“من مؤسسة لخدمة المواطنين إلى ساحة للعنف السياسي… منتخبون يُعنفون وامرأة تُهان داخل مؤسسة الدولة”

0
97

في جماعة الصفصاف، لم تعد دورة ماي مجرد محطة إدارية عادية تُناقش فيها النقاط المدرجة في جدول الأعمال، بل تحولت – وفق ما جرى تداوله عبر رسائل وتسجيلات مصورة على تطبيق واتساب – إلى مشهد صادم يعكس حجم التوتر والانقسام الذي بات يخترق بعض المؤسسات المنتخبة في المغرب. فالفيديو المتداول، الذي يظهر رجلاً ممدداً على أرضية مكتب وسط طاولات وكراسٍ في ما يبدو كمقر مؤسسة عمومية، مع حديث عن تعرضه لـ”ضرب عنيف”، لم يُستقبل من طرف المتابعين باعتباره مجرد حادث عرضي، بل كصورة تختزل تحوّل الصراع السياسي المحلي من التنافس الديمقراطي إلى منطق الترهيب وكسر الإرادات.

الرواية المتداولة تربط الواقعة بما وُصف بـ”تعنيف مستشارة جماعية” و”الاعتداء على منتخبين” داخل دورة رسمية، في مشهد أثار حالة من الغضب والاستياء، ليس فقط بسبب طبيعة العنف المزعوم، ولكن لأن الحادث – إن تأكدت كل تفاصيله – وقع داخل فضاء يفترض أن يكون عنواناً للنقاش المؤسساتي واحترام القانون. وهنا تبرز خطورة الصورة أكثر من الحدث نفسه؛ لأن سقوط منتخب أو منتخبة داخل مؤسسة عمومية تحت الضرب أو الفوضى، أمام أنظار الحاضرين والسلطات المحلية، يحمل دلالة رمزية قاسية حول هشاشة الثقافة الديمقراطية في بعض المجالس الترابية.

الرسالة المتداولة لم تكتف بسرد الوقائع، بل ذهبت أبعد من ذلك، حين تحدثت عن “بلطجة سياسية” وعن “خطة مدبرة لإرهاب المعارضة وإسكات الأصوات الرافضة”. وهي توصيفات تعكس حجم الاحتقان السياسي القائم داخل الجماعة، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام أسئلة أكبر من مجرد شجار عابر: هل أصبحت بعض الجماعات الترابية فضاءات لتصفية الحسابات السياسية بدل تدبير الشأن العام؟ وهل تحوّل الخلاف حول التصويت والمواقف السياسية إلى مبرر للعنف الجسدي والإهانة المعنوية؟

الأكثر حساسية في القضية هو الحديث عن استهداف مستشارة جماعية امرأة، فقط بسبب مواقفها السياسية داخل المجلس. فحين تصبح المرأة المنتخبة عرضة للتعنيف أو الإهانة بسبب ممارستها لدورها الرقابي أو المعارض، فإن الخطاب الرسمي حول تمكين النساء في الحياة السياسية يفقد جزءاً من معناه على أرض الواقع. لأن المشاركة السياسية لا تُقاس فقط بعدد المقاعد التي تحصل عليها النساء، بل أيضاً بمدى حمايتهن داخل المؤسسات من العنف والضغط والإقصاء.

وفي العمق، تكشف مثل هذه الوقائع عن أزمة أوسع تعيشها بعض المجالس المنتخبة، حيث يختلط التدبير السياسي بالمصالح الشخصية، وتتحول المعارضة أحياناً من عنصر توازن ديمقراطي إلى “خصم” يجب إخضاعه أو عزله. لذلك، فإن ما جرى في جماعة الصفصاف – كما يتم تداوله – لا يمكن قراءته فقط كحادث محلي محدود، بل كإنذار جديد حول الحاجة إلى إعادة الاعتبار لأخلاقيات العمل السياسي المحلي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتفعيل آليات حماية المنتخبين والمنتخبات من أي اعتداء أو ترهيب.

وفي انتظار ما قد تسفر عنه التحقيقات أو التوضيحات الرسمية من الجهات المعنية، يبقى الرأي العام المحلي أمام صورة مقلقة: مؤسسة يفترض أن تكون فضاءً لخدمة المواطنين تحولت إلى ساحة توتر وعنف. وهي صورة كافية وحدها لإعادة طرح السؤال المؤلم: كيف يمكن للمواطن أن يثق في مؤسسات منتخبة تعجز أحياناً حتى عن حماية أعضائها من الانزلاق نحو الفوضى؟