في قراءةٍ تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها شديدة الدلالة في عمقها، عاد مجلس المنافسة ليضع سوق المحروقات بالمغرب تحت مجهر المساءلة الدقيقة، كاشفًا أن ما يُقدَّم باعتباره “تحريرًا” للسوق ما يزال، في جانب كبير منه، أسيرَ ممارساتٍ تسعيرية تُعيد إنتاج منطق الضبط القديم بأدواتٍ جديدة. فخلال الفترة الممتدة من النصف الثاني من مارس إلى مطلع أبريل 2026، لا يكتفي المجلس بتتبع حركة الأسعار، بل يذهب أبعد، نحو تفكيك الكيفية التي تُصنع بها هذه الأسعار، ومن يقود إيقاعها الحقيقي.
اللافت في خلاصات التقرير ليس وجود تواطؤ صريح، بل ما هو أكثر تعقيدًا: شكلٌ من “التنسيق غير المباشر” يتجلى في ذلك التقارب شبه الممنهج في توقيت مراجعة الأسعار، وفي مستويات التغيير نفسها بين مختلف الفاعلين. هنا، لا يحتاج السوق إلى اتفاق مكتوب كي يفرغ المنافسة من مضمونها؛ يكفي أن تتحرك الشركات ضمن إيقاع جماعي متشابه، حتى يتحول التعدد الظاهري للفاعلين إلى وحدة فعلية في السلوك. والنتيجة: سوق تبدو تنافسية في بنيتها، لكنها محدودة التنافس في مخرجاتها، خصوصًا حين يتعلق الأمر بحماية القدرة الشرائية للمستهلك.
هذا النمط، كما يقرأه المجلس، ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لما يمكن تسميته بـ”الذاكرة التنظيمية” للقطاع. ففي مرحلة ما قبل تحرير الأسعار، كانت القرارات تُتخذ وفق جداول زمنية مضبوطة ومركزية، وهو ما يبدو أنه لا يزال يُلقي بظلاله على سلوك الفاعلين، حتى بعد رفع القيود الرسمية. وكأن التحرير القانوني لم يُواكبه تحرر فعلي في العقليات والاستراتيجيات، حيث تستمر الشركات في التحرك وفق منطق “القطيع السعري”، بدل تطوير سياسات فردية تعكس خصوصياتها التشغيلية واللوجستية.
غير أن أكثر ما يثير الانتباه في هذا التشخيص هو المفارقة الرقمية التي يكشفها التحليل المقارن لانتقال أثر الأسعار الدولية. ففي الوقت الذي كان يُفترض أن يستفيد فيه المستهلك من تراجع أسعار الغازوال عالميًا، ظل هذا الانخفاض جزئيًا في السوق المحلية، بفارق ناقص بلغ 1,35 درهم للتر خلال شهر مارس. في المقابل، جاء سلوك البنزين في الاتجاه المعاكس، حيث تجاوزت الزيادات المسجلة داخليًا نظيرتها الدولية بفارق زائد قدره 0,33 درهم للتر. هذه الازدواجية في التفاعل لا تعكس فقط خللًا تقنيًا في آليات التسعير، بل تطرح سؤالًا أعمق حول منطق توزيع الأرباح والخسائر داخل السوق: من يتحمل الكلفة؟ ومن يجني الفارق؟
ضمن هذا السياق، لا يبدو النقاش حول أسعار المحروقات مجرد جدل ظرفي مرتبط بتقلبات الأسواق العالمية، بل يتحول إلى مرآة تعكس حدود نموذج التحرير الاقتصادي في صيغته الحالية. فحين لا تُترجم المنافسة إلى فروقات حقيقية في الأسعار، وحين لا تنتقل الانخفاضات الدولية بالسرعة نفسها التي تنتقل بها الزيادات، فإن السوق تفقد أحد أهم مبرراتها: تحقيق التوازن العادل بين الفاعلين والمستهلكين.
وفي العمق، يضع تقرير مجلس المنافسة الفاعلين أمام اختبار حقيقي: إما الانتقال من منطق “التعايش السعري” إلى منطق “التنافس الفعلي”، أو الاستمرار في إنتاج سوق بواجهة ليبرالية ومضمون شبه منسق. وبين هذا وذاك، يبقى المستهلك المغربي الحلقة الأضعف، في انتظار أن يتحول تحرير الأسعار من شعار اقتصادي إلى ممارسة يومية ملموسة تعكس فعلاً دينامية السوق، لا ذاكرة تنظيمها.