تضع حكومة فاطمة الزهراء المنصوري إصلاح مسالك توزيع المواد الغذائية في صلب برنامجها للفترة 2026-2031، مستندة إلى تشخيص سبق أن قدمه مجلس المنافسة بشأن الاختلالات التي ترفع أسعار الخضر والفواكه بين الضيعة والسوق. وتتعهد الحكومة بتقليص عدد حلقات الوساطة، وتحديث أسواق الجملة، وتوسيع البيع المباشر، وإعادة توجيه الدعم الفلاحي نحو الإنتاج وتموين السوق الوطنية.
الرقم الذي يستوقف الانتباه هو أن الهوامش الإجمالية للوسطاء تمثل، في المتوسط، نحو 34 في المائة من السعر النهائي ضمن عينة المنتجات التي درسها مجلس المنافسة، مقابل نحو 30 في المائة تمثلها الأسعار التي يحصل عليها المنتجون. وقد وردت هذه المعطيات في الرأي الاستشاري للمجلس رقم A/2/24، المنشور في أبريل 2024، بشأن وضعية المنافسة في أسواق الخضر والفواكه بالمغرب.
<Link url=”https://conseil-concurrence.ma/wp-content/uploads/2024/04/AVIS-A-2-24-FR-WEB.pdf” title=”الاطلاع على تقرير مجلس المنافسة”/>.
غير أن الرقم يحتاج إلى قراءة دقيقة. فهو يتعلق بهيكل الأسعار في منتجات شملتها الدراسة، استناداً إلى معطيات سنة 2021، ولا يمثل نسبة موحدة يمكن تعميمها على جميع المواد الغذائية أو على كل الأسواق المغربية. كما أن الهامش الإجمالي ليس مرادفاً للربح الصافي؛ إذ قد يغطي بعض تكاليف النقل والتخزين والتلف والتمويل، إلى جانب العائد التجاري.
ومع ذلك، يكشف التقرير عن خلل يستحق المعالجة: المنتج قد يحصل على جزء محدود من السعر الذي يدفعه المستهلك، بينما تتوزع بقية القيمة على حلقات متعددة لا تتسم دائماً بالشفافية الكافية.
من يتحكم في الطريق بين الضيعة والمستهلك؟
تبدأ المشكلة قبل وصول الخضر والفواكه إلى أسواق الجملة. فعدد من صغار الفلاحين يحتاج إلى السيولة لتغطية مصاريف الإنتاج واليد العاملة والنقل، وقد يضطر إلى بيع محصوله مسبقاً أو قبول شروط يفرضها المشتري الذي يملك القدرة على الدفع والتجميع والتسويق.
وفي المقابل، تحتاج المنتجات سريعة التلف إلى نقل سريع وتخزين مناسب وتصريف منتظم. وقد يؤدي غياب هذه الخدمات إلى خسائر حقيقية، حتى عندما يكون الإنتاج متوافراً. لذلك لا يكفي اختزال كل الوسطاء في فئة واحدة أو اعتبار كل عملية وساطة مضاربة؛ فبعض المتدخلين يقدم خدمات ضرورية، بينما تكمن المشكلة في تعدد الحلقات غير المنظمة، أو ضعف المنافسة، أو تحصيل هوامش لا تتناسب مع الخدمات المقدمة.
وقد توقف مجلس المنافسة عند هذه الاختلالات في تقريره، مشيراً إلى أن الوسطاء يتمتعون أحياناً بأفضلية معلوماتية على المنتجين الصغار، بحكم اطلاعهم على الأسعار والكميات في مناطق وأسواق مختلفة. ويؤدي هذا التفاوت إلى إضعاف قدرة الفلاح على التفاوض، خصوصاً عندما يكون مضطراً إلى تصريف محصوله بسرعة.
أما المستهلك، فيواجه النتيجة النهائية لسلسلة لا يملك في العادة معلومات كافية عن مراحلها: كم دفع للمزارع؟ وما تكلفة النقل والتخزين؟ وكم حلقة مرت منها السلعة؟ وما الهامش الذي أضافه كل متدخل؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل إصلاح التوزيع جزءاً أساسياً من معالجة الغلاء، إلى جانب رفع الإنتاجية وتوفير الماء والمدخلات الفلاحية ومواجهة آثار الجفاف وتقلبات العرض.
خطة حكومية واسعة.. والاختبار في السوق
تتجه الحكومة، وفق برنامجها المعلن، إلى إنشاء شركات جهوية أو منصات مهنية للتجميع والتسويق في الأحواض الفلاحية الكبرى، تشمل سوس وتادلة والغرب واللوكوس ودكالة عبدة والشرق.
وستجمع هذه المنصات خدمات الفرز والتوضيب والتبريد والنقل، مع إتاحة تسويق المنتجات عبر المزاد أو العقود لفائدة مختلف المشترين. وتقول الوثيقة إن المقصود هو توفير بنية لوجستية مفتوحة، لا إنشاء وسيط عمومي يحتكر شراء المحاصيل وإعادة بيعها.
هذا الاختيار مهم من الناحية العملية. فإذا استطاع الفلاح نقل محصوله إلى منصة قريبة، والاستفادة من التبريد والفرز والنقل بشروط معلومة، ثم بيعه لأكثر من مشترٍ، فقد تتحسن قدرته على التفاوض وتنخفض بعض تكاليف التسويق. أما إذا تحولت المنصات نفسها إلى حلقات إضافية تفرض رسوماً مرتفعة أو تمنح امتيازات لفاعلين محددين، فإن أثرها قد يكون محدوداً.
