«حكومة المصادر المقرّبة».. رئيسة الحكومة ووزراؤها يختارون التوضيح من وراء الستار بدل مخاطبة الرأي العام وتحمل المسؤولية علناً

0
72
صورة: و.م.ع

من ملف فاطمة السعدي القضائي إلى ملاحظات المجلس الأعلى للحسابات بشأن دراسات حزبية، مروراً بشبهة تضارب المصالح المرتبطة بمكتب محاماة سبق أن ارتبطت به فاطمة الزهراء المنصوري، برزت خلال أيام قليلة صيغة تواصل واحدة: مصدر قريب ينفي أو يوضح، فيما تبقى الوثائق التفصيلية والتصريحات المباشرة متفاوتة الحضور.

في أقل من ثلاثة أيام، بين 19 و21 أكتوبر 2026، تداولت وسائل إعلام مغربية توضيحات منسوبة إلى مصادر مقربة من ثلاثة مسؤولين في الحكومة الجديدة: فاطمة السعدي، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالإسكان وسياسة المدينة؛ وأحمد المهدي المزواري، الوزير المنتدب المكلف بالصيد البحري؛ وفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة. اختلفت الملفات، لكن الصيغة الإعلامية كانت متشابهة: نفي معطيات متداولة، أو تصحيح رواية منشورة، من دون أن يصدر الرد في الحالات المذكورة، وفق المواد الإعلامية المتاحة، عن المسؤول المعني في تصريح مباشر باسمه أو عن بلاغ تفصيلي واضح صادر عن مؤسسته.

لا يتعلق الأمر بمجرد تعبير صحافي متداول. فحين ترتبط الأخبار بمسؤولين يتولون تدبير الشأن العام، تصبح طريقة تقديم التوضيح جزءاً من القضية نفسها: من يتحمل مسؤولية الموقف؟ ما الوثائق التي يستند إليها؟ وهل يجيب الرد عن الوقائع المحددة التي أثارت النقاش، أم يكتفي بنفي الرواية المقابلة ووصفها بالمضللة؟

لكن التدقيق يقتضي التمييز بين أمرين. استعمال الصحافة مصدراً غير مسمى ممارسة معروفة، وقد تكون لها مبررات مهنية؛ كما أن المسؤول ليس ملزماً، في كل حالة، بالخروج شخصياً إلى الإعلام. الإشكال يبدأ عندما يصبح المصدر المجهول القناة الأساسية المتاحة لتفسير قضايا ذات مصلحة عامة، بينما يتعذر على القارئ التحقق من صفة المتحدث، أو الاطلاع على الوثائق التي يفترض أن تحسم الخلاف.

فاطمة السعدي: حين تكون الوثيقة القضائية أهم من الرواية المتداولة

في 19 أكتوبر، نقلت وسائل إعلام، من بينها جريدة «الصحيفة»، عن مصدر مقرب من فاطمة السعدي أن الملف القضائي الذي أعيد تداوله بالتزامن مع تعيينها في الحكومة انتهى بحكم نهائي ببراءتها، مع تحميل المشتكي الصائر. وربط المصدر القضية بإجراءات قالت الرواية إنها اتخذت خلال فترة رئاستها للمجلس الجماعي للحسيمة من أجل تحرير الملك العمومي وتطبيق القانون، معتبراً أن استحضار مراحل سابقة من الملف، من دون بيان مآله النهائي، يقدم صورة غير مكتملة عنه. التفاصيل المنشورة.

هذه المعطيات، إذا ثبتت بموجب الحكم المشار إليه، تستوجب تصحيح أي خبر ينسب إلى الوزيرة إدانة نهائية لا وجود لها. فالمسار القضائي لا يُختزل في إجراء أو حكم سابق إذا كان الملف قد انتهى لاحقاً إلى نتيجة مختلفة. ولا يصح، في المقابل، اعتبار إعادة نشر اتهام قديم دليلاً على صحته لمجرد تداوله من جديد.

غير أن التوضيح المنقول عن المصدر يظل رواية بشأن مآل الملف، ما لم تُتح نسخة الحكم أو بياناته الأساسية بما يسمح بالتثبت من المحكمة التي أصدرته وتاريخه ومنطوقه النهائي. والمطلوب هنا ليس التشكيك في البراءة التي يؤكدها المصدر، بل التمييز بين تأكيد صحافي منسوب إلى جهة قريبة من المعنية بالأمر، وبين وثيقة قضائية يمكن الرجوع إليها مباشرة.

