الطماطم تعود إلى التراجع بعد وقف تصديرها نحو إفريقيا.. لكن من يحمي حق المغاربة في غذائهم ومائهم قبل حسابات التصدير؟

0
67
صورة: و.م.ع

سجلت أسعار الطماطم في أسواق البيع بالتقسيط بالمغرب أولى مؤشرات الانخفاض، بعدما انتقلت من مستويات قاربت 17 درهماً للكيلوغرام إلى ما بين 13 و15 درهماً، وفق المعطيات التي نقلتها جريدة هسبريس عن معايناتها في أسواق الرباط. ويتزامن هذا التراجع مع قرار السلطات وقف تصدير الطماطم نحو الأسواق الإفريقية، ابتداءً من الخميس 5 نونبر الجاري، في خطوة ترمي إلى تعزيز العرض الموجه للسوق الوطنية وتخفيف الضغط على أسعار هذه المادة الأساسية.

لكن هذا الانخفاض، على أهميته بالنسبة للأسر المغربية، يفتح ملفاً أكبر من مجرد تدبير أزمة ظرفية في سوق الخضر. فحين تضطر الحكومة إلى التدخل لتقييد صادرات منتوج فلاحي حتى تضمن توفره محلياً، يصبح من المشروع مساءلة الاختيارات التي تحكم العلاقة بين الإنتاج الموجه للمستهلك المغربي والإنتاج الموجه للأسواق الخارجية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقطاع يستفيد من موارد طبيعية محدودة، وفي مقدمتها المياه الجوفية.

واللافت في القرار أن التقييد المعلن يتعلق بالأسواق الإفريقية، بينما تستمر صادرات الطماطم نحو الأسواق الأوروبية. وقد نقلت وكالة رويترز، في تقريرها المنشور يوم 5 نونبر، عن رئيس الفيدرالية البيمهنية المغربية لإنتاج وتصدير الفواكه والخضر، لحسين أدرادور، تأكيده إبلاغ المصدرين المعنيين بالقرار، فيما وصف مصدر حكومي الإجراء بالمؤقت، مشيراً إلى أن الصادرات ستُستأنف قريباً. كما أوردت الوكالة أن الأسواق الأوروبية لم يشملها هذا التوقف.

هذه الجزئية تستحق الانتباه؛ لأن النقاش لا يتعلق بإغلاق باب التصدير في المطلق، وإنما بكيفية ترتيب الأولويات بين السوق الوطنية والأسواق الخارجية، وبالمعايير التي تجعل بعض وجهات التصدير مستمرة بينما تُعلّق وجهات أخرى في لحظة ضغط على القدرة الشرائية للمواطنين.

التراجع في الأسعار لا يحسم وحده أسباب الأزمة

المعطيات التي أوردتها هسبريس عن مصدر حكومي تربط ارتفاع أسعار الطماطم بتأخر نسبي في جني الإنتاج المبكر بجهة سوس ماسة، نتيجة انخفاض درجات الحرارة منذ أكتوبر، وهو ما أبطأ نضج المحصول وقلّص مؤقتاً تدفق الكميات نحو الأسواق الوطنية. وأضاف المصدر أن سعر الطماطم في سوق الجملة المرجعي بإنزكان ظل في حدود 6.7 دراهم للكيلوغرام.

وتوجد عوامل أخرى لا ينبغي إغفالها. فقد نقلت رويترز عن مهنيين أن تراجع الإنتاجية وارتفاع تكاليف الأسمدة والمحروقات يضغطان على العرض وتكاليف الإنتاج. كما أوردت هسبريس تصريحات لمهنيين يربطون الصعوبات بانتشار أمراض نباتية وارتفاع كلفة المدخلات الفلاحية.

هذه المعطيات تساعد على فهم جانب من الأزمة، لكنها لا تجيب عن سؤال الفارق بين سعر الجملة وسعر البيع النهائي، ولا تكفي لتحديد مسؤولية كل حلقة من حلقات التسويق عن السعر الذي يصل إلى المستهلك. فالانتقال من 6.7 دراهم في سوق الجملة إلى 13 أو 15 درهماً في التقسيط يستدعي نشر بيانات دقيقة عن النقل والتخزين والفرز والوسطاء وهوامش الربح، حتى لا يتحول تفسير الارتفاع إلى مجرد إحالة عامة على المناخ أو كلفة الإنتاج.

كما أن تزامن انخفاض الأسعار مع وقف التصدير لا يثبت، بمفرده، أن القرار هو السبب الوحيد في هذا التراجع. فحجم المحصول المتاح، وتوقيت الجني، وتدفق الكميات إلى الأسواق، وتكاليف التسويق، كلها عوامل تدخل في تحديد السعر. والحكومة مطالبة بتقديم مؤشرات تسمح بقياس الأثر الفعلي للإجراء، لا الاكتفاء بالإعلان عن اتخاذه.

الماء الذي يدخل في حسابات الإنتاج لا يظهر في فاتورة التصدير

تتخذ القضية أبعاداً أكثر حساسية عندما ننتقل من سعر الطماطم إلى الماء الذي استُخدم لإنتاجها.

فجهة سوس ماسة، التي تشكل أحد أهم الأقطاب الفلاحية بالمغرب، تواجه ضغطاً مائياً موثقاً. وفي وثيقة برنامج الأمن المائي والقدرة على الصمود بالمغرب، الصادرة عن البنك الدولي في يونيو 2023، ورد أن استغلال المياه الجوفية المتجددة على المستوى الوطني تجاوز الموارد القابلة للتجدد بنسبة 28 في المائة، أي بعجز يناهز 1.1 مليار متر مكعب سنوياً. وقد أشار التقرير إلى أن الاستعمالات الزراعية تستحوذ على الحصة الرئيسية من مجموع السحب من المياه الجوفية.

