لم تعد قضية حقيبة أوراق التصويت التي تفجرت يوم الاقتراع في طنجة محصورة في الأشخاص الذين ضُبطوا داخل أو بمحيط مكتب التصويت بمدرسة القدس. خلال الأيام الأخيرة، انتقل البحث من الواقعة الأصلية إلى ما جرى قبلها وما تلاها، وارتفع عدد الأشخاص الذين شملتهم الأبحاث، وفق معطيات إعلامية متطابقة، إلى سبعة، في وقت دخلت فيه عناصر جديدة إلى الملف، من بينها اجتماعات جرت في شقق فندقية ومسألة محو تسجيلات كاميرات المراقبة التي يمكن أن تكون ذات صلة بالأبحاث.
المعطى الذي أعطى للقضية امتداداً جديداً يتعلق بشخص يرمز إليه بالأحرف “م.م”، وهو مالك ومسير مؤسسة سياحية تضم شققاً فندقية، كانت إحدى وحداتها، بحسب المعطيات المتداولة من مصادر مطلعة، مكاناً لاجتماعات بين بعض الأشخاص الذين دخلوا لاحقاً في دائرة البحث.
بحسب هذه المعطيات، جرى الاستماع إلى الرجل، قبل أن يتقرر تقديمه في حالة سراح، مع مواجهته بشبهة تتعلق بـمحو آثار جريمة بهدف عرقلة سير البحث، بعدما نُسب إليه محو تسجيلات كاميرات المراقبة الخاصة بالإقامة. وتقول المعطيات نفسها إن التسجيلات كانت توثق لقاءات واجتماعات سبقت يوم الاقتراع.
هذه النقطة، إذا ثبتت قضائياً، لا تتعلق فقط بمحتوى ما جرى داخل مركز التصويت يوم 23 شتنبر، وإنما تفتح البحث على الفترة السابقة للانتخابات: من التقى بمن، وأين، ومتى، وما الذي يمكن أن تثبته التسجيلات التي كانت موجودة ثم اختفت. لكن هذه تبقى، في مرحلتها الحالية، معطيات منسوبة إلى مصادر مطلعة وليست وقائع حسمها حكم قضائي.
الشخص الثاني الذي دخل دائرة البحث في التطورات الأخيرة، وفق المعطيات نفسها، يحمل الأحرف “ع.م”، ويعمل حارساً عاماً بمؤسسة تعليمية عمومية لها صلة بسير العملية الانتخابية. وقد تقرر، بحسب المصادر، تقديمه في حالة اعتقال، مع مواجهته بشبهات تتعلق بـالمشاركة في تزوير محرر عمومي، والإرشاء، وانتهاك عملية الاقتراع.
وجود موظف تربوي مرتبط تنظيمياً بسير العملية الانتخابية ضمن الأشخاص الذين يشملهم البحث يضيف مستوى مختلفاً إلى الملف. فالقضية لم تعد تدور فقط حول أوراق انتخابية عُثر عليها داخل حقيبة، وإنما حول شبكة من الأدوار المحتملة داخل محيط العملية الانتخابية وخارجها. ولا يمكن، في هذه المرحلة، تحويل هذه الصلات إلى مسؤوليات ثابتة قبل أن تحدد التحقيقات والقضاء طبيعة الأفعال ونسبتها إلى كل شخص على حدة.
الواقعة الأصلية نفسها كانت قد أخذت منذ البداية منحى جنائياً واضحاً. بلاغ الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بطنجة أفاد بأن خمسة مشتبه فيهم أوقفوا، وهم رئيسا مكتبي تصويت ونائباهما وشخص خامس. كما ذكر البلاغ أن الشخص الذي ضُبط متحوزاً للحقيبة كان نائب رئيس مكتب تصويت، وأن الأبحاث الأولية خلصت إلى أنه اختلس أوراق تصويت من داخل المكتب بمساعدة رئيس المكتب، ووضعها في حقيبة وأخرجها من المؤسسة قبل أن يعمل لاحقاً على إرجاعها إلى مكتبي التصويت بتنسيق مع باقي الأشخاص المتورطين، بحسب ما ورد في البلاغ.
والتفصيل الذي سجلته النيابة العامة بشأن اختلاف نوع الحبر المستعمل في الأوراق المضبوطة عن الحبر الموجود في مكاتب التصويت جعل البحث يتجاوز مجرد وجود أوراق انتخابية خارج مكانها. فالبلاغ الرسمي لم يتحدث عن واقعة عرضية فقط، بل أشار إلى نتائج أولية قالت النيابة العامة إنها أسست عليها مطالبتها بإجراء تحقيق مع المعنيين بالأمر في حالة اعتقال احتياطي، للاشتباه في ارتكاب جناية انتهاك عمليات الاقتراع والتزوير والمشاركة فيه.
