«وزير صاحب الجلالة».. إبراهيم بوليد يفكك ارتباك الناطق الرسمي باسم الحكومة أمام سؤال صحافي عن الكرامة والمسؤولية

0
213

من سؤال عن عبارة جارحة في البرلمان إلى جواب يستحضر الصفة السلطوية: حين تتحول وظيفة الناطق الرسمي من توضيح موقف الحكومة إلى الاحتماء بهيبة المسؤول، يصبح الخلل أعمق من مجرد تعثر في التواصل الحكومي.

رصدت «المغرب الآن» على منصة فيسبوك تدوينة للكاتب إبراهيم بوليد، بعنوان «سمير بللقيه ناطق رسمي قديم في عهد الذكاء الاصطناعي»، تناول فيها طريقة تعاطي الناطق الرسمي باسم الحكومة، سمير بلفقيه، مع سؤال صحافي يتعلق بالعبارة التي سبق أن استعملها وزير التعليم العالي في مجلس النواب، وهي عبارة «زواج مونغولي»، وما أثارته من انتقادات مرتبطة بكرامة الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وبمسؤولية المسؤول العمومي عن اللغة التي يستعملها في المؤسسات الدستورية.

تستحق قراءة إبراهيم بوليد التوقف عند ما يتجاوز الواقعة نفسها؛ فهو لا يناقش مجرد جواب لم يكن موفقاً، وإنما يضع أمام النقاش العمومي إشكالية العلاقة بين السلطة والسؤال الصحافي، وبين الصفة الحكومية والمسؤولية السياسية والأخلاقية، وبين حق المسؤول في ممارسة مهامه وحق المجتمع في مساءلته.

في صلب تدوينته، يلتقط بوليد مفارقة أساسية: الصحافي لم يكن يسأل عن تشكيلة الحكومة، ولا عن خلفيات التعيين الوزاري، ولا عن علاقة الوزير بالمؤسسة الملكية. كان يسأل عن عبارة صدرت عن عضو في الحكومة داخل مؤسسة تشريعية، وعن موقف الحكومة منها، وعن إمكانية الاعتذار والتصحيح.

هذا التفريق ليس تفصيلاً لغوياً. إنه جوهر القضية. فالسؤال انتقل من مجال تقييم الكفاءة السياسية إلى مجال احترام الكرامة الإنسانية، وهي قيمة لا يفترض أن تتغير بحسب موقع الشخص الذي صدرت عنه العبارة أو طبيعة المنصب الذي يشغله.

من المسؤولية الأخلاقية إلى الاحتماء بالصفة

يركز إبراهيم بوليد على الجواب المنسوب إلى الناطق الرسمي: «هداك وزير صاحب الجلالة». ويعتبر أن استدعاء هذه الصفة في سياق سؤال يتعلق بمضمون تصريح وزاري ينقل النقاش من دائرة المسؤولية إلى دائرة الهيبة، ومن مناقشة الفعل إلى استحضار المكانة.

وهنا تظهر أهمية التفكيك الذي يقترحه صاحب التدوينة. فالناطق الرسمي لا يُسأل عن شرعية تعيين الوزير، ولا عن مصدر سلطته، وإنما عن موقف الحكومة من كلام صدر عن أحد أعضائها. وبذلك، فإن الإجابة المنتظرة كان ينبغي أن تتجه إلى مضمون التصريح، ومدى انسجامه مع واجب احترام المواطنين، والإجراءات التي يمكن اتخاذها لتصحيح ما اعتبر إساءة.

إن المسؤولية الحكومية لا تتوقف عند القرارات الكبرى، بل تشمل أيضاً الخطاب الصادر عن المسؤولين. فالكلمة التي تصدر عن وزير داخل البرلمان ليست حديثاً عابراً في فضاء خاص؛ إنها تدخل المجال العام، وتصبح موضوعاً مشروعاً للنقاش والمساءلة.

ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الذي يفتحه بوليد أوسع من شخص الناطق الرسمي: هل أصبحت بعض الألقاب والصفات تستعمل، في التواصل السياسي، باعتبارها وسيلة لإنهاء النقاش بدل توضيح المسؤولية؟

الناطق الرسمي ليس حاجباً للأسئلة

من أبرز النقاط التي تستوقف في تدوينة إبراهيم بوليد حديثه عن طبيعة وظيفة الناطق الرسمي باسم الحكومة. فهو يرفض اختزال هذه المهمة في الدفاع عن الوزراء أو التصدي للأسئلة المحرجة، ويعتبر أن الناطق ينبغي أن يكون صوت الحكومة وعقلها التواصلي، والأقدر على استحضار المرجعيات الدستورية والسياسية والأخلاقية في اللحظات التي تحتاج فيها الحكومة إلى التوضيح.

