لم تعد عودة سبتة ومليلية إلى النقاش السياسي الأمريكي مرتبطة فقط بعبارة وردت في تقرير للجنة الاعتمادات بمجلس النواب الأمريكي. فالنص الذي أُعد في 30 أبريل 2026، وأثار نقاشاً واسعاً في إسبانيا خلال مايو، جمع بين توصيف المدينتين بأنهما تقعان في الأراضي المغربية وتخضعان للإدارة الإسبانية، والدعوة إلى تشجيع الحوار الدبلوماسي بين الرباط ومدريد بشأن وضعهما المستقبلي. لكن التطورات اللاحقة كشفت حدود ما يمكن استخلاصه من هذه الصياغة، كما أظهرت أن الجدل حولها يتجاوز حدود اللغة المستخدمة في وثيقة برلمانية.
فالتقرير المرافق لمشروع قانون الاعتمادات المالية الأمريكية للسنة المالية 2027 لم يتضمن قراراً بنقل السيادة على المدينتين إلى المغرب، ولم يعلن اعترافاً أمريكياً جديداً بالسيادة المغربية عليهما. وقد أكد النائب الجمهوري ماريو دياز بالارت، المرتبط بإعداد التقرير، في تصريحات نقلتها الصحافة الإسبانية، أن الإشارة الواردة فيه لا تعني تغيير الموقف الرسمي الأمريكي ولا المطالبة بنقل المدينتين إلى المغرب.
ومع ذلك، فإن إدراج الملف ضمن تقرير صادر عن لجنة مؤثرة في رسم أولويات الإنفاق والسياسة الخارجية الأمريكية يستحق القراءة في حدود دلالته الفعلية، لا باعتباره قراراً سيادياً، ولا باعتباره نصاً خالياً من الأبعاد السياسية.
وثيقة برلمانية تفتح باباً دبلوماسياً ولا تحسم السيادة
تتضمن الفقرة الخاصة بالمغرب في تقرير لجنة الاعتمادات بمجلس النواب الأمريكي عبارتين أساسيتين: الأولى تصف سبتة ومليلية بأنهما مدينتان تخضعان للإدارة الإسبانية وتقعان في الأراضي المغربية، والثانية تدعم جهود وزير الخارجية الأمريكي لتشجيع الانخراط الدبلوماسي بين المغرب وإسبانيا بشأن الوضع المستقبلي للمدينتين.
وتكمن أهمية الجمع بين العبارتين في أن الوثيقة لا تكتفي بالإشارة إلى مطالبة المغرب التاريخية، بل تضع الملف أيضاً ضمن مجال التحرك الدبلوماسي الذي يمكن لوزير الخارجية الأمريكي تشجيعه. غير أن الدعوة إلى الحوار لا تعني، في حد ذاتها، تبنّي نتيجة محددة لهذا الحوار، كما أن وصفاً جغرافياً أو سياسياً داخل تقرير لجنة لا يكفي وحده لإثبات تحول في الاعتراف الرسمي بالسيادة.
والتمييز هنا ضروري لفهم طبيعة الوثيقة. فالتقرير المرافق لمشروع قانون ليس هو النص التشريعي نفسه، ولا تترتب عليه تلقائياً الآثار القانونية التي يمكن أن تترتب على قانون نافذ. وقد أوضحت تقارير التحقق الإسبانية أن الإشارة إلى سبتة ومليلية وردت في التقرير التفسيري المصاحب للمشروع، لا في نص مشروع القانون ذاته.
ويعني ذلك أن الوثيقة تصلح دليلاً على موقف عبّرت عنه لجنة برلمانية في إطار عملها، وعلى رغبتها المعلنة في تشجيع التواصل الدبلوماسي بشأن الملف. لكنها لا تكفي لإثبات أن الإدارة الأمريكية قررت تغيير موقفها، أو أن واشنطن والرباط اتفقتا على مسار تفاوضي بشأن المدينتين.
هذا الفارق بين المؤسستين التشريعية والتنفيذية كان محوراً أساسياً في النقاش التلفزيوني الذي تناول الوثيقة، وإن اختلف الباحثان المشاركان في تقدير دلالتها السياسية.
