يونس ملال يفجّر سؤال 280 مليار درهم في وجه المنصوري.. أين ذهبت أموال دعم القدرة الشرائية؟

0
97

لم ينتظر المستشار البرلماني يونس ملال، عن الفريق الحركي بمجلس المستشارين، طويلاً قبل أن ينقل النقاش حول البرنامج الحكومي الجديد إلى حساب الولاية السابقة. ففي الجلسة العمومية المنعقدة الأربعاء 21 أكتوبر 2026، لم يكتفِ بمناقشة الوعود التي قدمتها رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، وإنما طالب بإحداث لجنة لتقصي الحقائق بشأن مبلغ 280 مليار درهم قيل إنه جرى تعبئته لدعم القدرة الشرائية خلال السنوات الخمس الماضية.

كانت عباراته مباشرة وحادة. دعا إلى معرفة مصير الأموال، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في خيانة المالية العمومية أو الاستيلاء على أموال المغاربة، مستعملاً تعبيرات قوية من قبيل «باردين الكتاف» و«شفارة»، بحسب ما نقلته تغطيات صحافية للمداخلة.

لكن القيمة الصحافية للمداخلة لا تتوقف عند حدتها، ولا عند الأوصاف التي اختارها صاحبها. إنها تضع الحكومة الجديدة أمام ملف مالي واجتماعي لم يُغلق بمجرد انتهاء الولاية السابقة: ما الذي أُنفق فعلاً؟ وكيف احتُسب المبلغ؟ وما الذي وصل إلى الأسر؟ وما الذي يمكن قياسه من أثر تلك التدابير على حياتها اليومية؟

فالرقم كبير بما يكفي ليفرض تدقيقاً في مكوناته، والملف حساس بما يكفي ليفرض الفصل بين المطالبة بالمحاسبة وإثبات المسؤولية. لا توجد، في المعطيات المنشورة التي أمكن التحقق منها، أدلة كافية تسمح بالجزم بأن مبلغ 280 مليار درهم تعرض للاختلاس أو بأن المبلغ كله خُصص للمساعدات النقدية المباشرة. وما طالب به ملال هو فتح تحقيق لمعرفة أوجه الصرف والنتائج، وهي مسألة ينبغي أن تبدأ بالوثائق والحسابات.

ماذا تعني 280 مليار درهم؟

بحسب التغطية التي نشرتها «صوت المغرب» يوم 21 أكتوبر، استند يونس ملال إلى الرقم المتداول خلال الحملة الانتخابية، وربطه بتدابير دعم القدرة الشرائية خلال الولاية الحكومية السابقة. وأشار في مداخلته إلى أن فوزي لقجع سبق أن قدم معطيات بشأن هذا المبلغ.

غير أن تفكيك الرقم يقتضي الانتباه إلى طبيعة النفقات التي يجمعها. فالزيادة في الأجور، والدعم المباشر للأسر، وبرامج السكن، وإجراءات اجتماعية أخرى، لا تمثل بالضرورة نوعاً واحداً من الإنفاق. لكل منها مستفيدون وآليات تنفيذ ومؤشرات مختلفة، وقد تدخل ضمن اعتمادات أو برامج قائمة أصلاً.

لذلك، فإن التدقيق المطلوب لا يبدأ بافتراض أن المال اختفى، وإنما بتحديد المبلغ الذي خُصص لكل إجراء، وما صُرف منه فعلياً، والجهة التي نفذته، وعدد المستفيدين، والأثر الذي أمكن قياسه. وإذا كان الرقم المعلن يجمع نفقات من طبيعات مختلفة، فينبغي نشر طريقة احتسابه حتى لا تتحول الحصيلة الإجمالية إلى رقم سياسي يصعب على المواطنين تفكيكه.

وهناك سؤال اجتماعي مباشر لا يحتاج إلى انتظار نتائج أي لجنة: هل شعر المواطنون بأثر تلك التدابير في قدرتهم على شراء المواد الأساسية وأداء تكاليف السكن والنقل والتعليم والعلاج؟ لا يكفي الجواب عن ذلك بالقول إن الدولة أنفقت مبالغ كبيرة؛ فحجم الإنفاق ومردوديته مسألتان منفصلتان، كما أن استمرار الغلاء لا يثبت بمفرده وقوع اختلاس أو سوء تدبير.