هذه الملاحظة تلامس أحد التحديات التي تواجه التواصل المؤسساتي بالمغرب. فالمواطن لم يعد يتلقى المعلومة من القنوات الرسمية وحدها، والصحافي لم يعد ينتظر المؤتمر الصحافي الأسبوعي حتى يطرح سؤالاً أو يطلب توضيحاً. فضاء التواصل أصبح مفتوحاً، وسرعة تداول التصريحات تجعل كل جواب حكومي قابلاً للتوثيق والمقارنة والمساءلة.

والأهم أن الناطق الرسمي لا يمثل نفسه في مثل هذه اللحظات، وإنما يقدم صورة عن قدرة الحكومة على التعامل مع النقد والاختلاف. فإذا تحول السؤال المهني إلى مناسبة للتوتر أو التلميح إلى مكانة المسؤول، فإن الرسالة التي تصل إلى الرأي العام قد تكون أكثر ضرراً من السؤال الأصلي.

هل المطلوب من الناطق الرسمي أن يحمي صورة الحكومة من الأسئلة الصعبة، أم أن يحمي مصداقيتها من خلال الإجابة عنها؟

إن الفرق بين الوظيفتين هو الفرق بين تواصل مؤسساتي يقوم على الشفافية، وتواصل دفاعي ينظر إلى الصحافة باعتبارها مصدر إزعاج ينبغي احتواؤه.

الدستور لا يعفي الوزير من المساءلة

يذهب إبراهيم بوليد في تدوينته إلى مساءلة عبارة «وزير صاحب الجلالة»، معتبراً أنها لا تمثل وصفاً دستورياً لموقع الوزير داخل النظام المؤسساتي المغربي.

وتقتضي هذه النقطة وضع النقاش في إطاره الدستوري الدقيق. فالفصل 47 من دستور المملكة لسنة 2011 ينظم تعيين أعضاء الحكومة، فيما يحدد الفصل 88 مسار تنصيب الحكومة أمام مجلس النواب، ويؤطر الفصل 89 ممارسة السلطة التنفيذية، بينما ينص الفصل 70 على اختصاص البرلمان في مراقبة عمل الحكومة.

وتعني هذه المقتضيات أن الوزير، بعد تعيينه وفق المسطرة الدستورية، يمارس اختصاصاته ضمن حكومة مسؤولة سياسياً أمام البرلمان، وأن صفته المؤسساتية لا تضعه خارج دائرة النقد والمساءلة.

ومن الضروري هنا التمييز بين التعيين الملكي للوزراء، باعتباره اختصاصاً دستورياً، وبين المسؤولية التي تترتب عن ممارسة المهام الحكومية. فالاحترام الواجب للمؤسسة الملكية لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة لغوية تمنع مساءلة أعضاء الحكومة عن تصريحاتهم وقراراتهم.

ومن ثم، فإن جوهر اعتراض بوليد ليس مجرد خلاف حول تسمية الوزير، وإنما حول توظيف هذه التسمية في سياق قد يوحي بأن السؤال عن سلوك الوزير هو سؤال عن جهة تعيينه.

وهذا الخلط، إن استقر في الخطاب المؤسساتي، يضر بالتوازن الذي يفترض أن تقوم عليه العلاقة بين المؤسسات الدستورية، كما يضع المؤسسة الملكية في سياق نقاش لا يتعلق باختصاصاتها ولا بمسؤوليتها عن تصريح صادر عن عضو في الحكومة.

كرامة الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة.. الاختبار الحقيقي للخطاب العمومي

ثمة جانب اجتماعي وإنساني لا ينبغي أن يضيع وسط الجدل حول الناطق الرسمي والوزير. يتعلق الأمر بالفئة التي مستها العبارة موضوع السؤال.

فالأشخاص ذوو الإعاقة ليسوا مجرد موضوع في نقاش لغوي أو سياسي، وإنما مواطنون لهم كامل الحقوق والكرامة الإنسانية، ومن واجب المؤسسات العمومية أن تضمن احترامهم ومشاركتهم واندماجهم في الحياة العامة.