ما الذي تقوله الوثيقة عن العلاقة بين واشنطن ومدريد؟
في النقاش التلفزيوني، اعتبر الباحث في المجلس الوطني للعلاقات العربية الأمريكية فادي حلاني أن الوثيقة قد تعكس توجهاً أو مزاجاً داخل بعض دوائر الإدارة الأمريكية، مستنداً إلى قرب النائب ماريو دياز بالارت من دوائر جمهورية نافذة، وإلى طبيعة المرحلة السياسية التي تتسم، وفق تقديره، بقدر أكبر من البراغماتية في إدارة العلاقات الدولية.
في المقابل، شدد الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية صلاح قراطة على أن الكونغرس ليس الجهة التنفيذية التي تحدد وحدها الموقف الدبلوماسي الأمريكي، وأن المعيار الأكثر حسماً يظل ما يصدر عن البيت الأبيض ووزارة الخارجية، أو ما ينتقل عبر القنوات الرسمية بين العاصمتين.
القراءتان تقديران سياسيان، وليستا في حد ذاتهما إثباتاً لوجود قرار داخل الإدارة الأمريكية يستهدف السيادة الإسبانية على المدينتين. ومع ذلك، فإن الخلاف بينهما يسلط الضوء على مسألة مؤسساتية مهمة: كيف يمكن التعامل مع وثيقة صادرة عن لجنة برلمانية عندما تتقاطع مضامينها مع خلافات قائمة بين حليفين للولايات المتحدة؟
تكتسب المسألة أهمية إضافية بالنظر إلى أن دياز بالارت كان مرتبطاً بإعداد التقرير الذي أثار الجدل، وإلى أن الملف أُدرج في وثيقة تتناول اعتمادات الأمن القومي ووزارة الخارجية والبرامج ذات الصلة. لكن القرب السياسي من مسؤولين في الإدارة لا يساوي تفويضاً رسمياً بالتعبير عن مواقفهم، ولا يجوز تحويله إلى دليل مستقل على وجود تنسيق بشأن سبتة ومليلية.
ولذلك، فإن القراءة الأكثر انضباطاً لا تتعامل مع التقرير باعتباره إعلاناً أمريكياً عن مستقبل المدينتين، بل باعتباره تدخلاً برلمانياً يضع الملف ضمن أجندة النقاش الدبلوماسي، من دون أن يحسم الموقف التنفيذي منه.
من الخلاف السياسي إلى الموقف الرسمي الأمريكي
لم يبق الجدل محصوراً في تفسير التقرير. ففي 6 أغسطس 2026، نقلت تقارير صحفية عن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، تومي بيغوت، تأكيده أن الولايات المتحدة تدعم بصورة واضحة سيادة إسبانيا على سبتة ومليلية. كما فصل التصريح بين موقف الإدارة الأمريكية الرسمي وبين اللغة الواردة في تقرير الكونغرس، مع انتقاد الحكومة الإسبانية بسبب تعاملها مع أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة في نهاية يوليو.
هذا التطور مهم لأنه يقدم دليلاً مباشراً على موقف صادر عن الجهة التنفيذية الأمريكية المختصة، وهو أقوى في تحديد السياسة الرسمية من الاستنتاجات المستخلصة من تقرير لجنة برلمانية.
ولا يلغي هذا التصريح حقيقة أن التقرير استخدم صياغة أثارت اعتراضات وتساؤلات في إسبانيا، لكنه يمنع تقديم تلك الصياغة باعتبارها اعترافاً أمريكياً بالسيادة المغربية على المدينتين. كما لا يسمح بالقول إن واشنطن قررت فتح مفاوضات رسمية بشأنهما، ما دام لا يوجد في المعلومات المتاحة ما يثبت اتخاذ قرار تنفيذي من هذا النوع.
والأمر الذي يستحق المتابعة ليس فقط ما ورد في التقرير، بل كيفية تعامل المؤسسات الأمريكية المختلفة مع الملف، وما إذا كانت الدعوة إلى الحوار ستظل توصية واردة في وثيقة برلمانية، أم ستتحول إلى مبادرة دبلوماسية معلنة. وحتى الآن، لا يكفي النص وحده لإثبات حدوث الانتقال من المرحلة الأولى إلى الثانية.
المغرب في الحسابات الأمريكية: الشراكة لا تعني تطابق الملفات
ربط فادي حلاني، خلال النقاش التلفزيوني، بين أهمية المغرب في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية وبين احتمال أن تتيح البراغماتية التي تميز سياسة دونالد ترامب مجالاً لتحركات غير تقليدية. واستحضر في هذا الصدد الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء، الذي أُعلن في ديسمبر 2020 خلال الولاية الأولى لترامب، في إطار إعلان استئناف العلاقات بين المغرب وإسرائيل.
