بلاغ الديوان الملكي يرسم ملامح مرحلة ما بعد المينورسو.. والبوليساريو تعلن استعدادها للتفاوض مع المغرب

0
113

البوليساريو تعلن استعدادها للتفاوض مع المغرب بعد انتهاء ولاية المينورسو.. والرباط تنتقل إلى تدبير مرحلة ما بعد البعثة الأممية

لم تنتظر جبهة البوليساريو طويلاً قبل الإعلان عن استعدادها للعودة إلى المفاوضات مع المغرب. ففي يوم الأربعاء 4 نونبر 2026، وبعد ساعات من بلاغ الديوان الملكي الذي كشف عن تعليمات الملك محمد السادس بشأن تدبير مرحلة ما بعد انتهاء مهام بعثة المينورسو، خرج محمد يسلم بيسط، المسؤول عن الشؤون الخارجية لدى الجبهة، بتصريحات من الجزائر العاصمة يعلن فيها أن البوليساريو لا ترفض الدخول في مسار سياسي جديد مع المغرب، وأنها مستعدة للتفاوض من أجل التوصل إلى تسوية للنزاع.

التصريح جاء عقب الدورة الثامنة للمنتدى الدبلوماسي للتضامن مع الشعب الصحراوي، المنعقد بمقر سفارة جنوب إفريقيا بالجزائر، بمشاركة ممثلين عن مجموعة الدول التي تساند الطرح الانفصالي، وبرئاسة سفير زيمبابوي. ولم يقتصر كلام بيسط على إعلان الاستعداد للتفاوض، بل ربطه بشروط تتعلق بالمرجعيات الدولية، وما تصفه الجبهة بحق تقرير المصير، بما في ذلك الاستقلال، وهو ما أعاد إلى الواجهة التباعد القائم بين الموقف المغربي والتصور الذي تتمسك به البوليساريو بشأن طبيعة الحل السياسي.

توقيت هذا الإعلان يستحق القراءة على ضوء التطورات التي شهدها مجلس الأمن في الأيام السابقة. ففي 30 أكتوبر الماضي، لم يتمكن المجلس من اعتماد مشروع القرار الأمريكي الذي كان يقضي بتمديد ولاية المينورسو سنة إضافية إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع تغيير اسم البعثة وتقليص بعض أدوارها. حصل المشروع على تأييد 11 عضواً، لكنه سقط بسبب الفيتو الروسي، مع امتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت. كما لم يتمكن المشروع الروسي البديل، الذي اقترح تجديد الولاية دون تغييرات جوهرية، من الحصول على الأصوات التسعة اللازمة لاعتماده.

هذه التفاصيل أساسية لفهم ما جرى. فالمينورسو لم تغادر الصحراء المغربية بمجرد انتهاء التصويت، ولم يصدر عن مجلس الأمن قرار مستقل يأمر بترحيل موظفيها ومعداتها؛ الذي حدث هو تعذر تجديد ولايتها، وانتهاؤها في 31 أكتوبر 2026، وهو تطور وضع مستقبل البعثة أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين بشأن وضعها العملياتي وإجراءات إنهاء وجودها.

الموقف المغربي كان واضحاً في التعامل مع هذه النتيجة. ففي بلاغ الديوان الملكي الصادر يوم 30 أكتوبر، اعتبرت المملكة عدم تجديد الولاية تطوراً مهماً في مسار القضية الوطنية، وأكدت أن وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية، بأفرادها وآلياتها ومعداتها ورموزها، يفترض أن يتوقف خلال الأيام الموالية. كما ربط البلاغ هذا التطور بالتحولات التي عرفها الموقف الدولي من مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مشيراً إلى أن أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة يدعمون هذا الإطار باعتباره أساساً للحل السياسي.