وتقترح الحكومة أيضاً توسيع عقود التوريد المباشر بين تعاونيات المنتجين وتجار التقسيط والمساحات التجارية والمطاعم الجماعية، بما فيها المؤسسات التعليمية والمستشفيات والداخليات. ومن شأن هذه العقود، إذا نُفذت بشروط متوازنة، أن تمنح المنتج رؤية أوضح للكميات المطلوبة ومواعيد الأداء، وتقلل حاجته إلى البيع المستعجل.
لكن نجاح البيع المباشر لا يتوقف على توقيع العقود وحده. فهو يحتاج إلى قدرة على تجميع الكميات المطلوبة، وضمان الجودة والانتظام في التسليم، وتوفير النقل والتخزين، وتسوية المستحقات في آجال واضحة. وهذه شروط قد يصعب على بعض صغار المنتجين الوفاء بها منفردين، وهو ما يجعل تنظيم التعاونيات وتمكينها من التمويل والخدمات المشتركة جزءاً من الإصلاح، لا مجرد إجراء موازٍ له.
أسواق الجملة.. إصلاح البنية والقواعد معاً
تعتزم الحكومة إعداد إطار قانوني جديد لأسواق الجملة، وتعويض المنشآت المتقادمة تدريجياً بمنصات متعددة المنتجات، مزودة بمخازن مبردة ومحطات للفرز والتوضيب ومرافق للمراقبة الصحية، إلى جانب نظام رقمي يتتبع مصدر السلع والكميات والأسعار عند دخولها وخروجها.
وتتضمن الخطة مراجعة نظام الوكلاء، والفصل بين الجباية المحلية وإلزامية المرور المادي بالأسواق، فضلاً عن الانتقال إلى نموذج يقوم على أداء مقابل الخدمات الفعلية بدلاً من الرسوم النسبية التي قد ترتفع دون أن يقابلها تحسن واضح في الخدمة.
وتكتسب هذه التدابير أهميتها من أن إصلاح سوق الجملة لا يتعلق بالمباني وحدها. فالسوق فضاء اقتصادي تحدد قواعد الولوج إليه، وكيفية عرض السلع، وشروط الوساطة، وشفافية الأسعار، جزءاً من طبيعة المنافسة داخله.
وكان مجلس المنافسة قد سجل في تقريره لسنة 2024 وجود 38 سوقاً للجملة للخضر والفواكه، تسوق أكثر من 3.5 ملايين طن سنوياً، وتضم آلاف تجار الجملة والمنتجين والوسطاء. كما أشار إلى تفاوتات في البنية التحتية والتدبير والخدمات بين هذه الأسواق.
وفي أبريل 2026، عاد موضوع إصلاح أسواق الجملة وتنظيم الوسطاء إلى البرلمان من خلال سؤال كتابي وجهه النائب محمد هيشامي إلى وزارة الداخلية، تناول ضعف الشفافية وتعدد المتدخلين والحاجة إلى التتبع الرقمي. ويؤكد هذا النقاش أن الملف كان مطروحاً مؤسساتياً قبل البرنامج الحكومي الحالي، وأن المعيار سيكون الانتقال من التشخيص إلى التنفيذ.
وتحتاج الرقمنة، بدورها، إلى أكثر من تسجيل العمليات داخل نظام إلكتروني. فقيمتها الفعلية تظهر عندما تصبح المعلومات قابلة للتحقق والمقارنة، وعندما يستطيع المراقبون رصد الفوارق غير المبررة بين سعر الشراء وسعر إعادة البيع، والتحقق من هوية المتدخلين والرسوم المؤداة والكميات المتداولة.
من دون هذه المعطيات، قد يتحول النظام الرقمي إلى سجل إداري جديد لا يغير موازين القوة داخل السوق.
وفرة الإنتاج لا تعني تلقائياً انخفاض الأسعار
تتوسع الخطة الحكومية لتشمل الدعم الفلاحي وخطط التموين الموسمية، من خلال تحديد الحاجيات المتوقعة والإنتاج المنتظر والمخزون المتاح والكميات الموجهة للتصدير، ثم اتخاذ تدابير استباقية عند توقع نقص في بعض المواد.
وتقترح الحكومة توجيه الدعم نحو السقي والمكننة والبذور والأعلاف والتسمين، مع منح اهتمام أكبر للضيعات الأسرية والمتوسطة وتنظيمات المنتجين. كما تتضمن الخطة إمكانية تقييد إضافات التصدير مؤقتاً عند بلوغ عتبات محددة للخصاص، واللجوء إلى الاستيراد عند الحاجة.
وتتوقف فعالية هذه التدابير على دقة المعلومات وتوقيت القرار. فالاستيراد الذي يبدأ بعد استفحال النقص قد يصل متأخراً، والإعفاء الجمركي الذي يخفض تكلفة دخول السلعة لا يضمن وحده أن ينتقل التخفيض إلى المستهلك. لذلك تنص المقاربة المعلنة على تقييم أثر التدخلات، وربط الكميات المستوردة وأسعار وصولها وهوامش التوزيع بأسعار البيع بالتقسيط.
ويشمل الإصلاح كذلك اللحوم الحمراء، عبر تتبع القطيع وتأهيل أسواق الماشية والمجازر وتعميم وزن الذبائح والفوترة، والأسماك من خلال وحدات التبريد والبيع الأول الرقمي والتصريح بالكميات والأسعار.
هذه الملفات تختلف من حيث طبيعة الإنتاج والتخزين والنقل، لكنها تلتقي عند الحاجة إلى معرفة مسار السلعة وتكاليفها، وتحديد ما إذا كان ارتفاع السعر ناتجاً عن نقص حقيقي أو عن اختلال في التوزيع أو عن هوامش تجارية غير متناسبة مع الخدمة المقدمة.