ثم اتسعت الدائرة.
في 28 شتنبر، أوقفت المصالح الأمنية عمدة طنجة، منير ليموري، مباشرة بعد وصوله إلى مطار ابن بطوطة قادماً من مالقة، ونُقل إلى ولاية أمن طنجة للاستماع إليه من طرف الشرطة القضائية تحت إشراف النيابة العامة. وبعد ساعات من الاستماع إليه، تقرر وضعه رهن الحراسة النظرية على خلفية البحث الجاري في القضية.
ليموري ليس أحد الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في البلاغ الأول للوكيل العام للملك بشأن الموقوفين الخمسة. دخوله إلى الملف جاء في مرحلة لاحقة من البحث، ولذلك فإن مجرد وضعه تحت الحراسة النظرية لا يساوي قانوناً ثبوت أي من الأفعال المنسوبة إلى باقي المشتبه فيهم. الحراسة النظرية إجراء من إجراءات البحث، أما المسؤولية الجنائية فتظل مرتبطة بما ستثبته التحقيقات وما ستقرره الجهات القضائية المختصة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن النيابة العامة كانت قد أعلنت منذ بلاغها السابق أنها لا تريد أن يتوقف البحث عند الأسماء التي ظهرت في البداية. فقد شددت على حرصها على استيفاء كافة الظروف المحيطة بالواقعة والكشف عن كافة الأشخاص المتورطين فيها مهما كانت صفتهم أو مواقعهم.
هذا ما يجعل التطورات الجديدة، ومنها الحديث عن تسجيلات محذوفة واجتماعات سابقة للاقتراع، قابلة لأن تكون جزءاً من مسار البحث نفسه لا مجرد وقائع جانبية. إذا كانت التسجيلات قد وُجدت فعلاً ثم جرى محوها، فإن السؤال القضائي لا يتوقف عند معرفة ما كانت تظهره، بل يمتد إلى تحديد من كان يملك القدرة على الوصول إليها، ومتى اختفت، وهل يمكن استرجاعها أو إثبات محتواها بوسائل تقنية أخرى.
أما ما يتعلق بالاجتماعات التي يُقال إنها جرت داخل الشقق الفندقية، فوجود الاجتماع في حد ذاته لا يثبت جريمة. القيمة القانونية ستكون فيما قد تكشفه التحقيقات عن الأشخاص المشاركين، وتوقيت اللقاءات، والاتصالات التي رافقتها، وما إذا كانت لها علاقة مباشرة بالوقائع التي سبقت أو صاحبت أو أعقبت الاقتراع.
وبذلك يصبح ملف مدرسة القدس أكثر اتساعاً من الصورة الأولى التي بدأت بحقيبة تحمل أوراقاً انتخابية. البلاغ الرسمي وضع الأساس: خمسة مشتبه فيهم، أوراق أُخرجت من مكتب تصويت، إعادة الأوراق لاحقاً، واختلاف في نوع الحبر. ثم أضافت الأبحاث أسماء وصفات أخرى، وصولاً إلى عمدة طنجة، فيما تتحدث المعطيات الجديدة عن اجتماعات وتسجيلات كاميرات جرى محوها.
لكن الفارق بين اتساع البحث واتساع المسؤولية الجنائية يجب أن يبقى واضحاً. حتى الآن، ما أعلنته النيابة العامة رسمياً يتعلق بوقائع وأفعال اشتبه فيها ضمن مراحل البحث، بينما تفاصيل الأشخاص السبعة والأدوار المحددة المنسوبة إلى بعضهم مصدرها معطيات صحافية ومصادر مطلعة، ولم تصدر بشأنها كلها، وفق ما أمكن التحقق منه، صياغة رسمية مفصلة من النيابة العامة.
والبحث الذي بدأ بحقيبة أوراق انتخابية بات الآن يبحث أيضاً في من كان موجوداً قبل الاقتراع، ومن تحرك أثناءه، ومن تواصل بعده، وما الذي بقي من الأدلة، وما الذي اختفى منها. أما تحديد ما إذا كانت هذه الخيوط تشكل وقائع منفصلة أم حلقات في واقعة واحدة، فذلك تحديد تركته النيابة العامة والتحقيق للقضاء، ولم يُحسم بعد.