وفي جلسة العمل التي ترأسها الملك محمد السادس بالقصر الملكي بالرباط يوم 4 نونبر، بحضور رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، ومستشار الملك فؤاد عالي الهمة، ووزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، والفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، انتقل النقاش الرسمي إلى التدابير المرتبطة بالمرحلة التالية.

التعليمات الملكية لم تقتصر على تأكيد الأولويات المرتبطة بالوحدة الترابية والأمن الوطني وطمأنينة المواطنين بالأقاليم الجنوبية، بل شملت تكليف مكتب التنسيق مع المينورسو، التابع لوزارة الداخلية، بمواكبة عملية تصفية وانسحاب البعثة، وتيسير الإجراءات المرتبطة بها، بما يضمن سيرها في ظروف منظمة وبروح من التعاون مع الأمم المتحدة.

وحمل البلاغ أيضاً تأكيداً صريحاً على استمرار التزام المغرب بوقف إطلاق النار، وعدم ارتباط هذا الالتزام بانتهاء ولاية البعثة الأممية. وهي إشارة ذات أهمية في ظل وضع إقليمي لم تنته فيه أسباب التوتر الميداني، وفي ظل استمرار مسؤولية الأطراف عن تجنب أي تصعيد يهدد الاستقرار.

بالعودة إلى تصريحات محمد يسلم بيسط، فإن إعلان الاستعداد للتفاوض لا يعني أن البوليساريو قدمت تصوراً جديداً للحل، أو تخلت عن مواقفها السابقة. فالمسؤول نفسه شدد على أن أي مفاوضات ينبغي أن تضمن، وفق تعبيره، ممارسة تقرير المصير والاستقلال، وانتقد مبادرة الحكم الذاتي المغربية، واعتبرها ذات خلفية استعمارية. كما دعا الدول الداعمة للجبهة إلى مواصلة مساندتها.

وتكشف هذه الصياغة أن الإعلان عن الاستعداد للحوار لا يزال محكوماً بالخلاف الأساسي حول المرجعية السياسية التي ينبغي أن تنطلق منها المفاوضات. فقرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، والذي مدّد ولاية المينورسو إلى نهاية أكتوبر 2026، كان قد دعا الأطراف إلى الانخراط في مناقشات دون شروط مسبقة، على أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي، مع الإشارة إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل الحل الأكثر قابلية للتطبيق. لكن مشروع القرار الأمريكي الذي حاول تجديد الولاية في أكتوبر 2026 لم يُعتمد، وبالتالي لا يصح التعامل مع مقترحاته باعتبارها قراراً جديداً أقره المجلس.

أما المغرب، فقد أكد في بلاغ 4 نونبر أن الدينامية الدبلوماسية التي أطلقها الملك محمد السادس ستتواصل على المستويين الثنائي والإقليمي، بالتوازي مع مواصلة المشاريع التنموية المهيكلة بالأقاليم الجنوبية، وصيانة السيادة الوطنية والالتزامات الدولية للمملكة.

وتتجاوز أهمية هذه التطورات مسألة استمرار بعثة أممية من عدمه. فالمطلوب الآن هو تحديد طبيعة المرحلة التي ستعقب انتهاء ولايتها، ومدى تأثير ذلك على آليات الأمم المتحدة المرتبطة بالنزاع، وعلى جهود الوساطة، وعلى ضمان الاستقرار الميداني. كما أن إعلان البوليساريو استعدادها للتفاوض سيظل محكوماً بمدى استعدادها للانتقال من التصريحات السياسية إلى موقف تفاوضي واضح، يأخذ بعين الاعتبار التحولات التي عرفتها مرجعيات مجلس الأمن ومواقف عدد متزايد من الدول المؤثرة.

في المقابل، يضع المغرب مرحلة ما بعد المينورسو ضمن تصور يجمع بين تثبيت السيادة الوطنية، ومواصلة التنمية بالأقاليم الجنوبية، والحفاظ على وقف إطلاق النار، واستمرار العمل الدبلوماسي من أجل تسوية نهائية للنزاع على أساس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.