وتزداد أهمية المسألة عندما تصدر العبارة عن وزير يتولى قطاع التعليم العالي، لأن الجامعة ليست فضاءً لنقل المعرفة فقط، بل مؤسسة يفترض أن تسهم في بناء الوعي واحترام الاختلاف ومواجهة الصور النمطية والإقصاء الاجتماعي.

هنا يلتقي النقاش الأخلاقي مع سؤال التنمية الاجتماعية. فالتنمية لا تقاس فقط بعدد الجامعات والمقاعد الدراسية والميزانيات المرصودة، وإنما أيضاً بمدى قدرة المؤسسات على إنتاج ثقافة المواطنة والمساواة والاعتراف بكرامة الإنسان.

ولا يمكن مطالبة المجتمع بتبني ثقافة الإدماج، بينما تظل لغة بعض المسؤولين موضع تساؤل بسبب ما قد تحمله من انتقاص أو تنميط لفئات اجتماعية تحتاج إلى حماية حقوقها، لا إلى تحويلها إلى موضوع لعبارات جارحة.

ومن هذا المنطلق، فإن الاعتذار والتوضيح، متى ثبتت الإساءة، ليسا علامة ضعف حكومي، بل ممارسة للمسؤولية واحتراماً للمواطنين.

الصحافة ليست خصماً للحكومة.. والسؤال المحرج جزء من وظيفتها

تضع تدوينة إبراهيم بوليد الصحافي في موقعه الطبيعي داخل المعادلة الديمقراطية: طرح الأسئلة، بما فيها تلك التي لا يرغب المسؤول في سماعها.

فالصحافة، باعتبارها إحدى أدوات الرقابة المجتمعية والسلطة الرابعة بالمعنى الوظيفي المتداول، لا تكتسب قيمتها من نقل البلاغات الرسمية وحدها، وإنما من قدرتها على مساءلة المسؤولين ومقارنة تصريحاتهم بالتزاماتهم ومواقفهم.

والسؤال الذي طرحه الصحافي في هذه الواقعة، وفق رواية بوليد، لم يكن استفزازاً شخصياً، ولا تدخلاً في اختصاصات المؤسسة الملكية، بل كان سؤالاً يتعلق بموقف الحكومة من تصريح صادر عن وزير.

وإذا كان من حق المسؤول أن يوضح موقفه أو يعترض على صياغة سؤال، فإن ذلك لا يلغي حق الصحافي في طرحه، ولا يمنح أي مسؤول امتيازاً في تحديد الأسئلة التي يجوز توجيهها إليه.

إن العلاقة السليمة بين الحكومة والصحافة لا تقوم على المجاملة، بل على الاعتراف المتبادل بالوظائف. الحكومة تدبر الشأن العام وتقدم حصيلة أعمالها، والصحافة تراقب وتسأل وتكشف التناقضات وتتيح للمجتمع الاطلاع على ما يجري داخل المؤسسات.

وكلما ضاقت مساحة السؤال، اتسعت مساحة الشك. وكلما أصبح الجواب دفاعاً عن المكانة بدل تقديم المعلومة، تراجعت الثقة في التواصل الرسمي.

الذكاء الاصطناعي لا يصنع المصداقية.. لكنه يجعل التهرب أكثر وضوحاً

اختار إبراهيم بوليد أن يربط عنوان تدوينته بعصر الذكاء الاصطناعي، وهي إحالة تحمل دلالة تتجاوز المفارقة بين أدوات التواصل القديمة والجديدة.

ففي زمن التوثيق الرقمي، لم تعد التصريحات رهينة الذاكرة أو الرواية الشفهية. الفيديوهات تحفظ، والمقاطع تنتشر، والكلمات تستعاد في سياقات مختلفة، ويمكن للرأي العام أن يقارن بين السؤال والجواب وأن يختبر مدى انسجام الموقف الرسمي مع الخطاب الدستوري.