كان من الممكن أن يضع نشر الحكم، أو تقديم بيانات دقيقة عنه، حداً للجدل على أساس قابل للتحقق. فالقضية القضائية لا تحتاج إلى بلاغ سياسي بقدر ما تحتاج إلى تحديد واضح للوثيقة التي يُستند إليها. أما الاكتفاء بمصدر مجهول الهوية، فيترك للمتلقي مهمة الفصل بين روايات متعارضة، مع أن المعلومة الحاسمة يُفترض أن تكون قابلة للإثبات.

ولا يعني ذلك أن كل مسؤول مطالب بنشر ملفه القضائي كاملاً، أو أن غياب الوثيقة المنشورة ينفي صحة ما يقوله مصدره. المقصود أن قوة التوضيح تتحدد بما يقدمه من أدلة، لا بمدى قرب صاحبه من المسؤول المعني.

أحمد المهدي المزواري: ماذا يقول تقرير المجلس الأعلى للحسابات، وماذا يضيف الرد؟

تتخذ المسألة طابعاً مختلفاً في ملف أحمد المهدي المزواري، لأن النقاش لا يتعلق فقط برواية متداولة عن واقعة قديمة، بل بوثيقة رقابية رسمية تتناول تدبير أموال عمومية مخصصة لتمويل الدراسات والأبحاث الحزبية.

في 28 فبراير 2024، أعلن المجلس الأعلى للحسابات نشر تقريره المتعلق بتدقيق حسابات الأحزاب السياسية وفحص صحة نفقاتها برسم الدعم العمومي لسنة 2022. وأوضح المجلس أن عمله يستند إلى اختصاصاته الدستورية والقانونية، بما فيها الفصل 147 من الدستور والمادة 44 من القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية. البلاغ الرسمي للمجلس الأعلى للحسابات.

وتناولت التغطيات المنشورة في أكتوبر 2026 تعاقد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مع مكتب للدراسات لإنجاز 23 دراسة في مجالات اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية وبيئية، مقابل مبلغ إجمالي قدره 1.835 مليون درهم، وفق المعطيات المنقولة عن التقرير. كما أشارت إلى ملاحظات تخص غياب اتفاقيات خاصة تحدد شروط إنجاز كل دراسة وكلفتها بصورة منفصلة، وعدم تقديم دراستين ضمن الوثائق المدلى بها، وملاحظات أخرى تتصل بمنهجية الدراسات ومحتواها. التغطية المستندة إلى التقرير.

في 20 أكتوبر، نقلت وسائل إعلام عن مصدر مقرب من الوزير نفياً لما وصفه بالشائعات ومحاولات تحريف الوقائع. وذهب التوضيح المنشور في صحيفة «الاتحاد الاشتراكي» إلى أن ملاحظات التقرير لا تشكل مخالفات مالية، وأن أجوبة قُدمت بشأنها، مستنداً كذلك إلى ما اعتبره خلاصات لاحقة تؤكد سلامة المسطرة والإجراءات. نص التوضيح المنقول عن المصدر.

هذا الرد يستحق أن يُعرض باعتباره موقفاً مقابلاً، لكنه لا يعفي من فحص الوثائق التي يستند إليها. فتقرير المجلس الأعلى للحسابات يسجل ملاحظات رقابية محددة؛ والرد المقابل يقول إن الأجوبة والإجراءات اللاحقة توضح سلامة المسطرة. ولا يمكن حسم العلاقة بين الموقفين بمجرد نقل أحدهما أو وصف الآخر بأنه تضليل.

ثمة فرق بين تسجيل ملاحظات بشأن الوثائق التعاقدية أو محتوى الدراسات، وبين إثبات اختلاس أو تبديد أموال أو قيام مسؤولية جنائية. ولا يجوز القفز من الأولى إلى الثانية من دون أدلة وقرارات مختصة. وفي الاتجاه المقابل، لا يكفي القول إن الملاحظات لا تمثل مخالفات مالية لإنهاء النقاش إذا كان جوهره يتعلق بمدى استجابة الوثائق المقدمة لمتطلبات صرف المال العام.

تقتضي الدقة أيضاً عدم الخلط بين تقرير سنة 2022 والتقارير اللاحقة. فقد نشر المجلس الأعلى للحسابات تقريره المتعلق بتدقيق حسابات الأحزاب برسم سنة 2023 في 27 مايو 2025. لكن وجود تقرير لاحق لا يعني، في حد ذاته، أن كل ملاحظة سابقة قد سُحبت أو أن كل إجراء جرى تصحيحه؛ إذ يتطلب ذلك تحديد ما ورد فعلاً في التقرير اللاحق، وما إذا كان يتناول الملاحظات نفسها، وما الأثر الذي رتبه عليها. تقرير سنة 2023 الرسمي.