المنصوري أمام اختبار الأرقام والنتائج

بعد يومين من تقديم البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان، عرضت رئيسة الحكومة، خلال جلسة مجلس المستشارين في 21 أكتوبر، الكلفة الإجمالية للبرنامج الجديد، محددة إياها في 390 مليار درهم، منها 314 ملياراً من الميزانية العامة و76 ملياراً من مصادر خارجها.

ووفق المعطيات التي أوردتها «ميدي1نيوز» نقلاً عن وكالة المغرب العربي للأنباء، تتوزع هذه الكلفة بين 108 مليارات درهم للحماية الاجتماعية، و93 ملياراً لدعم القدرة الشرائية، و57 ملياراً للتنمية المجالية المندمجة، و30 ملياراً لإدماج الشباب، و26 ملياراً للبنيات التحتية.

الفارق بين الرقمين مهم. مبلغ 280 مليار درهم مرتبط بتدابير الولاية السابقة وفق التصريحات المتداولة، بينما يتعلق مبلغ 390 ملياراً بالكلفة المعلنة للبرنامج الحكومي الجديد. ولا يصح التعامل معهما باعتبارهما بندين متطابقين أو مقارنتهما مباشرة قبل الاطلاع على نطاق كل رقم ومكونات احتسابه.

لكن تخصيص 93 مليار درهم جديدة لدعم القدرة الشرائية يعيد النقاش إلى النقطة نفسها: ما الأهداف الدقيقة لهذا الدعم؟ كيف ستوزع موارده؟ ما الآجال المحددة لصرفه؟ وكيف ستعرف الحكومة والمواطنون ما إذا كانت التدابير قد حققت نتائجها؟

في ردها على مداخلات المستشارين، أكدت المنصوري أن الحكومة ستعتمد إجراءات قالت إنها فعلية وواقعية، مدعومة بأرقام وتمويل حقيقي. كما شددت على أن تخليق الحياة العامة والتصدي لتضارب المصالح ضروريان لاستعادة الثقة في المؤسسات، وأعلنت أن أحزاب الأغلبية اتفقت على مواجهة تضارب المصالح.

هذه التعهدات تتيح صياغة معيار واضح للمساءلة: نشر الأهداف والاعتمادات والنتائج بصورة تسمح بالمقارنة بين ما أُعلن وما نُفذ. وإذا كان البرنامج الجديد يتضمن موارد مخصصة للقدرة الشرائية، فإن بيان أوجه صرفها بصورة دورية سيتيح تجنب بقاء النقاش رهين الأرقام الإجمالية والتصريحات المتعارضة.

من تضارب المصالح إلى السؤال عن العلاقة بين السياسة والتجارة

أحد أكثر جوانب مداخلة ملال حدة كان دعوته إلى إبعاد المصالح التجارية عن تدبير الشأن العام. فقد تساءل عن كيفية تشديد القيود على رئيس جماعة يتصرف في فائض مالي محدود، في مقابل ما اعتبره تساهلاً مع مسؤولين يمارسون التجارة مع الدولة. ودعا إلى إعادة مناقشة مشروع القانون المتعلق بتجريم الإثراء غير المشروع، ومراجعة المقتضيات التي يرى أنها تقيد حق الجمعيات في تقديم شكايات لحماية المال العام.

التمييز هنا ضروري بين ممارسة التجارة في حد ذاتها وبين استغلال المنصب أو التأثير في القرارات العمومية لتحقيق منفعة خاصة. فالمسؤولية السياسية لا تعني تلقائياً أن كل نشاط تجاري لمسؤول يشكل مخالفة، كما أن وجود قواعد قانونية لا يضمن وحده منع تضارب المصالح. المسألة تتعلق بطبيعة العلاقة بين المسؤول والمقاولة، ومدى مشاركته في القرارات التي قد تمنحها امتيازاً، واحترام قواعد التصريح بالمصالح والصفقات والرقابة.

وتزداد أهمية هذا النقاش حين يتعلق الأمر بالمال العام. فالصفقة العمومية تحتاج إلى قواعد واضحة للمنافسة والشفافية، كما تحتاج إلى آليات تتيح فحص المستفيدين الفعليين من الشركات المتعاقدة مع الدولة، ورصد الحالات التي يمكن أن تتقاطع فيها المصالح الخاصة مع القرار العمومي.

