بين أغلبية تملك حسابها ومعارضة فقدت صدارتها.. الاتحاد الاشتراكي يبحث عن موقعه بعد انتخابات 23 شتنبر

0
105

26 مقعداً هي الحصيلة التي أعادت الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى ما دون المستوى الذي بلغه في انتخابات 2021، وأخرجته من صدارة الأحزاب المعارضة عددياً داخل مجلس النواب. الرقم أصبح رسمياً بعد انتهاء لجان الإحصاء الإقليمية والجهوية من عملها، وجاء مطابقاً للنتائج العامة المؤقتة التي أعلنت مباشرة بعد الاقتراع.

قبل خمس سنوات كان للاتحاد الاشتراكي 34 مقعداً. اليوم أصبح لديه 26، فيما تقدم العدالة والتنمية إلى 54 مقعداً، وحصلت الحركة الشعبية على 29 مقعداً. وبذلك تغير موقع «الوردة» داخل المعارضة، على الأقل من حيث الوزن العددي. العدالة والتنمية أعلن بالفعل اختياره العمل من المعارضة، بينما يبقى تموقع الحركة الشعبية في المرحلة المقبلة مرتبطاً بالتحالفات والمشاورات السياسية.

إدريس لشكر لم يعلن، مباشرة بعد ظهور النتائج، قراراً بشأن موقع الحزب المقبل. قال إن النتيجة تمثل تراجعاً، وأعلن أن قيادة الحزب ستجتمع لتقييم الحصيلة وتحديد آفاق المرحلة المقبلة. وفي تصريح آخر قال إنه فوجئ بالنتائج المعلنة. لذلك، فإن الاتحاد الاشتراكي يدخل هذه الأيام في مرحلة انتظار قرار داخلي، لا في وضع سياسي محسوم سلفاً.

وهنا تبدأ المسألة من مكان أبعد من سؤال: حكومة أم معارضة؟

الأغلبية الحكومية المقبلة، إذا أعيد تركيب الثلاثي الذي قاد الحكومة خلال الولاية السابقة، تملك حساباً برلمانياً مريحاً: الأصالة والمعاصرة 97 مقعداً، والتجمع الوطني للأحرار 66، والاستقلال 65. مجموعها 228 مقعداً من أصل 395، أي أكثر من العدد اللازم لتجاوز عتبة الأغلبية المطلقة.

هذا يجعل الاتحاد الاشتراكي غير ضروري من الناحية الحسابية لتكوين أغلبية على أساس هذه المكونات الثلاثة. لكنه لا يعني أن مشاركته الحكومية مستحيلة، كما لا يعني أن التحالف السابق سيعاد بالصيغة نفسها. القرار في النهاية سياسي، والمشاورات المقبلة هي التي ستكشف شكل الأغلبية الجديدة.

وهذه نقطة مهمة في قراءة وضع الحزب: الباب الحكومي، إن فتح، لن يفتح لأن 26 مقعداً تفرض ذلك حسابياً، وإنما إذا نشأت حاجة سياسية إلى توسيع الائتلاف أو إعادة تركيب مكوناته.

في الجهة الأخرى، فقد الاتحاد الاشتراكي شيئاً كان متاحاً له في الولاية السابقة بصورة شبه تلقائية: صدارة المعارضة من حيث عدد المقاعد. 34 مقعداً كانت تضعه فوق بقية مكونات المعارضة، أما الآن فقد أصبح العدالة والتنمية أمامه بفارق 28 مقعداً، والحركة الشعبية تتقدمه بثلاثة مقاعد فقط.

ولا يكفي الرقم وحده لتحديد من سيقود المعارضة سياسياً. التجربة السابقة نفسها أظهرت أن كثرة المقاعد لا تنتج بالضرورة قيادة موحدة للمعارضة، بعدما رافقت الولاية الماضية خلافات حول التنسيق البرلماني وتقاسم بعض المسؤوليات، من بينها رئاسة لجنة العدل والتشريع وملتمس الرقابة ضد حكومة عزيز أخنوش. لذلك سيكون وزن الاتحاد الاشتراكي في المرحلة المقبلة مرتبطاً أيضاً بقدرته على بناء مبادرات وتحالفات داخل المؤسسة التشريعية، وليس بعدد مقاعده فقط.

قبل الانتخابات كان خطاب الحزب يضع سقفاً أعلى بكثير من حصيلة 26 مقعداً. إدريس لشكر تحدث عن طموح الوصول إلى المرتبة الأولى، والحزب قدم برنامجه الانتخابي باعتباره تعاقداً سياسياً يريد إخضاعه للنقاش والمقارنة.

النتيجة جاءت في اتجاه آخر.

وهذا الفارق بين السقف الذي دخل به الحزب الاقتراع والنتيجة التي خرج بها لا يحتاج إلى توصيف سياسي زائد؛ يكفي وضع الرقمين جنباً إلى جنب. الرهان كان على التقدم في الخريطة البرلمانية، والحصيلة النهائية هي تراجع بثمانية مقاعد مقارنة بـ2021.

لكن الرقم يفتح باباً آخر، أكثر ارتباطاً بتاريخ القيادة.

منذ انتخاب إدريس لشكر كاتباً أول في دجنبر 2012، مر الاتحاد الاشتراكي بثلاث نتائج تشريعية مختلفة جداً: 20 مقعداً في انتخابات 2016، ثم 34 في 2021، ثم 26 في 2026. وكان الحزب يتوفر على 39 مقعداً عند بداية ولاية لشكر بعد انتخابات 2011.

بالحساب البسيط، يصبح رصيد الحزب في البرلمان اليوم أقل بـ13 مقعداً من الرصيد الذي كان قائماً عند وصول لشكر إلى القيادة.

