أوراق مدرسة القدس تصل إلى عمدة طنجة.. التحقيق يتوسع والقضاء وحده يحدد المسؤوليات

0
80

لم تعد قضية الأوراق الانتخابية التي تفجرت يوم الاقتراع في طنجة محصورة في الأشخاص الذين كانوا داخل مكاتب التصويت أو في محيطها. مساء الاثنين 28 شتنبر، قرر الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بطنجة وضع منير ليموري، عمدة المدينة والمسؤول الإقليمي لحزب الأصالة والمعاصرة بعمالة طنجة-أصيلة، رهن تدبير الحراسة النظرية، بعد ساعات من توقيفه لدى وصوله إلى مطار طنجة ابن بطوطة قادماً من مالقا الإسبانية.

هذا التطور يغير مستوى القضية، لكنه لا يحسمها.

فالملف، وفق ما أعلنته النيابة العامة في مراحل سابقة، لم يبدأ باسم عمدة طنجة ولا باسم مسؤول حزبي. بدأ يوم 23 شتنبر، يوم الانتخابات التشريعية، عندما ضُبط شخص بحوزته حقيبة تحتوي على أوراق انتخابية مرتبطة بمكتب للتصويت في مدرسة القدس بحي كساباراطا. وبعد فتح البحث، لم تبق الواقعة في حدود حيازة الأوراق، إذ أظهرت الأبحاث الأولية، بحسب بلاغ الوكيل العام للملك، أن نائب رئيس مكتب تصويت يشتبه في أنه أخرج مجموعة من أوراق التصويت من المؤسسة بمساعدة رئيس المكتب، قبل إعادتها لاحقاً، مع تسجيل اختلاف بين الحبر الموجود على الأوراق المحجوزة والحبر المستعمل داخل مكاتب التصويت.

ثم انتقل الملف إلى مستوى قضائي أكثر جدية.

النيابة العامة أعلنت توقيف خمسة مشتبه فيهم، بينهم رئيسا مكتبي تصويت ونائباهما وشخص آخر، وأحالت أربعة منهم على النيابة العامة مع مطالبة بإجراء تحقيق في حقهم. وأفادت المعطيات المنشورة بأن التحقيق شمل أفعالاً مرتبطة بانتهاك عمليات الاقتراع والتزوير والمشاركة فيه، فيما أودع أربعة من المعنيين لاحقاً رهن الاعتقال الاحتياطي في انتظار التحقيق التفصيلي.

هذه الوقائع مهمة لأنها تضع توقيف ليموري داخل تسلسل قضائي قائم، وليس كواقعة منفصلة نشأت من الجدل السياسي والإعلامي الذي رافق الملف.

لكنها في الوقت نفسه تفرض قدراً أكبر من الحذر في قراءة ما يجري.

المعلن رسمياً حتى الآن عن القضية الأصلية يتعلق بأفعال منسوبة إلى أشخاص كانوا يتولون مهام داخل مكاتب التصويت، بينما ما يخص ليموري هو أنه أصبح مشمولاً بالبحث القضائي ووُضع رهن الحراسة النظرية. أما طبيعة الأفعال المحددة المنسوبة إليه، والأدلة التي يستند إليها البحث في مواجهته، ومدى صلته بالوقائع التي بدأت منها القضية، فهذه أمور لا يمكن استنتاجها بصورة آلية من مجرد وضعه تحت الحراسة النظرية.

وهذا التفصيل مهم خصوصاً لأن بعض الصياغات المتداولة تتحدث عن القضية كما لو أن المسؤولية قد ثبتت، بينما الوضع الإجرائي مختلف تماماً. الحراسة النظرية إجراء من إجراءات البحث، وليست حكماً بالإدانة. وحتى بالنسبة إلى الأشخاص الأربعة الذين أحيلوا على التحقيق، فإن قرار الإيداع رهن الاعتقال الاحتياطي لا يعادل ثبوت التهم نهائياً.

قضية ليموري تحمل بعداً آخر بسبب التوقيت.

فقد كان اسمه قد ظهر في التحقيقات قبل عودته إلى المغرب. وأفادت مصادر صحفية بإصدار مذكرة بحث في حقه، بينما كان موجوداً في إسبانيا. وعندما خرج للرد على الجدل، نفى أن يكون سفره مرتبطاً بالرغبة في تفادي القضاء، وقال إن الرحلة كانت مرتبطة بنشاطه الاقتصادي ولقاء شركاء وعملاء في إسبانيا، مضيفاً أنه سيعود إلى طنجة للمثول أمام القضاء والرد على ما يثار حوله.

وقد عاد بالفعل.

وصل صباح الاثنين إلى مطار ابن بطوطة قادماً من مالقا، قبل أن يُقتاد إلى المصلحة الولائية للشرطة القضائية بطنجة لاستكمال البحث. وفي نهاية ساعات الاستماع تقرر وضعه رهن الحراسة النظرية.

الفارق بين المرحلتين واضح: مغادرته المغرب كانت مجالاً للروايات والتأويلات، أما عودته فوضعت الأمر في مساره الإجرائي المباشر. لكن حتى هذا التطور لا يجيب وحده عن السؤال المركزي في الملف: ما الذي يربط عمدة طنجة بالوقائع التي اكتشفت داخل أو بمحيط مكتب التصويت؟

المصادر الصحفية تحدثت عن الاستماع إليه لساعات طويلة وعن مواجهته بمعطيات واتصالات هاتفية مع أشخاص يتابعون في القضية. هذه المعطيات، إن صحت، تفسر لماذا لم يتوقف البحث عند حدود الاستماع الأولي، لكنها لا تكشف وحدها مضمون الاتصالات ولا ما إذا كانت تتضمن فعلاً عناصر ذات قيمة إثباتية في القضية. وهذا فرق لا ينبغي إسقاطه في التغطية الصحفية.