أما استرداد الأموال، الذي شدد عليه ملال، فيتطلب تحديد الوقائع والمسؤوليات وإثبات المخالفات عبر المساطر القانونية. لا يمكن استبدال هذه الإجراءات بأوصاف سياسية، مهما بلغت حدة المداخلة أو اتسع صداها.

هل تكفي لجنة تقصي الحقائق؟

طالب ملال بإحداث لجنة لتقصي الحقائق «من أجل الوطن»، وفق ما نقلته «صوت المغرب».

تكتسب هذه المطالبة معناها العملي إذا انتهت إلى تحقيق قابل للفحص، يكشف مصادر الأرقام وطرق احتسابها والجهات المسؤولة عن تنفيذ البرامج، ويحدد ما إذا كانت هناك اختلالات تستوجب إجراءات إضافية. أما تشكيل لجنة من دون نطاق واضح للتحقيق أو وثائق متاحة أو نتائج منشورة، فلن يجيب بالضرورة عن الأسئلة التي أثارها الرقم.

ويتوفر المغرب على مؤسسات للرقابة المالية، في مقدمتها المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات، إلى جانب الرقابة البرلمانية والقضائية. وتخضع لجان تقصي الحقائق البرلمانية بدورها لشروط وإجراءات دستورية وقانونية. ولذلك، فإن اختيار آلية الرقابة المناسبة ينبغي أن يرتبط بطبيعة الأسئلة المطلوب الإجابة عنها، وبالاختصاصات القانونية لكل مؤسسة.

ومن بين المطالب التي أثارها المستشار البرلماني أيضاً فتح نقاش حول أرباح شركات المحروقات، وإمكانية تسقيفها أو تخفيف الضرائب، وإعادة النظر في ملف مصفاة «لاسامير» من زاوية المخزون الاستراتيجي. وهذه ملفات تحتاج بدورها إلى بيانات عن الأسعار وهوامش الربح والضرائب وكلفة التخزين والتكرير، حتى لا تبقى المقترحات الاقتصادية مجرد مواقف سياسية.

الاختبار يبدأ بنشر الحصيلة

لم يحصر يونس ملال مداخلته في ملف 280 مليار درهم. فقد انتقد أيضاً ما اعتبره غموضاً في بعض التزامات البرنامج الحكومي، خصوصاً في ما يتعلق بآجال التنفيذ ومصادر التمويل ومؤشرات التقييم. كما أثار غياب قطاعات حكومية مخصصة للتنمية القروية والجبلية واللامركزية، وموقع مغاربة العالم، وتراجع التمثيلية النسائية، إلى جانب غياب جدول زمني واضح لتحقيق هدف مليون منصب شغل.

هذه الملاحظات تضع النقاش في نطاق أوسع من المساءلة عن إنفاق سابق. فالحكومة الجديدة مطالبة بتقديم برنامج يمكن تتبع تنفيذه، لا الاكتفاء بإعلان أهداف بعيدة المدى. وكلما كانت المؤشرات والآجال والموارد واضحة، أمكن للبرلمان والصحافة والمواطنين قياس التقدم ومساءلة المسؤولين عن التأخر أو عدم تحقق النتائج.

أما ملف 280 مليار درهم، فيحتاج إلى نشر حصيلة مفصلة تميز بين ما خُصص وما صُرف، وبين النفقات التي نُفذت وفق القواعد والنتائج التي لم تحقق الأهداف المرجوة، وبين أي اختلالات محتملة تثبتها عمليات التدقيق. هذه الفروق هي التي تسمح بتحديد ما إذا كان الأمر يتعلق بضعف مردودية الإنفاق، أو خلل في تصميم البرامج، أو مخالفات تستوجب المحاسبة.

مداخلة يونس ملال أعادت الرقم إلى قاعة البرلمان، ووضعت الحكومة أمام مطالبة صريحة بكشف الحساب. وتبقى الإجابة الأكثر فائدة للمغاربة هي التي تأتي في وثائق قابلة للفحص، تتضمن الأرقام والجهات المسؤولة والنتائج، وتتيح تحديد المسؤولية على أساس الأدلة، لا على أساس الاتهامات وحدها.