الأسعار تنفلت مجددًا قبل رمضان: غلاء موسمي أم فشل دائم في المراقبة؟

0
124
صورة: و.م.ع

حين يصبح القوت اختبارًا للأخلاق الاقتصادية: رمضان والأسعار بين منطق السوق ومنطق الاستغلال

مع اقتراب شهر الصيام، يتكرر المشهد ذاته في الأسواق المغربية: ارتفاع تدريجي في أسعار بعض المواد الأساسية، يتقدمه هذه السنة كل من البصل والبرتقال، وكأنهما “إشارة انطلاق” لموجة موسمية اعتادها المواطن قبل أن يعتادها التاجر. ظاهرة لم تعد مجرد تقلبات ظرفية في العرض والطلب، بل تحولت إلى بنية شبه ثابتة في السلوك التجاري، حيث يصبح رمضان، بدل أن يكون شهر تضامن وتكافل، موسماً ذهبياً لتعظيم الأرباح على حساب القدرة الشرائية لفئات واسعة من المغاربة.

في الظاهر، تُساق تبريرات تقنية تبدو معقولة: فيضانات ضربت مناطق فلاحية في الغرب، خسائر كبيرة في محاصيل الحوامض والبطاطس، تراجع مردودية الأشجار، وارتفاع تكاليف الإنتاج والتخزين. وهي عوامل حقيقية لا يمكن إنكارها، بل تشكل جزءاً من معادلة السوق الفلاحية، خاصة في ظل هشاشة البنية الزراعية أمام التغيرات المناخية وضعف منظومات التأمين والدعم للفلاحين الصغار.

غير أن القراءة المتأنية تكشف أن جوهر الأزمة لا يوجد داخل أسواق الجملة، بل خارجها، في حلقة البيع بالتقسيط حيث ينفلت السعر من كل منطق اقتصادي عقلاني. فبينما يؤكد مهنيون أن العرض في أسواق الجملة يفوق الطلب أحياناً، وأن كميات مهمة من الخضر والفواكه تبقى دون تصريف، نجد في الأسواق القريبة من المستهلك أن نفس المنتوجات تُباع بأثمان مضاعفة، بل أحياناً بأضعاف سعرها الأصلي، دون أي مبرر سوى غياب المراقبة وترك السوق لمنطق “من استطاع إلى ذلك سبيلاً”.

هنا تتجلى المفارقة الصادمة: الخلل ليس في ندرة السلع، بل في ندرة الضوابط. ليس في ضعف الإنتاج، بل في ضعف الحكامة. فـقانون تحرير الأسعار، الذي كان يفترض أن يخلق تنافسية شفافة تحمي المستهلك، تحول في الواقع إلى مظلة قانونية للاستغلال، خاصة من طرف بعض المراكز التجارية الكبرى التي تبيع منتجات متوسطة أو ضعيفة الجودة بأسعار مرتفعة، مستفيدة من صورة “الفضاء العصري” وغياب أي سقف مرجعي للأسعار.

الأخطر من ذلك أن هذا السلوك لم يعد استثناءً، بل صار قاعدة موسمية، تتكرر كل سنة بنفس السيناريو، وكأن المجتمع دخل في عقد غير معلن يقبل فيه المستهلك الغلاء باعتباره “قدراً رمضانياً”، بينما يعتبره بعض التجار “حقاً مكتسباً” لتعويض ما فاتهم في بقية السنة.

البعد المضمَر في هذه الظاهرة أعمق من مجرد ارتفاع درهم أو درهمين في سلعة معينة. نحن أمام أزمة ثقة بين المواطن والسوق، وأزمة عدالة في توزيع كلفة الأزمات المناخية والاقتصادية. فالفيضانات التي أتلفت المحاصيل لم يدفع ثمنها الفلاح وحده، بل حُمّلت مباشرة للمستهلك النهائي، دون أي آليات تضامن أو تدخل ذكي من الدولة لامتصاص الصدمة عبر التخزين الاستراتيجي، أو دعم النقل، أو تسقيف هوامش الربح في الفترات الحساسة.

وهنا يطرح السؤال المركزي: من يحمي حق المواطن في القوت اليومي؟ هل يكفي أن نطالب بالأخلاق التجارية في سوق تحكمه المصالح؟ أم أن المطلوب هو إعادة بناء منظومة كاملة لمراقبة الأسعار، لا تقوم فقط على الحملات الموسمية، بل على سياسة دائمة تربط بين أسواق الجملة والتقسيط، وتفرض الشفافية في مسار السعر من الحقل إلى المائدة؟

محاربة هذا الاستغلال لا تمر عبر الخطاب الأخلاقي وحده، بل عبر أدوات ملموسة: تفعيل حقيقي لشرطة الأسعار، نشر أسعار مرجعية يومية للعموم، مراقبة هوامش الربح، تشجيع البيع المباشر من المنتج إلى المستهلك، وإعادة النظر في فلسفة تحرير الأسعار حين يتعلق الأمر بمواد حيوية تمس الأمن الغذائي والاجتماعي.

في النهاية، ليس المشكل في أن ترتفع بعض الأسعار بفعل عوامل موضوعية، بل في أن يتحول هذا الارتفاع إلى فرصة منظمة لاستنزاف جيوب المواطنين، في شهر يفترض أن يكون عنوانه الرحمة لا المضاربة، والتكافل لا الاحتكار، والإنسان لا الربح الأقصى. رمضان يكشف كل سنة حقيقة واحدة مؤلمة: السوق بلا ضمير لا يصلحه إلا قانون قوي، ودولة حاضرة، ومواطن واعٍ يرفض التطبيع مع الغلاء كأنه قدر محتوم.