لكن الذكاء الاصطناعي، مهما تطورت أدواته، لا يستطيع أن يعوض غياب الشجاعة السياسية أو ضعف التكوين التواصلي. التكنولوجيا توفر وسائل التوثيق والتحليل، لكنها لا تنتج وحدها مسؤولاً يحسن الاعتراف بالخطأ أو مؤسسة تتعامل مع النقد باعتباره جزءاً من عملها الطبيعي.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير ثقافة التواصل الحكومي، لا باعتبارها مجرد تقنيات لتحسين الصورة، وإنما باعتبارها جزءاً من الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

فالحكومة التي تريد إقناع المجتمع ببرامجها الاقتصادية والاجتماعية، مطالبة أيضاً بإقناعه بقدرتها على احترام أسئلته وكرامته وحقه في معرفة الحقيقة.

من واقعة تواصلية إلى أسئلة استراتيجية

تكشف قراءة إبراهيم بوليد عن مجموعة من الأسئلة التي تستحق أن تتجاوز حدود هذه الواقعة:

هل تتوفر الحكومة على تصور واضح لوظيفة الناطق الرسمي، أم أن المهمة تختزل أحياناً في الدفاع عن أعضاء الحكومة مهما كانت طبيعة الأسئلة؟

ما حدود المسؤولية السياسية والأخلاقية للوزير عن التصريحات التي يدلي بها داخل البرلمان وخارجه؟

كيف يمكن بناء تواصل حكومي يحترم استقلالية الصحافة، ويعتبر السؤال المهني أداة لتحسين الأداء المؤسساتي وليس تهديداً له؟

هل توجد آليات عملية لتصحيح الخطاب العمومي عندما يمس فئات اجتماعية أو يكرس صوراً نمطية تتعارض مع مبادئ المساواة والإدماج؟

ثم كيف يمكن للدولة أن تطور مشروعها التنموي، وتراهن على الجامعة والاقتصاد الاجتماعي والعدالة المجالية، دون أن تجعل الكرامة الإنسانية جزءاً أصيلاً من ثقافة المسؤولية داخل المؤسسات؟

هذه الأسئلة تجعل الواقعة أكبر من مجرد سجال بين صحافي وناطق رسمي، لأنها تضع أمام الحكومة والمجتمع اختباراً حقيقياً لطبيعة العلاقة بين السلطة والمساءلة.

المسؤولية لا تحتمي بالألقاب

تكمن قوة تدوينة إبراهيم بوليد في أنها تنطلق من واقعة محددة لتصل إلى إشكالية أوسع: كيف يفهم المسؤول العمومي موقعه في دولة المؤسسات؟ وهل يدرك أن الصفة التي يحملها تمنحه اختصاصات ومسؤوليات، ولا تمنحه امتيازاً في مواجهة النقد؟

فالوزير، مهما كانت مسطرة تعيينه، يظل مسؤولاً عن تدبير قطاع حكومي، وعن تصريحاته ومواقفه وقراراته. والناطق الرسمي، مهما كانت طبيعة مهمته، يظل مطالباً بتقديم أجوبة واضحة عن مواقف الحكومة، لا بإغلاق النقاش من خلال استحضار الألقاب.

أما الصحافي، فليس مطلوباً منه أن يختار أسئلة مريحة للمسؤولين، وإنما أن يمارس وظيفته المهنية في حدود القانون وأخلاقيات المهنة.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بالدفاع عن صحافي في مواجهة مسؤول، ولا بالانتصار لوزير أو مهاجمة الحكومة، وإنما بالدفاع عن قاعدة مؤسساتية بسيطة: لا توجد صفة تعفي صاحبها من مسؤولية كلامه، ولا توجد مكانة دستورية تجعل السؤال الصحافي خارج المشروعية.

وهذه هي الرسالة الأعمق التي يمكن استخلاصها من قراءة إبراهيم بوليد: قيمة المسؤول لا تقاس بحجم الصفة التي يحملها، وإنما بقدرته على تحمل المسؤولية والإجابة عن الأسئلة واحترام كرامة المواطنين.

فالزمن الذي ينبغي أن ينتهي ليس زمن الأشخاص أو المؤسسات، وإنما زمن الاعتقاد بأن الهيبة يمكن أن تحل محل الحجة، وأن اللقب يمكن أن يكون جواباً عن سؤال مشروع.

المصدر الفكري والتدوينة الأصلية: إبراهيم بوليد، «سمير بللقيه ناطق رسمي قديم في عهد الذكاء الاصطناعي»، منشور على حسابه بمنصة فيسبوك. الأفكار والموقف الأصليان منسوبان إلى صاحب التدوينة، وقد جرى الاشتغال عليهما بالتفكيك والتحليل والتوسيع في سياق صحافي مستقل.