في لحظة يفترض أن تكون فيها الرياضة رافعة للتنمية الاجتماعية ومجالاً لتكريس قيم النزاهة والانضباط، تنفجر داخل الجامعة الملكية المغربية لرياضات الكيك بوكسينغ والمواي تاي والصافات أزمة عميقة، تتجاوز حدود الخلافات التنظيمية العادية، لتلامس جوهر الحكامة الرياضية في المغرب، وتطرح أسئلة مقلقة حول مدى احترام المؤسسات الرياضية لقواعد الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
المعطيات التي كشف عنها بيان منسوب لعدد من أعضاء المكتب المديري، توصلت به منصة “mmamag”، لا تُقرأ فقط باعتبارها تصفية حسابات داخلية، بل كعرض تفصيلي لاختلالات يُشتبه في أنها بنيوية، تتعلق بأسلوب اتخاذ القرار، وتدبير الموارد، والعلاقة مع مختلف مكونات المنظومة. فالأعضاء المستقيلون يتحدثون عن “نمط تسيير فردي” يتجاوز المؤسسات، حيث تُتخذ القرارات – وفق روايتهم – خارج أي إطار تشاوري، في تغييب واضح لأدوار المكتب المديري، الذي يفترض أنه السلطة التداولية الأولى داخل الجامعة.
هذا الاتهام بالانفراد لا يقف عند حدود التدبير الإداري، بل يمتد إلى ما هو أعمق: إعادة تشكيل مراكز القرار داخل الجامعة بشكل غير معلن، من خلال التداخل في الصلاحيات، وإسناد مهام حساسة خارج المساطر القانونية، ما يُفقد الهيكلة التنظيمية معناها، ويحوّل المؤسسة إلى جهاز خاضع لمنطق التحكم بدل منطق التوازن المؤسساتي. في هذا السياق، تصبح قرارات مثل تغيير مقر الجامعة أو شعارها، أو حتى نقل أرشيفها الإداري خارج مقرها الرسمي، مؤشرات دالة على خلل في احترام القواعد الأساسية للتسيير.
غير أن البعد الأكثر حساسية في هذه الأزمة يظل هو الجانب المالي، حيث تشير المعطيات إلى شبهات تتعلق بإحداث آليات تدبير خارج القنوات الرسمية، من بينها إطلاق تطبيق بنكي دون توقيع أمين المال أو مصادقة المكتب المديري، إلى جانب تنفيذ عمليات مالية دون علم الأجهزة المختصة. هذه الممارسات، إن ثبتت، لا تمس فقط بمبدأ الشفافية، بل تضرب في العمق آليات المراقبة والتوازن التي يقوم عليها التدبير المالي العمومي، خاصة في قطاع يعتمد جزئياً على الدعم العمومي.
الأزمة لا تقف عند حدود المركز، بل تمتد إلى العلاقة المتوترة مع العصب الجهوية، التي وُضعت – حسب نفس المصادر – أمام ميثاق تعاقدي دون إشراكها في صياغته، ما دفع عدداً منها إلى رفضه، في سياق يتحدث عن ضغوط مورست على بعض المسؤولين المحليين. كما أن فرض مركز محدد بضواحي مراكش لاحتضان التداريب والاختبارات، دون مراعاة التوزيع الجغرافي، يعكس، في نظر منتقدي هذه القرارات، غياب رؤية منصفة تأخذ بعين الاعتبار تكافؤ الفرص بين مختلف الجهات.
وبينما يفترض أن تكون الجامعة فضاءً لتأطير الأبطال وتطوير أدائهم، تكشف الأزمة عن مفارقة صارخة: جمود على مستوى تنظيم البطولات الوطنية والمشاركات الدولية، رغم الحديث عن توفر الإمكانيات المالية. هذا التناقض ينعكس بشكل مباشر على الرياضيين والمدربين، الذين يجدون أنفسهم ضحايا صراع إداري يهدد مساراتهم المهنية، ويقوض فرصهم في الاحتكاك الدولي والتطور التقني.
إعلان الاستقالة الجماعية لعدد من أعضاء المكتب المديري لا يبدو، في هذا السياق، مجرد خطوة احتجاجية، بل تعبير عن انسداد أفق الإصلاح من الداخل، وانتقال الصراع إلى مستوى آخر، عبر التلويح باللجوء إلى القضاء. وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة، قد تتحول فيها الأزمة من شأن داخلي إلى ملف قانوني، يضع مختلف الممارسات المشتبه فيها تحت مجهر المساءلة.
في العمق، تعكس هذه القضية إشكالية أوسع تتجاوز جامعة بعينها، وتتعلق بنموذج حكامة الرياضة في المغرب. فبين النصوص القانونية التي تؤطر عمل الجامعات، والممارسات على أرض الواقع، تبدو هناك فجوة تحتاج إلى ردم، عبر تفعيل آليات المراقبة، وتعزيز استقلالية القرار المؤسساتي، وضمان مشاركة فعلية لكل المتدخلين في صناعة القرار.

وفي انتظار ما ستسفر عنه تطورات هذا الملف، يبقى الرهان الأكبر هو حماية مصالح الرياضيين، والحفاظ على مصداقية المؤسسات، لأن أي اهتزاز في هذا التوازن لا ينعكس فقط على نتائج المنافسات، بل يمتد تأثيره إلى ثقة المواطنين في جدوى الإصلاح داخل قطاع يفترض أن يكون نموذجاً في الانضباط والشفافية.



