تحالف اليسار يرفض برنامج حكومة المنصوري: استمرار عبد اللطيف وهبي في وزارة العدل يعيد المواجهة إلى ملف الحقوق والحريات
لم يحتج عمر محمود بنجلون، عضو المجموعة النيابية لتحالف اليسار، إلى استعراض طويل لمختلف محاور البرنامج الحكومي كي يحدد موضع اعتراضه. فقد اختار أن يبدأ من استمرارية عبد اللطيف وهبي على رأس وزارة العدل، معتبراً أن تثبيته في الحكومة الجديدة يعكس استمراراً في الاختيارات التي أثارت خلافات خلال الولاية السابقة، خصوصاً في ما يتعلق بقوانين المسطرة المدنية والجنائية وتنظيم مهنة المحاماة.
كانت المداخلة، التي انتهت بإعلان رفض المجموعة النيابية للبرنامج الحكومي، جزءاً من النقاش الذي سبق تصويت مجلس النواب على برنامج حكومة فاطمة الزهراء المنصوري. وقد صادق المجلس على البرنامج يوم 22 أكتوبر 2026، بأغلبية 204 أصوات مقابل 127 صوتاً معارضاً، وفق المعطيات المنشورة في الموقع الرسمي لمجلس النواب.
لكن اعتراض بنجلون لم ينحصر في تقييم التشكيلة الحكومية أو في الاعتراض السياسي على استمرار وزير بعينه. فقد ربط الاختيار الحكومي بملفات تشريعية وقضائية محددة، واستحضر قرار المحكمة الدستورية المتعلق بالمسطرة المدنية، ثم انتقل إلى الحريات العامة واستقلال مهنة المحاماة، قبل أن يثير مسألة استعمال اللغة العربية في الخطاب البرلماني لرئيسة الحكومة.
هذا التدرج مهم لفهم طبيعة الاعتراض: المجموعة لا تتعامل مع الحكومة الجديدة باعتبارها بداية منفصلة عن سابقتها، بل تطالب بقراءة التغيير الحكومي من خلال الأشخاص الذين احتفظوا بمواقعهم، والقوانين التي ستواصل الحكومة التعامل معها، والاتجاه الذي ستسلكه في تدبير الملفات المختلف بشأنها.
قرار المحكمة الدستورية يعيد ملف المسطرة المدنية إلى الواجهة
استند بنجلون إلى واقعة قانونية محددة حين ذكّر بأن المحكمة الدستورية قضت بعدم دستورية عدد من مقتضيات قانون المسطرة المدنية الذي أُقر في الولاية السابقة. وهذه الإشارة تستند إلى مسار تشريعي موثق؛ فقد أعلنت وزارة العدل أن المحكمة الدستورية صرحت، في غشت 2025، بعدم دستورية مجموعة من مواد القانون رقم 02.23 المتعلق بالمسطرة المدنية، بعد إحالة صيغته النهائية عليها.
والتدقيق هنا ضروري: قرار المحكمة الدستورية لا يعني أن المؤسسة أبطلت بالضرورة كل مقتضيات القانون، بل إن نطاق الحكم يتعلق بالمواد التي شملها التصريح بعدم الدستورية. لذلك فإن وصف القانون بأنه «أُسقط» يعبّر عن موقف سياسي من أثر القرار، لكنه لا يغني عن تحديد المواد المعنية وأسباب عدم دستوريتها.
كما أن الملف لم يتوقف عند ذلك القرار. فقد أعادت الحكومة المسطرة المدنية إلى المسار التشريعي، وصادقت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، في يناير 2026، على مشروع القانون رقم 58.25، بعد مصادقة مجلس الحكومة عليه في نوفمبر 2025. ويظهر هذا التطور أن الخلاف لم يكن حول نص انتهى أمره نهائياً، بل حول كيفية إعادة بناء التشريع بعد تدخل المحكمة الدستورية.