الأهم أن التحقيق نفسه كان قد بدأ يتوسع قبل وصول ليموري. فالنيابة العامة لم تتعامل مع الواقعة باعتبارها مجرد حيازة عرضية لأوراق انتخابية، بل أعلنت أن الأبحاث أظهرت إخراج أوراق من مكتب التصويت ثم إعادتها، وأن الحبر المستعمل في الأوراق المحجوزة يختلف عن الحبر المستعمل داخل المكاتب. كما انتقل الملف إلى قاضي التحقيق بالنسبة إلى أربعة من المشتبه فيهم.

ذلك يجعل سؤال المصدر ومسار الأوراق أكثر أهمية من سؤال الأشخاص الذين ظهرت أسماؤهم في النقاش العام.

من أين خرجت الأوراق؟

من أخرجها؟

لماذا أُخرجت؟

من أعادها؟

ما الغرض من ذلك؟

وهل توجد صلة مثبتة بين هذه الأفعال وبين أشخاص من خارج مكاتب التصويت؟

هذه الأسئلة هي التي يمكن أن تفسر اتساع التحقيق، وليس مجرد تداول أسماء سياسية في وسائل الإعلام.

ومن اللافت أن القضية بدأت في فضاء شديد الحساسية: مكتب تصويت، أوراق انتخابية، محاضر ونتائج، ثم انتقلت تدريجياً إلى دائرة أشخاص يتولون مسؤوليات سياسية وانتخابية. لذلك فإن قيمة التحقيق لا تكمن فقط في تحديد ما إذا كان شخص معين قد ارتكب فعلاً مجرماً، وإنما في تحديد التسلسل الكامل للواقعة، من الورقة إلى المكتب، ومن المكتب إلى الأشخاص الذين قد تكون لهم صلة بها، إن أثبت التحقيق ذلك.

أما الربط بين حزب الأصالة والمعاصرة كتنظيم وبين الواقعة، فهو أيضاً يحتاج إلى الدقة نفسها. فقد سبق لقيادة الحزب أن رفضت ما اعتبرته حملة تربط الحزب بالقضية دون دليل، كما قدم وكيل لائحته بطنجة-أصيلة رواية تنفي علاقة الحزب بالشخص الذي أوقف في بداية القضية. وفي المقابل، فإن التحقيق القضائي هو الذي سيحدد إن كانت هناك مسؤوليات فردية أخرى تتجاوز الأشخاص الذين تم الإعلان عن توقيفهم في المرحلة الأولى.

ولا ينبغي الخلط بين المستويين.

مسؤولية شخص بعينه، إن ثبتت، لا تعني تلقائياً مسؤولية تنظيم سياسي بأكمله. كما أن كون شخص ما يشغل منصباً منتخباً أو حزبياً لا يشكل دليلاً بذاته على تورطه في واقعة جنائية.

في المقابل، فإن وصول البحث إلى عمدة المدينة ومسؤول حزبي إقليمي يعني أن المحققين لم يغلقوا القضية عند حدود أول قائمة من الموقوفين. هذه حقيقة إجرائية يمكن تسجيلها، أما تفسير سبب وصول البحث إليه تحديداً وما إذا كان سيقود إلى متابعات أخرى، فذلك ما زال في يد التحقيق والنيابة العامة وقاضي التحقيق، بحسب المرحلة التي ستصل إليها القضية.

يبقى أيضاً أن الانتخابات التشريعية جرت في 23 شتنبر، أي أن القضية ظهرت في لحظة شديدة القرب من العملية الانتخابية نفسها. ولذلك تحولت الواقعة سريعاً من حادث داخل مركز اقتراع إلى قضية لها امتداد سياسي وإعلامي واسع. لكن القضاء لا يعمل بمنطق الرواية السياسية ولا بمنطق الانطباعات التي تصنعها منصات التواصل؛ ما سيبقى في الملف هو ما يمكن إثباته بمحاضر وأبحاث وخبرات واستماعات وأدلة قابلة للتقييم القضائي.

وضع ليموري تحت الحراسة النظرية يفتح المرحلة التالية من القصة، ولا ينهيها.

وبحسب ما نشرته هسبريس، من المرتقب تقديمه أمام الوكيل العام للملك بعد انتهاء مدة الحراسة النظرية لاتخاذ القرار الإجرائي المناسب في شأنه.

عند تلك النقطة ستتضح زاوية جديدة من الملف: هل ستتجه القضية إلى متابعة ليموري، وبأي تكييف قانوني، وعلى أي عناصر من البحث؟ أم ستتغير طبيعة وضعه بعد استكمال الاستماع والتحريات؟

لا توجد، في المعطيات المنشورة التي يمكن التحقق منها حتى الآن، إجابة نهائية عن ذلك.

ولهذا فإن أخطر خطأ صحفي في هذه المرحلة سيكون تحويل إجراء من إجراءات البحث إلى حكم مسبق. القضية أصبحت أكبر من حقيبة أوراق، بالتأكيد؛ لكنها لم تصبح بعد حكماً قضائياً على أي شخص. وما سيحدد وزنها الحقيقي هو ما يستطيع التحقيق إثباته، لا ما تستطيع الروايات السياسية والإعلامية أن تقوله قبل اكتمال التحقيق.