كان من شأن توضيح يحمل صفة رسمية، ويرفق بأجوبة المجلس أو بالوثائق التي يستند إليها الرد، أن يجعل النقاش أكثر تحديداً: ما الملاحظات التي تم الرد عليها؟ هل قُدمت الدراسات الناقصة؟ هل استُكملت الوثائق التعاقدية؟ وما الذي انتهى إليه المجلس بشأن كل نقطة؟ هذه أسئلة تتعلق بالشفافية وقابلية التحقق، ولا تشكل حكماً مسبقاً على الوزير أو على المكتب المعني.

والفارق هنا أن المصدر المقرب يستطيع نقل موقف الوزير، لكنه لا يحل محل الوثيقة الرقابية ولا يملك، بمجرد التصريح، تغيير مضمونها أو تحديد الأثر القانوني لملاحظاتها.

فاطمة الزهراء المنصوري: عندما يتعلق النفي بشبهة تضارب المصالح

في حالة رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، انتقل النقاش إلى العلاقة المحتملة بين مكتب محاماة سبق أن ارتبطت به ومؤسسة عمومية كانت تدخل ضمن نطاق وصايتها الوزارية خلال توليها حقيبة السكنى والتعمير.

في 20 أكتوبر 2026، نقلت وسائل إعلام عن مصدر مقرب منها أن علاقتها المهنية بمكتب المحاماة انتهت مع تعيينها وزيرة في أكتوبر 2021، وأنها توقفت عن ممارسة المهنة، نافياً وجود تضارب للمصالح أو استمرار علاقة مالية أو تدخل لفائدة المكتب. التوضيح المنشور بشأن المنصوري.

هذا نفي واضح من حيث المضمون، لكنه يظل منقولاً عن مصدر غير مسمى. أما التحقق من وجود تضارب للمصالح من عدمه، فيتطلب تحديد الوقائع والفترة المعنية وطبيعة العلاقة المهنية والمالية، والاطلاع على المعطيات التي تسمح بمعرفة ما إذا كانت هناك معاملات أو قرارات إدارية ترتبط بالمكتب خلال فترة تولي المسؤولية الحكومية.

فتوقف المسؤول عن ممارسة مهنة سابقة لا يجيب وحده عن جميع الأسئلة الممكنة بشأن العلاقات المهنية أو المالية السابقة، مثلما أن مجرد وجود علاقة مهنية سابقة لا يثبت وجود تضارب للمصالح. الفيصل هو الوقائع المحددة والقواعد القانونية الواجبة التطبيق، وليس الافتراض في أي من الاتجاهين.

ولا تتوافر، في المواد التي أمكن الاطلاع عليها ضمن هذا البحث، وثائق كافية تسمح بالجزم بصحة الاتهامات المتداولة أو بنفي جميع تفاصيلها بصورة مستقلة. لذلك ينبغي إبقاء الاتهام في حدود ما نُسب إلى الجهة التي أثارته، وإبقاء النفي في حدود ما أكده المصدر المقرب، إلى أن تظهر وثائق قابلة للتحقق أو يصدر توضيح مؤسساتي مفصل.

تزداد أهمية هذه المسألة عندما يتعلق الأمر برئيسة الحكومة، لا لأن موقعها يجعلها مطالبة بالرد على كل ما ينشر عنها، بل لأن وضوح المعلومات المرتبطة بتدبير الشأن العام يساعد على الفصل بين النقد المشروع والاتهامات التي لا تستند إلى أدلة كافية. كما أن الرد الذي يحدد الوقائع والوثائق المعتمدة أكثر فائدة للرأي العام من رد يكتفي بنفي عام أو بوصف الجهة الناشرة بسوء النية، حتى عندما يكون للمسؤول حق الاعتراض على ما نُشر واللجوء إلى المساطر القانونية المتاحة.

من يتحدث باسم الحكومة عندما تصبح التوضيحات شأناً عاماً؟

تفتح الحالات الثلاث نقاشاً حول وظيفة التواصل الحكومي ومديريات التواصل داخل الوزارات، لكن من الضروري ألا يُفهم ذلك على أنه إثبات لغياب هذه المؤسسات أو تعطيلها. فوجود ناطق رسمي باسم الحكومة لا يعني أن كل رد يصدر عن مسؤول يجب أن يمر حصراً عبره، كما أن كل تصريح لمصدر مقرب لا يمثل بالضرورة موقفاً حكومياً جماعياً.

