكومي

في اليوم نفسه الذي عرضت فيه رئيسة الحكومة برنامجها، خرج مئات من العاملين والعاملات في التعليم الأولي للاحتجاج أمام البرلمان، مطالبين بتسوية أوضاعهم المهنية والاجتماعية، والإدماج في أسلاك الوظيفة العمومية، وتحسين الأجور. وانتهت التحركات بتدخل أمني لفض الاعتصام الذي كان مقرراً مواصلته خلال الليل، وفق ما أوردته تقارير صحافية.

يحمل هذا التزامن دلالة سياسية واجتماعية واضحة. ففي الوقت الذي كانت فيه الحكومة تعرض أولوياتها على المؤسسة التشريعية، كانت فئة من العاملين في قطاع مرتبط بتعليم الأطفال تطالب بحل ملف مهني ترى أنه طال أمده.

ولا يعني ذلك أن الحكومة الجديدة مسؤولة عن جميع تفاصيل هذا الملف المتراكم، لكنها أصبحت مطالبة بتحديد موقفها منه، وتوضيح ما إذا كانت ستواصل نموذج التدبير القائم، أم ستفتح مساراً جديداً لتسوية الوضعيات، وما الحدود القانونية والمالية التي تستند إليها قراراتها.

فالاحتجاجات لا تُقرأ فقط من خلال عدد المشاركين فيها أو الشعارات المرفوعة، وإنما كذلك من خلال طبيعة المطالب، والمدة التي ظلت خلالها معلقة، وقدرة المؤسسات على تحويلها إلى حلول. والتدخل الأمني، مهما كانت ظروفه القانونية، لا يعوض المعالجة الاجتماعية والإدارية التي دفعت المحتجين إلى الشارع.

كما أن ملف التعليم الأولي يعيد النقاش إلى العلاقة بين كلفة الخدمات العمومية وشروط العاملين فيها. فالإصلاح الذي يركز على توسيع الخدمات أو تحسين مؤشرات التمدرس، من دون معالجة كافية لأوضاع الموارد البشرية، يظل معرضاً لاختلالات تؤثر في استمراريته وجودته.

مليون منصب شغل.. التحدي الذي لا تحله الأرقام وحدها

إلى جانب الأسعار والأجور، تواجه الحكومة الجديدة ملف التشغيل، الذي ظل من أبرز نقاط الجدل خلال الولاية الحكومية السابقة. وقد طُرحت وعود بتوفير مليون منصب شغل صاف خلال خمس سنوات، بمعدل 200 ألف منصب سنوياً، وهو هدف يتطلب تعبئة استثمارات واسعة وقدرة حقيقية للقطاع الخاص على خلق فرص عمل مستقرة.

غير أن عدد المناصب المعلن عنها لا يكفي وحده لتقييم النجاح. ينبغي معرفة طبيعتها، ومدة استمراريتها، والأجور التي توفرها، ومدى استفادة الشباب والنساء والجهات التي تعاني ضعف النشاط الاقتصادي. فالعمل الهش أو المؤقت لا يحقق بالضرورة الاستقرار الذي تحتاج إليه الأسرة، كما أن النمو الاقتصادي لا ينعكس تلقائياً على التشغيل إذا تركزت ثماره في قطاعات محدودة.

ويحتاج النقاش بشأن البطالة كذلك إلى الدقة في استعمال المؤشرات. فقد أثارت نسب البطالة المعلنة خلال السنوات الماضية نقاشاً واسعاً، خاصة مع اعتماد المندوبية السامية للتخطيط منهجية جديدة في احتسابها. ولهذا ينبغي عند المقارنة بين نسب مختلفة التأكد من الفترات المرجعية والتعاريف والمنهجية المعتمدة، حتى لا تُقدَّم أرقام غير متجانسة على أنها تعكس تحسناً أو تدهوراً مؤكداً.

وإلى جانب خلق الوظائف، أعلنت الحكومة الجديدة عن توجهات لإدماج الشباب في التدريب والتجارب المهنية ومواكبة المقاولات. ويبقى التحدي هو تحويل هذه التوجهات إلى فرص فعلية، وتقييم نتائجها بحسب عدد المستفيدين الذين انتقلوا إلى عمل مستقر، لا بحسب عدد البرامج التي أُطلقت فقط.

من يراقب النتائج؟

إن الاختبار الحقيقي لحكومة المنصوري لا يكمن في قدرتها على صياغة برنامج اجتماعي طموح فحسب، وإنما في قدرتها على بناء آليات تضمن التنفيذ والمراقبة والمحاسبة. فالمواطن يحتاج إلى معرفة ما إذا كانت أسعار المواد الأساسية ستخضع لمراقبة أكثر فعالية، وكيف ستُقاس هوامش الوسطاء، وما مصير إجراءات الدعم، ومتى ستبدأ آثار الإصلاحات الضريبية والاجتماعية في الظهور.

ويحتاج أيضاً إلى مؤشرات دورية تتيح مقارنة الوعود بالنتائج، وإلى توضيحات بشأن الإنفاق العمومي والصفقات والدراسات والاستثمارات التي يفترض أن تخلق قيمة مضافة وفرص عمل. فمحاربة الفساد وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع، وهي ملفات حضرت في الوعود الحكومية، ترتبط بدورها بكفاءة الإنفاق وعدالة توزيع الفرص والثروات.

لا يمكن تحميل حكومة تولت مهامها حديثاً مسؤولية كل ما تراكم قبلها، لكن لا يمكن كذلك أن تتحول المسؤولية عن الماضي إلى ذريعة لتأجيل القرارات الضرورية في الحاضر. والحكم العادل على الأداء يقتضي التمييز بين الملفات الموروثة، والتدابير التي بدأت الحكومة تنفيذها، والنتائج التي يمكن نسبتها إليها بعد مرور وقت معقول.

في النهاية، لا يحتاج المغاربة إلى وعود بأن كل شيء سيتغير في وقت قصير، بقدر حاجتهم إلى معرفة ما الذي سيتغير أولاً، وكيف، وبأي كلفة، ومن سيستفيد، ومن سيحاسَب عند الإخفاق.

فحين تصبح أسعار المواد الأساسية عبئاً يومياً، وتظل مطالب مهنية واجتماعية معلقة، وتنتظر فئات واسعة فرص عمل مستقرة، فإن القدرة الشرائية تتحول إلى مقياس للثقة في المؤسسات والسياسات العمومية.

وهنا سيكون السؤال الذي يرافق حكومة فاطمة الزهراء المنصوري طوال بدايتها: هل تستطيع تحويل الأهداف المعلنة إلى نتائج يلمسها المواطن في السوق والأجر والمعاش والعمل، أم ستجد نفسها أمام دورة جديدة من الوعود التي تسبقها انتظارات المجتمع وتتأخر عنها النتائج؟

الإجابة لن تصنعها الخطب وحدها، وإنما ما ستكشفه الأسعار، وما ستسجله الأجور، وما ستوفره سوق الشغل، وما ستثبته المحاسبة والرقابة خلال الأشهر المقبلة.