الهمة… حين يتحول “البحث عن المعلومة” إلى صناعة الوهم السياسي
لم تعد بعض المنابر، في زمن التحول الرقمي، تكتفي بنقل الأخبار أو تحليلها، بل انخرطت – بوعي أو بدونه – في إعادة إنتاج “الملخصات الجاهزة” التي تُشبه نتائج محركات البحث الجديدة: إجابات سريعة، مُغرية، لكنها في كثير من الأحيان تفتقد للسياق، وتُفرغ السياسة من تعقيدها. هكذا، عادت إلى الواجهة أطروحة “عودة فؤاد عالي الهمة”، لا باعتبارها خبراً مؤسساً على معطيات، بل كـ”ملخص سياسي” مُعلّب، يسعى إلى سدّ فراغ التأويل أكثر مما يسعى إلى تفسير الواقع.
في هذا السياق، يبدو أن ما يُكتب حول إمكانية تولي المستشار الملكي رئاسة الحكومة المقبلة، ليس سوى امتداد لمنطق جديد في إنتاج الخطاب الإعلامي: الانتقال من “البحث عن روابط” إلى “تجميع سرديات”، حيث تختلط الرغبة في الإثارة مع ضعف التمحيص. والنتيجة: بناء فرضيات سياسية على أرضية هشة، تُغذّيها نوستالجيا “رجل الدولة القوي” أكثر مما تُغذّيها قراءة دقيقة لموازين القوى داخل الدولة.
إن استدعاء اسم فؤاد عالي الهمة إلى واجهة النقاش العمومي، بعد خمسة عشر عاماً من خروجه الطوعي من الحقل الحزبي، لا يمكن فصله عن أزمة أعمق تعيشها النخب السياسية والإعلامية معاً. فبدل تفكيك أعطاب الحقل الحزبي، والبحث في أسباب عجزه عن إنتاج نخب جديدة قادرة على استعادة الثقة، يتم اللجوء إلى حلول “اختزالية”، قوامها استدعاء شخصيات من الماضي، وكأن الزمن السياسي في المغرب متوقف عند لحظة 2008.
غير أن هذا الطرح يغفل تحولات بنيوية طرأت على موقع الرجل نفسه داخل هرم الدولة. ففؤاد عالي الهمة، منذ عودته إلى الديوان الملكي، لم يعد فاعلاً حزبياً قابلاً لإعادة التدوير داخل لعبة انتخابية، بل أصبح جزءاً من البنية الصلبة لصناعة القرار، حيث تُدار الملفات الاستراتيجية الكبرى بعيداً عن صخب الواجهة. ومن هذا المنظور، فإن الحديث عن انتقاله إلى رئاسة الحكومة، يبدو أشبه بإسقاطٍ تبسيطي لمنطق “التناوب” على واقعٍ تحكمه توازنات أكثر تعقيداً.
ثم إن المقارنة بين موقع المستشار الملكي ومنصب رئيس الحكومة، تكشف مفارقة جوهرية: ففي حين يُنظر إلى رئاسة الحكومة، في السياق المغربي، كوظيفة تنفيذية محكومة بسقف التوازنات السياسية والدستورية، يُنظر إلى موقع المستشار كفضاء للتأثير الهادئ في عمق القرار الاستراتيجي. وهو ما يجعل من فرضية “النزول” من موقع استراتيجي إلى موقع تدبيري، أقرب إلى قراءة مقلوبة لمنطق السلطة.
ولا يمكن فهم هذا الجدل دون استحضار ذاكرة مرحلة 2008-2011، حين خاض الهمة تجربة تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، في سياق إقليمي ودولي مختلف تماماً. تلك التجربة، التي انتهت بعودة الرجل إلى القصر في أعقاب حراك 20 فبراير، شكلت لحظة مفصلية أعادت ترتيب العلاقة بين السلطة والسياسة، ورسخت قناعة مفادها أن بعض الأدوار لا يمكن ممارستها إلا من خلف الستار، لا من فوق المنصات الانتخابية.
اليوم، ومع عودة هذه الأطروحات إلى التداول، يطرح السؤال الحقيقي نفسه: هل نحن أمام تحليل سياسي، أم أمام “ملخصات إعلامية” تُعيد تدوير أوهام قديمة في قالب جديد؟ وهل يعكس هذا الخطاب رغبة في فهم تعقيدات الدولة، أم مجرد محاولة لملء فراغ التأويل في مشهد حزبي مأزوم؟
في العمق، لا يتعلق الأمر بشخص فؤاد عالي الهمة بقدر ما يتعلق بأزمة قراءة. أزمة تجعل من بعض الفاعلين أسرى لتمثلات قديمة عن السلطة، في زمن تغيرت فيه قواعد اللعبة، وأصبحت فيه مراكز التأثير أكثر تشعباً وأقل قابلية للاختزال في الأسماء.
هكذا، يتحول “البحث” – في نسخته الجديدة – من أداة للفهم إلى أداة لإعادة إنتاج الوهم. وتصبح السياسة، بدل أن تكون مجالاً للتحليل الرصين، مجرد مادة خام لملخصات سريعة، تُرضي فضول اللحظة، لكنها تعجز عن ملامسة الحقيقة.