وتحدد النصوص التنظيمية المنشورة اختصاصات الناطق الرسمي باسم الحكومة، فيما شهد قطاع التواصل تعديلات تنظيمية شملت تطوير آليات التواصل المؤسساتي والعمومي. غير أن وجود الاختصاصات والهياكل لا يكفي وحده لتقييم أدائها؛ فذلك يتطلب النظر في انتظام البلاغات، وسرعة الاستجابة، وإتاحة الوثائق، وقدرة الجهات المكلفة بالتواصل على تقديم أجوبة محددة في الملفات التي تهم الرأي العام. النص التنظيمي المتعلق باختصاصات الناطق الرسمي؛ تطوير تنظيم قطاع التواصل.

في الملفات الثلاثة، لا تتعلق المسألة بالمطالبة بظهور يومي للمسؤولين أمام الكاميرات، ولا بافتراض أن كل خبر مثير للجدل يستوجب بلاغاً حكومياً. يتعلق الأمر بمدى التناسب بين طبيعة الادعاء وطبيعة الرد: إذا كان الخلاف حول حكم قضائي، فالوثيقة القضائية هي المرجع؛ وإذا كان حول ملاحظات رقابية، فالأصل هو التقرير وأجوبة المعنيين والنتائج الموثقة؛ وإذا كان حول تضارب مصالح محتمل، فالمطلوب تحديد العلاقات والوقائع والقواعد التي تسمح بفحص الادعاء.

قد يكون المصدر المقرب مدخلاً أولياً إلى موقف المسؤول، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى بديل دائم عن الوثيقة أو التصريح الذي يتيح مساءلة الموقف والتحقق منه. وبين نقل النفي وإثبات صحته مسافة لا يمكن تجاوزها بمجرد تكرار التصريح في أكثر من منبر إعلامي.

إعفاء مديحة خيير: بلاغ رسمي يحدد مسار القرار، ولا يكشف بالضرورة كل خلفياته

جاءت قضية إعفاء الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، مديحة خيير، لتقدم مثالاً مختلفاً على التواصل بشأن المسؤولية الحكومية. ففي 18 أكتوبر 2026، أعلن بلاغ للديوان الملكي أن الملك محمد السادس توصل بطلب من رئيسة الحكومة بإعفاء الوزيرة، وقبل الطلب طبقاً للفصل 47 من الدستور. وبعد ذلك، قدم الناطق الرسمي باسم الحكومة توضيحات بشأن القرار، مشيراً إلى تقدير سياسي ومؤسساتي تقاسمته مكونات الأغلبية الحكومية. بلاغ الديوان الملكي؛ توضيحات الناطق الرسمي باسم الحكومة.

أتاح البلاغ تحديد معطى مؤسساتي أساسي: طلب الإعفاء صدر عن رئيسة الحكومة، والملك قبل الطلب وفق المقتضيات الدستورية. وبذلك، أصبح مسار القرار أكثر وضوحاً مما لو اقتصر التداول على تسريبات أو روايات غير رسمية.

لكن البلاغ لا يكشف، في حد ذاته، جميع التفاصيل التي سبقت طلب الإعفاء، ولا يحدد كل الملابسات التي أحاطت به. كما أن توضيحات الناطق الرسمي، رغم إسهامها في شرح الموقف الحكومي، لا تعني بالضرورة أن كل الأسئلة المتعلقة بخلفيات القرار قد حُسمت.

تكمن أهمية المثال في التمييز بين مستويين من المعلومات: تحديد الجهة التي بادرت إلى إجراء رسمي، وشرح الأسباب والتقديرات التي قادت إليها. الأول أمكن تثبيته ببلاغ واضح؛ أما الثاني، فتظل حدود معرفته مرتبطة بما أعلنته الجهات المعنية فعلاً.

وهذا ما يجعل المقارنة مع توضيحات المصادر المقربة مفيدة من الناحية الصحافية. ففي القضايا التي تتعلق بمسار قرار حكومي، يستطيع البلاغ الرسمي تحديد المسؤولية المؤسساتية بصورة مباشرة. وفي القضايا القضائية والرقابية وشبهات تضارب المصالح، قد لا يكون البلاغ وحده كافياً، لأن التحقق يتطلب وثائق وأجوبة تفصيلية ومعطيات يمكن فحصها.

المطلوب ليس إلغاء «المصدر المقرب»، بل ألا يصبح بديلاً عن المساءلة القابلة للتحقق. فالمسؤول يستطيع أن يختار طريقة التواصل، لكن صدقية التوضيح تظل مرتبطة بما يقدمه من معلومات وأدلة، وبقدرته على الإجابة عن الوقائع المحددة التي أثارت النقاش. أما تكرار النفي من دون إتاحة ما يسنده، فيبقي مساحة الخلاف مفتوحة، حتى عندما يكون النفي صحيحاً.