تلك واقعة موثقة، لكنها لا تثبت أن واشنطن ستكرر الآلية نفسها في ملف سبتة ومليلية. فالاعتراف الأمريكي المتعلق بالصحراء كان قراراً معلناً ومحدداً، ارتبط بترتيبات سياسية ودبلوماسية معروفة. أما التقرير الحالي فيتضمن توصية بتشجيع الحوار بين المغرب وإسبانيا، من دون أن يعلن تغييراً مماثلاً في موقف الولايات المتحدة بشأن المدينتين.
وتؤكد المقارنة بين الملفين ضرورة التمييز بين ثبات الشراكة المغربية الأمريكية، من جهة، وطبيعة كل ملف من ملفات السيادة والعلاقات الثنائية، من جهة أخرى. فلا يمكن افتراض أن ما تحقق في ملف الصحراء سيؤدي تلقائياً إلى نتيجة مماثلة في ملف سبتة ومليلية، كما لا يمكن استبعاد أن تتغير الحسابات السياسية مستقبلاً من دون وجود دليل على أن ذلك بات توجهاً رسمياً.
وتستند الشراكة بين الرباط وواشنطن إلى مصالح استراتيجية وأمنية وعسكرية واقتصادية. غير أن وجود هذه المصالح لا يثبت وحده حصول مشاورات بشأن مستقبل المدينتين. وقد صرح حلاني نفسه، في النقاش، بأنه لا يستطيع تأكيد وجود تشاور أمريكي مغربي حول سبتة ومليلية، رغم حديثه عن مستوى متقدم من التنسيق بين البلدين في مجالات أخرى.
هذا التمييز يضع حدوداً واضحة لما يمكن استخلاصه من العلاقات الثنائية: التنسيق الاستراتيجي حقيقة عامة لا تكفي وحدها لإثبات اتفاق خاص بشأن ملف إقليمي حساس.
مدريد بين رفض التفاوض وحسابات العلاقة مع واشنطن
لا تنفصل حساسية الملف عن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسبانيا، خصوصاً مع تباين مواقف البلدين بشأن عدد من القضايا الدولية والدفاعية. وقد أشار النقاش التلفزيوني إلى الخلاف حول الإنفاق الدفاعي داخل حلف شمال الأطلسي، وإلى رفض مدريد السماح باستخدام قواعدها العسكرية في العمليات الأمريكية المرتبطة بإيران، باعتبارهما من العوامل التي ساهمت في توتر العلاقات.
لكن وجود خلافات سياسية لا يثبت أن تقرير الكونغرس صيغ بهدف معاقبة إسبانيا أو الضغط عليها في ملف سبتة ومليلية. فذلك يظل احتمالاً تفسيرياً يحتاج إلى أدلة مستقلة، مثل تصريحات صريحة من صانعي القرار أو وثائق تربط بين الملفين.
وقد أظهرت التطورات اللاحقة أن مدريد لم تتعامل مع الموضوع باعتباره مجرد سجال إعلامي. ففي 11 أغسطس، أكد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، خلال زيارة إلى سبتة، التزام الحكومة بسيادة إسبانيا ووحدة أراضيها. وفي 22 أغسطس، أعلنت الخارجية الإسبانية رفضها القاطع للمطالب المغربية المتعلقة بالمدينتين، وأكدت أنها نقلت موقفها عبر القنوات الدبلوماسية.
هذه المواقف تكشف أن المسألة دخلت دائرة التجاذب الدبلوماسي العلني، لكنها لا تعني أن مدريد وافقت على التفاوض بشأن السيادة، ولا أن واشنطن تبنت موقف المغرب. فالجانب الإسباني أعلن بوضوح رفضه أي مقاربة مختلفة لوضع المدينتين، فيما أكد الجانب الأمريكي، عبر المتحدث باسم وزارة الخارجية، دعمه السيادة الإسبانية.
وفي النقاش التلفزيوني، رأى صلاح قراطة أن العلاقات المغربية الإسبانية راسخة ومتطورة، وأن فتح الملف لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تهديداً حتمياً لهذه العلاقات. غير أن متانة التعاون الاقتصادي والسياسي لا تلغي وجود خلافات تاريخية، ولا تضمن أن تظل الملفات الحساسة خارج التجاذبات الدولية.