وتتجاوز أهمية المسطرة المدنية الجدل بين الفرق البرلمانية؛ فهي تحدد القواعد الإجرائية التي يلجأ إليها المواطنون والشركات والإدارات أمام المحاكم. وأي تعديل في شروط التقاضي، أو آجال الطعن، أو صلاحيات القضاة، أو إجراءات تنفيذ الأحكام، يمكن أن ينعكس على كلفة الوصول إلى العدالة وعلى التوازن بين أطراف الدعوى.
كان بنجلون قد وصف بعض الاختيارات التشريعية السابقة بأنها تكرّس «عدالة الأغنياء». وهذا توصيف سياسي حاد، لا يصح التعامل معه باعتباره نتيجة قضائية مثبتة. لكن السؤال الذي يضعه هذا الاتهام أمام الحكومة قابل للفحص: هل تضمن القواعد الإجرائية الجديدة ولوجاً فعلياً ومتوازناً إلى القضاء، أم أن بعض شروط التقاضي قد تزيد العبء على فئات أضعف مالياً؟ الإجابة تتطلب قراءة النصوص النهائية، وتحديد المقتضيات التي تغيرت، وفحص أثرها العملي، لا الاكتفاء بشعارات التأييد أو الرفض.
وزير العدل بين الاستمرارية والمسؤولية السياسية
لم يفصل بنجلون بين هذه الملفات وبين بقاء عبد اللطيف وهبي في وزارة العدل. فالتثبيت، في نظره، علامة على أن الحكومة الجديدة لا تقدم قطيعة واضحة مع النهج السابق في تدبير العدالة والحريات.
غير أن استمرار الوزير في منصبه لا يثبت وحده استمرار كل السياسات السابقة من دون تغيير. فالحكم على ذلك يقتضي مقارنة البرنامج الحكومي الجديد بالتزامات الحكومة السابقة، ثم تتبع مشاريع القوانين المعروضة، والتعديلات التي ستُدخل عليها، والمواقف الرسمية من الضمانات الدستورية وحقوق الدفاع.
وتكتسب هذه المقارنة أهمية خاصة في ملف المسطرة الجنائية. فقد اعترض بنجلون على ما اعتبره تضييقاً على الحريات العامة، لكنه لم يقدم في المقطع المتاح من مداخلته تفصيلاً للمقتضيات التي يستند إليها في هذا الحكم. ولا تسمح المادة المصورة وحدها بإثبات أن جميع أحكام القانون تقيد الحريات، كما لا تسمح بتجاهل الاعتراضات التي يثيرها بشأن الضمانات الإجرائية.
الاختبار الفعلي سيكون في النصوص التي ستعتمدها الحكومة والبرلمان، وفي مدى انسجامها مع الدستور، وفي قدرة المحاكم والمحامين والمتقاضين على تطبيقها في ظروف تضمن المحاكمة العادلة. وتبقى مسؤولية وزير العدل سياسية عن اختيارات قطاعه، بينما يظل تقدير دستورية النصوص من اختصاص المحكمة الدستورية وفق الشروط والإجراءات المقررة.
أما قانون مهنة المحاماة، فقد وضعه بنجلون ضمن ما وصفه باختلال التوازن داخل منظومة العدالة. وهذه نقطة تمس موقع الدفاع في المحاكمة، لا المصالح المهنية للمحامين وحدهم. فالمحامي يؤدي وظيفة في حماية حقوق المتقاضي، وأي تغيير في شروط الولوج إلى المهنة أو تنظيمها أو استقلال هيئاتها يثير ضرورة فحص أثره في ضمانات الدفاع.
لكن المداخلة، وفق المقطع المتاح، لم تتضمن تفصيلاً كافياً لمواد القانون التي يعترض عليها المتحدث. ولذلك فإن تحديد ما إذا كانت مقتضيات بعينها تمس استقلال المحاماة يتطلب الرجوع إلى النص القانوني ومقترحات التعديل ومواقف الهيئات المهنية المعنية.
