رواق مجلس جهة الرباط سلا القنيطرة يهزّ قواعد المشهد الثقافي في المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط 2026: من واجهة شكلية إلى هندسة نفوذ وصناعة وعي في قلب الرباط

0
120

في قلب المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط 2026، لا يبدو حضور مجلس جهة الرباط سلا القنيطرة مجرد مشاركة مؤسساتية عادية، بل يتخذ ملامح مشروع ثقافي متكامل يعيد تعريف العلاقة بين الفعل العمومي والإنتاج المعرفي. فداخل فضاء المعرض، الذي يُعد أحد أبرز التظاهرات الثقافية في الرباط، يتحول رواق الجهة إلى ما يشبه “منصة سردية” تعكس كيف يمكن للمؤسسات الترابية أن تنتقل من دور التدبير إلى دور التأثير، ومن تنفيذ السياسات إلى إعادة صياغة معناها في وعي المواطن.

هذا التحول لا ينفصل عن سياق وطني أوسع، حيث تراهن السياسات العمومية في المغرب على الثقافة باعتبارها رافعة للتنمية. وتشير تقارير اليونسكو إلى أن الاستثمار في الثقافة والصناعات الإبداعية بات من أبرز محركات النمو غير المادي، لما له من أثر مباشر على الإدماج الاجتماعي وتعزيز الهوية المحلية. في هذا الإطار، يبدو رواق الجهة وكأنه ترجمة ميدانية لهذا التوجه، حيث لا يكتفي بعرض المشاريع، بل يعيد تقديمها داخل نقاش عمومي مفتوح.

من فضاء عرض إلى مختبر سياسات
داخل الرواق، تختفي الحدود التقليدية بين “العارض” و“المتلقي”. لقاءات فكرية، ورشات تفاعلية، وحوارات مفتوحة تجمع باحثين وصناع قرار ومواطنين، لتصنع دينامية أقرب إلى “مختبر أفكار” منها إلى جناح مؤسساتي. هذه الصيغة تعكس تحولا في تصور التواصل العمومي: لم يعد الهدف تقديم حصيلة جاهزة، بل إشراك الجمهور في إنتاجها وتأويلها. وهنا تتجلى إحدى الإشكالات العميقة: هل نحن أمام بداية ديمقراطية معرفية محلية، أم مجرد إعادة تسويق ذكية للسياسات القائمة؟

الشباب والذكاء الاصطناعي: رهانات المستقبل
اختيار محور “الشباب والذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال” لا يأتي بمعزل عن التحولات العالمية. فوفق دراسات البنك الدولي، يمثل الاقتصاد الرقمي أحد أسرع القطاعات نموًا، خاصة في الدول النامية. من هذا المنطلق، يحاول المجلس إدماج الشباب في هذا التحول، ليس فقط كفئة مستهدفة، بل كفاعل محتمل. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه: إلى أي حد يمكن لهذه المبادرات أن تتجاوز الطابع الرمزي، لتترجم إلى فرص اقتصادية ملموسة داخل الجهة؟

الدبلوماسية الثقافية: البعد غير المعلن
في زاوية أخرى من الرواق، يبرز البعد الدولي، خاصة عبر الانفتاح على التعاون المغربي–الفرنسي. هذا التوجه ينسجم مع موقع الرباط كعاصمة سياسية وثقافية، لكنه يكشف أيضًا عن دور متنامٍ للجهات في ما يمكن تسميته “الدبلوماسية الموازية”. فالثقافة هنا لا تُعرض فقط، بل تُستخدم كأداة لبناء شبكات تأثير عابرة للحدود، في انسجام مع توجهات الاتحاد الأوروبي التي تعتبر الثقافة جسرا للتعاون الدولي.

الذاكرة كأداة للمستقبل
لا يقتصر الرهان على المستقبل، بل يمتد إلى إعادة استحضار الماضي. من خلال ندوات حول تاريخ سلا والرباط، يسعى المجلس إلى إعادة بناء سردية محلية تعزز الانتماء. وهنا تبرز مفارقة لافتة: في زمن العولمة الرقمية، تعود المؤسسات إلى “الذاكرة” كوسيلة لمقاومة التماثل الثقافي، وكأن الماضي يصبح أداة استراتيجية لصياغة المستقبل.

العدالة المجالية: اختبار المصداقية
أحد أكثر المحاور حساسية يتمثل في توسيع الولوج إلى الثقافة نحو العالم القروي. مبادرات استهداف تلاميذ المناطق النائية تعكس وعيًا بفجوة حقيقية في توزيع الموارد الثقافية. لكن هذه الخطوة تطرح بدورها سؤال العدالة المجالية: هل يتعلق الأمر بإجراءات ظرفية مرتبطة بالحدث، أم بداية سياسة مستدامة تعيد توزيع الفرص الثقافية خارج المركز الحضري؟

الإعلام كشريك… أم كوسيط؟
فتح الرواق أمام التغطية الإعلامية يعكس إدراكًا لدور الصحافة في تشكيل الرأي العام. غير أن العلاقة بين المؤسسة والإعلام تظل مركبة: هل يظل الإعلام مجرد ناقل للمخرجات، أم يتحول إلى فاعل نقدي يواكب ويقيم هذه الدينامية؟ في هذا السياق، يصبح الرهان الحقيقي ليس فقط في ما يُعرض داخل الرواق، بل في كيف سيتم تأويله خارج أسواره.

خلاصة تحليلية: من التدبير إلى صناعة المعنى
ما يقدمه مجلس جهة الرباط سلا القنيطرة في هذا الحدث يتجاوز حدود المشاركة، ليطرح نموذجًا لتحول أعمق في دور المؤسسات الجهوية. نحن أمام محاولة لإعادة تعريف “السلطة الترابية” كفاعل ثقافي، يوظف ما يُعرف في الأدبيات الحديثة بـالقوة الناعمة، ليس فقط لتحسين صورته، بل لإعادة صياغة علاقته بالمواطن.

غير أن هذا الطموح يظل معلقًا على شرط أساسي: الاستمرارية. فالثقافة، بخلاف المشاريع المادية، لا تُقاس بنتائج فورية، بل بقدرتها على إحداث أثر تراكمي في الوعي والسلوك. وهنا بالضبط يكمن التحدي الحقيقي: هل سيتحول هذا الرواق إلى لحظة عابرة في أجندة المعارض، أم إلى بداية مسار يعيد رسم موقع الثقافة في معادلة التنمية الجهوية؟