لا تكفي هذه الأرقام وحدها لإثبات أن تراجع الحزب سببه القيادة، فنتائج الأحزاب تتأثر بالنظام الانتخابي والمنافسة المحلية والمرشحين والسياق السياسي وسلوك الناخبين. لكنها تجعل من الصعب فصل نتيجة 2026 عن السؤال التنظيمي الذي سيطرح داخل الحزب، خصوصاً أن الانتخابات جاءت بعد أقل من عام على تمديد ولاية لشكر للمرة الرابعة.

في أكتوبر 2025، صادق المؤتمر الوطني الثاني عشر للاتحاد الاشتراكي على تعديل المادة 217 من القانون الأساسي والمادة 212 من القانون الداخلي، بما جعل قاعدة التمديد سارية على مختلف الأجهزة الحزبية، وأعاد لشكر إلى قيادة الحزب لولاية رابعة. وفي ذلك المؤتمر قال لشكر إن انتخابه لم يكن بطلب شخصي منه، وإنه جاء استجابة لطلب من الاتحاديين والاتحاديات.

التسلسل الزمني هنا أكثر دلالة من أي وصف.

في شتنبر 2021، أعلن لشكر أنه لن يترشح لولاية ثالثة، مؤكداً آنذاك احترامه لقوانين الحزب ودعمه لقيادة جديدة. وبعد ذلك تغيرت القواعد التنظيمية، وأعيد انتخابه في 2022، ثم مُددت ولايته مرة أخرى في 2025.

الآن جاءت انتخابات 2026 لتضع القيادة أمام معيار مختلف عن النقاش التنظيمي السابق: صندوق الاقتراع.

لن يكون السؤال الداخلي متعلقاً فقط بمن يقود الحزب، وإنما بما إذا كانت الخيارات التي اتخذت خلال السنوات الماضية قادرة على إنتاج توسع انتخابي مستقر. فالحزب استعاد في 2021 أربعة عشر مقعداً مقارنة بـ2016، ثم فقد ثمانية من تلك المكاسب في 2026.

وهذا يجعل اجتماع القيادة المرتقب أكثر من مجرد اجتماع لتحديد موقع الحزب في المشاورات. ستكون أمام الاتحاديين أرقام تخص الحصيلة الانتخابية، وأرقام أخرى تخص موقع الحزب داخل البرلمان، ثم تاريخ تنظيمي قريب يجعل مسألة القيادة حاضرة تلقائياً في أي تقييم جدي للنتائج.

تبقى هناك زاوية ثالثة: المرشحون.

خلال السنوات الأخيرة اتجه الاتحاد الاشتراكي إلى توسيع دائرة الاستقطاب الانتخابي، واستفاد من انضمام شخصيات ومرشحين كانت لهم تجارب حزبية سابقة. هذا الانفتاح ظهر بوضوح في انتخابات 2021، حين تحدث الحزب عن «المصالحة» والانفتاح على كفاءات جديدة، كما برز في الاستحقاقات الأخيرة من خلال أسماء وافدة من تجارب سياسية مختلفة.

المبدأ في حد ذاته لا يحمل حكماً إيجابياً أو سلبياً. الأحزاب تستقطب شخصيات جديدة، والمرشح ذو الحضور المحلي يمكن أن يضيف مقعداً إلى رصيد الحزب. لكن النتيجة الانتخابية تسمح بطرح سؤال عملي: هل تمكن هذا الرهان من إنتاج توسع مستدام في تمثيلية الاتحاد الاشتراكي؟

الجواب الرقمي في 2026 هو أن الحزب انتقل من 34 إلى 26 مقعداً.

وهنا أيضاً ينبغي الحذر من تحويل الارتباط الزمني إلى علاقة سببية. لا توجد في النتائج الوطنية وحدها أدلة كافية للقول إن استقطاب الوافدين هو الذي أنتج التراجع. لكن من المشروع أن يدخل اختيار المرشحين ضمن التقييم الداخلي، خصوصاً إذا كانت بعض الترشيحات قد أثارت اعتراضات أو توترات تنظيمية في فروع الحزب.

الاتحاد الاشتراكي يجد نفسه، إذن، أمام ثلاثة مستويات متداخلة.

على مستوى البرلمان، انتقل من أكبر مكونات المعارضة عددياً إلى حزب يملك 26 مقعداً خلف العدالة والتنمية والحركة الشعبية.

على مستوى الحكومة، لا توجد حاجة حسابية ملزمة إلى إشراكه إذا استمرت مكونات الأغلبية السابقة مجتمعة، وإن كانت الخريطة الجديدة تسمح بمفاوضات وتركيبات أخرى.

وعلى مستوى الحزب نفسه، جاءت النتيجة بعد تمديد ولاية القيادة، وبعد حملة انتخابية رفع فيها الاتحاد سقف طموحه إلى موقع متقدم في الخريطة السياسية.

لذلك فإن السؤال الذي ستجيب عنه القيادة الاتحادية في الأيام المقبلة لن يكون فقط: أين سنجلس داخل البرلمان؟

السؤال الأثقل هو ماذا تعني هذه النتيجة للحزب نفسه، وللطريقة التي اختار بها أن يخوض الانتخابات، وللقيادة التي ستتولى قراءة حصيلة 26 مقعداً بعد أربع سنوات من نتيجة الـ34.

أما موقع الاتحاد الاشتراكي في الحكومة أو المعارضة، فسيُحسم في المشاورات السياسية المقبلة. أما الرقم الذي ستدخل به تلك المشاورات، فقد حُسم بالفعل: 26 مقعداً.