اللغة العربية: اعتراض دستوري أم رسالة سياسية؟
في الجزء الأخير من المداخلة، انتقل بنجلون من العدالة إلى اللغة المستعملة في الخطاب البرلماني، داعياً رئيسة الحكومة إلى إعطاء العربية المكانة التي تستحقها، ومشيراً إلى أن المغرب يدافع عن استعمالها داخل المنظمات الدولية. كما استحضر ما وصفه بتخصيص ملياري درهم للنهوض بالأمازيغية، مطالباً بإيلاء العربية عناية مماثلة.
تستند الدعوة إلى أساس دستوري واضح. فالفصل الخامس من دستور المملكة ينص على أن العربية هي اللغة الرسمية للدولة، ويلزم الدولة بحمايتها وتطويرها وتنمية استعمالها، ويقر في الوقت نفسه رسمية الأمازيغية باعتبارها رصيداً مشتركاً لجميع المغاربة.
غير أن الاستناد إلى هذا الفصل لا يحسم وحده طبيعة الاعتراض على طريقة تواصل رئيسة الحكومة في الجلسة. فالمقطع المتاح لا يقدم تفصيلاً لغوياً كاملاً لجوابها، ولا يحدد العبارات التي اعتبرها بنجلون مخالفة لما ينبغي أن تكون عليه الممارسة البرلمانية. لذلك لا يمكن الجزم، انطلاقاً من هذا التسجيل وحده، بوقوع مخالفة دستورية.
كذلك، فإن الإشارة إلى ملياري درهم مخصصة للنهوض بالأمازيغية وردت على لسان النائب في معرض حجته. ولا يكفي هذا التصريح وحده لإثبات أن المبلغ يمثل اعتماداً مالياً محدداً في ميزانية رسمية، أو أنه مخصص حصراً لهذا الغرض، أو أنه يقابل التزاماً مالياً مماثلاً مطلوباً للغة العربية. يلزم لذلك الرجوع إلى الوثائق الحكومية والميزانية المعتمدة وتحديد الفترة والبرامج التي يشملها الاعتماد.
ومع ذلك، فإن المداخلة تفتح نقاشاً مشروعاً حول السياسة اللغوية للدولة: كيف تتحول الرسمية الدستورية إلى استعمال فعلي داخل الإدارات والمؤسسات، وما الموارد والبرامج التي تُخصص لتطوير اللغات الرسمية، وكيف تُقاس النتائج؟ هذه أسئلة تتطلب بيانات عن التعليم والإدارة والإنتاج المعرفي والخدمات العمومية، لا الاكتفاء بالمقارنة بين مبالغ مالية غير محددة المصدر في المداخلة.
رفض البرنامج بعد تثبيت الموقف المعارض
انتهى بنجلون إلى إعلان رفض المجموعة النيابية لتحالف اليسار للبرنامج الحكومي. وكان التصويت اللاحق قد أفضى إلى مصادقة مجلس النواب بأغلبية 204 أصوات مقابل 127 صوتاً معارضاً. وبذلك حاز البرنامج الأغلبية المطلوبة لتنصيب الحكومة، من دون أن يعني ذلك انتهاء الخلاف السياسي حول توجهاتها.
تكتسب مداخلة بنجلون معناها من الربط الذي أقامه بين استمرارية وزير العدل، ومآل التشريعات المختلف بشأنها، وضمانات الحريات، ثم موقع اللغة العربية في العمل الحكومي. وهي بذلك تسجل موقفاً معارضاً من البرنامج، لكنها لا تقدم في المقطع المتاح ملفاً تفصيلياً كاملاً عن كل قانون أو عن كلفة السياسات اللغوية.
وستكون متابعة عمل الحكومة في هذه الملفات هي التي تسمح بتحديد مدى استمرار الخيارات السابقة أو تغيرها: من الصيغة النهائية لقانون المسطرة المدنية، إلى الضمانات التي ستتضمنها النصوص المرتبطة بالمسطرة الجنائية ومهنة المحاماة، وصولاً إلى التدابير والاعتمادات التي ستعتمدها الدولة لتنفيذ التزاماتها الدستورية بشأن اللغتين الرسميتين.