والأكثر دلالة أن الوثيقة نفسها سجلت وصول مستوى الاستغلال في فرشة اشتوكة-ماسة إلى 248 في المائة، مع تراجع مستويات المياه الجوفية وتزايد مخاطر تسرب مياه البحر إلى بعض الطبقات الساحلية، بما يحد من صلاحيتها للري أو التزويد بالماء الصالح للشرب.
https://documents1.worldbank.org/curated/en/099062823102563717/pdf/BOSIB05513d9e105f0a1fb013ac920e6f66.pdf

هذه أرقام واردة في تقرير سنة 2023، ولا ينبغي تقديمها باعتبارها قياساً آنياً لمستوى الفرشة في نونبر 2026. لكنها توثق اختلالاً بنيوياً يستوجب أن تقدم المؤسسات المختصة معطيات محينة حول تطوره، خصوصاً في المناطق التي ترتبط فيها الفلاحة التصديرية بكثافة استعمال المياه الجوفية.

وتزداد أهمية هذا النقاش مع نتائج دراسة علمية منشورة سنة 2021 في مجلة Agricultural Water Management، تناولت أنظمة إنتاج الطماطم بالمغرب، بالاعتماد على نموذج تحليلي واستطلاع شمل 244 منتجاً. وقد خلصت إلى أن تشجيع الإنتاج المكثف والتحول إلى محاصيل ذات قيمة تصديرية، مع استمرار الاعتماد على المياه الجوفية، قد يؤدي إلى استنزاف طويل الأمد للموارد المائية، ويزيد هشاشة المنتجين أنفسهم أمام ندرة المياه.

كما نشرت دراسة أخرى في يونيو 2026 بمجلة Discover Sustainability بحثت العلاقة بين صادرات المياه الافتراضية والأمن المائي والغذائي بالمغرب، بالاعتماد على بيانات تمتد من 1990 إلى 2023. وخلصت إلى وجود ارتباط إحصائي بين ارتفاع صادرات المياه الافتراضية وزيادة الضغط المائي وتراجع بعض مؤشرات توفر الغذاء. وهي نتائج بحثية مهمة في النقاش حول السياسة الفلاحية، لكنها لا تعني أن كل شحنة طماطم مصدرة تتسبب مباشرة في نقص غذاء أسرة مغربية، ولا تعفي من ضرورة فحص تفاصيل المحاصيل والمناطق وأنماط الاستهلاك المائي.

https://link.springer.com/article/10.1007/s43621-026-03847-w

المقصود بالمياه الافتراضية هو حجم المياه المستعملة في إنتاج سلعة تُصدّر لاحقاً. فعندما تغادر الطماطم المغربية نحو الخارج، لا تغادر معها المياه فعلياً، لكن جزءاً من الموارد المائية التي استُخدمت في إنتاجها يكون قد دخل في القيمة الاقتصادية للسلعة المصدرة.

وتصبح المسألة أكثر حساسية حين يكون الإنتاج قائماً على فرشات مائية تعاني أصلاً من عجز متراكم، بينما تظل كلفة استنزاف هذه الموارد موزعة على السكان والاقتصاد المحلي والأجيال المقبلة.

الدعم العمومي يفرض سؤالاً عن المقابل

لا يمكن مناقشة النموذج الفلاحي التصديري دون التوقف عند طبيعة الدعم الذي تقدمه الدولة للقطاع.

فوكالة التنمية الفلاحية تعرض ضمن آليات صندوق التنمية الفلاحية دعماً مالياً لتجهيزات الري الموضعي والري التكميلي، وتصل نسب بعض أشكال الدعم، وفق الشروط والمساحات ونوعية المشاريع، إلى 75 في المائة للمشاريع الفردية و95 في المائة لبعض مشاريع التجميع. كما تشمل الحوافز تجهيزات ومنشآت مرتبطة بتدبير مياه الري.

هذه المعطيات لا تثبت أن كل منتج للطماطم أو كل شركة تصدير حصلت على دعم عمومي، ولا تسمح بتعميم الاستفادة على جميع الفاعلين. لكنها تضع سؤالاً مشروعاً أمام الحكومة: ما المقابل الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الذي ينتظره المواطن من الأموال العمومية التي تُعبّأ لتحديث الفلاحة؟

هل يرتبط الدعم فقط بزيادة الإنتاج والمردودية وحجم الصادرات، أم يُشترط أيضاً احترام السقوف المائية، والالتزام بحصص الاستغلال المرخصة، وضمان حصة السوق الوطنية، والمساهمة في استقرار الأسعار، وحماية فرص الشغل وحقوق العمال الفلاحيين؟

فالتحول إلى الري بالتنقيط لا يعني بالضرورة انخفاض الاستهلاك الإجمالي للمياه إذا استُخدمت الوفورات التقنية لتوسيع المساحات المزروعة أو تكثيف الإنتاج. وقد ناقشت دراسة علمية منشورة سنة 2017 في المجلة نفسها مفارقة تحديث الري بالمغرب، مشيرة إلى أن تحسين كفاءة الري على مستوى الضيعة لا يضمن وحده تقليص السحب الإجمالي من الموارد المائية.

الدعم العمومي، باعتباره مساهمة من المال العام في الاستثمار الفلاحي، ينبغي أن يكون مرتبطاً بنتائج قابلة للقياس، لا بمجرد اقتناء تجهيزات حديثة أو رفع حجم الإنتاج.