والأدق أن العلاقات الثنائية قادرة على الجمع بين التعاون في ملفات متعددة واستمرار الخلاف حول قضايا السيادة. أما تحديد مدى تأثير هذا الملف على مستقبل العلاقة بين الرباط ومدريد، فيتطلب متابعة الإجراءات الدبلوماسية الفعلية، لا الاكتفاء بالتوقعات.
التمويل الأمريكي للمغرب: ما الذي تثبته الأرقام؟
تضمن التقرير أيضاً إشارة إلى دعم مالي للمغرب لا يقل عن 40 مليون دولار ضمن برامج مرتبطة بالمصالح الأمنية الأمريكية: 20 مليون دولار في إطار برامج الاستثمار في الأمن القومي، و20 مليون دولار في إطار برنامج التمويل العسكري الخارجي.
وقد استُخدمت هذه الأرقام في بعض المنشورات والتغطيات لتقديم التمويل كما لو كان مخصصاً لدعم مطالبة المغرب بسبتة ومليلية أو لتمويل استعادتهما. لكن المعلومات المنشورة عن التقرير لا تسند هذا الاستنتاج؛ فالمبالغ وردت في إطار برامج الأمن القومي والتمويل العسكري، ولم ينص التقرير على تخصيصها لنقل السيادة على المدينتين أو لاستخدام القوة بشأنهما.
ومن الضروري أيضاً التمييز بين ما يوصي به تقرير لجنة في إطار مشروع اعتمادات، وبين المبالغ التي يقرها النص التشريعي النهائي وتُصرف فعلياً وفق الإجراءات المعتمدة. فالإشارة إلى مبلغ في تقرير مرفق لا تثبت، بمفردها، أن التمويل صُرف أو أن غرضه تغير.
إن وضع الأرقام في سياقها الصحيح يمنع توظيفها في استنتاجات لا تحملها الوثيقة. فالتعاون الأمني الأمريكي المغربي قائم، لكن ربط مخصصاته المالية بملف سبتة ومليلية يحتاج إلى دليل صريح لا توفره المعطيات المتاحة.
ماذا تعني العودة إلى الملف بالنسبة للمغرب؟
تمنح الوثيقة المغرب فرصة لإعادة إبراز مطالبته التاريخية بالمدينتين داخل نقاش أمريكي ذي صلة بالسياسة الخارجية، لكنها لا تمثل مكسباً سيادياً محسوماً، ولا تعني أن واشنطن انتقلت إلى تبني الموقف المغربي. فالتقرير يتيح الاستدلال على أن لجنة في مجلس النواب دعمت تشجيع الحوار الدبلوماسي حول الوضع المستقبلي للمدينتين، بينما جاء التصريح اللاحق لوزارة الخارجية الأمريكية ليؤكد استمرار دعمها للسيادة الإسبانية.
والفارق بين الأمرين هو الذي ينبغي أن يحكم القراءة المغربية للواقعة. فمن جهة، لا يصح التقليل من أهمية إدراج الملف في وثيقة صادرة عن مؤسسة أمريكية؛ ومن جهة أخرى، لا يصح تحويل هذا الإدراج إلى إعلان عن تحول استراتيجي لم يقع بعد.
أما احتمال أن تستخدم واشنطن الملف في علاقاتها مع مدريد، فيظل فرضية سياسية قابلة للنقاش، خصوصاً في ظل الخلافات بين البلدين. لكنه لا يصبح حقيقة بمجرد وجود توتر بينهما، ولا بمجرد أن صاحب التقرير ينتمي إلى الحزب الجمهوري وقريب من دوائر سياسية نافذة.
وتبقى المؤشرات الحاسمة هي ما إذا كانت الإدارة الأمريكية ستعلن مبادرة رسمية بشأن الملف، وما إذا كانت ستتخذ خطوات دبلوماسية ملموسة لتشجيع الحوار، وكيف ستتعامل الرباط ومدريد مع أي تحرك من هذا النوع. وحتى ظهور هذه المؤشرات، تظل الوثيقة محطة في النقاش السياسي الأمريكي حول سبتة ومليلية، وليست قراراً بتغيير وضعهما.
المعطى المؤكد أن الملف عاد إلى التداول داخل مؤسسة أمريكية مؤثرة، وأن الصياغة التي اختارتها اللجنة أثارت جدلاً تجاوز واشنطن إلى مدريد والرباط. أما ما إذا كان ذلك سيؤدي إلى تغيير في السياسة الأمريكية، أو إلى مسار دبلوماسي جديد، فلا تسمح الأدلة المتاحة حتى الآن بالجزم به.