التمثيلية الاقتصادية بالمغرب: الشرعية القانونية في مواجهة الشرعية الفعلية داخل نسيج مقاولاتي يغيّر قواعده بصمت

0
215

في سياق انتخابي حساس يسبق محطة 14 ماي 2026 داخل الاتحاد العام لمقاولات المغرب، عاد إلى الواجهة نقاش قديم جديد حول معنى التمثيلية داخل المشهد الاقتصادي الوطني، وحول من يتحدث باسم من في نسيج مقاولاتي تتجاوز فيه المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة نسبة 97% من النسيج الإنتاجي بالمملكة، لكنها تظل خارج دوائر القرار الأكثر تأثيراً.

بلاغ الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة لم يكن مجرد موقف ظرفي مرتبط بانتخابات داخلية، بل جاء محمّلاً بذاكرة طويلة من التوتر المؤسسي، وبسردية تعتبر أن العلاقة مع “الباطرونا” لم تنجح في التحول إلى شراكة تمثيلية حقيقية، رغم محطات تاريخية أبرزها انفتاح تسعينيات القرن الماضي ومحاولات الإدماج التي رافقت التحولات الاقتصادية في عهد الملك الحسن الثاني، حين طُرح لأول مرة إدماج الفاعلين الجدد في النسيج المقاولاتي المنظم.

لكن خلف هذا السرد التاريخي، يظهر سؤال أكثر عمقاً: هل المشكلة في الأشخاص أم في بنية التمثيل نفسها؟

داخل البلاغ، يميّز الخطاب بين ترشيح ثنائي القيادة المرتقب داخل الاتحاد العام لمقاولات المغرب، وبين بنية تعتبرها الكونفدرالية “رافضة للتطور البنيوي” في تمثيل الاقتصاد الحقيقي للبلاد. فبينما يُنظر إلى الثنائي التازي – بشيري كفرصة لإعادة فتح قنوات الحوار، يتم التشديد في الوقت نفسه على أن تغيير الوجوه لا يعني بالضرورة تغيير قواعد اللعبة.

البلاغ يذهب أبعد من ذلك حين يضع إصبعه على ما يعتبره جوهر الأزمة: اختزال التمثيلية الاقتصادية في تنظيم واحد، مقابل تهميش فئة تشكل الغالبية الساحقة من الفاعلين الاقتصاديين، وتتحمل العبء الأكبر من التشغيل والاستقرار الاجتماعي، دون حضور فعلي في دوائر القرار العمومي أو المؤسسات الاستشارية.

وتستند الكونفدرالية في حججها إلى معطيات رقمية ثقيلة: أكثر من 4.2 مليون مقاولة صغيرة جداً، تمثل حوالي 83% من مناصب الشغل في القطاع الخاص، لكنها – وفق الطرح المقدم – تبقى خارج البرلمان الاقتصادي، وخارج مجالس إدارات مؤسسات استراتيجية، وخارج هندسة القرار المالي والجبائي.

في المقابل، يردّ الاتحاد العام لمقاولات المغرب من خلال ممثليه البرلمانيين، بالتأكيد على مشروعية تمثيله القانونية والتنظيمية، وعلى أن الإطار الدستوري والمؤسساتي يحدد بوضوح من يحق له التمثيل داخل الغرفة الثانية، مع التشديد على أن التنظيم الحالي يشمل في عضويته نسبة كبيرة من المقاولات الصغرى والمتوسطة، وأنه يدافع عن مصالحها بشكل غير تمييزي.

هذا التباين في الرؤية لا يقتصر على قراءة الأرقام، بل يمتد إلى مفهوم التمثيلية نفسه: هل هي شرعية قانونية محصورة في مؤسسة واحدة؟ أم شرعية اقتصادية تستمد قوتها من حجم الفاعلين الذين يتم تمثيلهم فعلياً؟

ضمن هذا السياق، تطرح الكونفدرالية سؤالاً محورياً حول ما تعتبره اختلالاً بنيوياً في تمثيل أصحاب القرار داخل بعض المقاولات الكبرى والمتوسطة، حيث يُلاحظ – بحسبها – أن التمثيل قد ينتقل من “صاحب المشروع” إلى “الموظف التنفيذي”، وهو ما تعتبره تحويلاً لطبيعة القرار الاقتصادي من منطق الاستثمار والمخاطرة إلى منطق التسيير الإداري.

هذا النقاش لا ينفصل عن إشكاليات أخرى أكثر تعقيداً، أبرزها آجال الأداء، الولوج إلى الصفقات العمومية، التمويل، وموقع هذه المقاولات في السياسات الصناعية والاستثمارية للدولة. وهي ملفات تشير تقارير ومرافعات مختلفة – من بينها ما نُشر في جريدة هسبريس الإلكترونية – إلى أنها ما تزال تثير توتراً بنيوياً بين الخطاب الرسمي للإدماج، والواقع العملي للتنفيذ.

في خلفية هذا الجدل، تظهر معطيات أكثر حساسية: تصاعد معدلات إفلاس المقاولات الصغيرة جداً، واستمرار هشاشتها أمام تقلبات السوق، في مقابل خطاب رسمي يؤكد على دعمها واعتبارها رافعة أساسية للنموذج التنموي.

البلاغ في جوهره لا يطرح فقط مطلب التمثيلية، بل يعيد فتح سؤال أعمق: هل يمكن لنموذج الحوكمة الاقتصادية الحالي أن يستوعب فعلياً تحولات البنية الإنتاجية المغربية، أم أن هناك فجوة متزايدة بين الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد المُمثَّل مؤسساتياً؟

أما الرسالة الموجهة إلى القيادة المرتقبة للاتحاد العام لمقاولات المغرب، فهي لا تخلو من نبرة اختبار سياسي ومؤسساتي في آن واحد: الاعتراف بحدود التمثيلية الحالية، وفتح نقاش جديد حول إدماج فعلي لفئة تمثل الأغلبية العددية والوظيفية في الاقتصاد الوطني، لا كمجرد مكون ثانوي، بل كفاعل مركزي في صياغة السياسات الاقتصادية.

وفي انتظار ما ستفرزه محطة 14 ماي 2026، يبدو أن السؤال الحقيقي لم يعد يتعلق بمن سيفوز بالرئاسة، بل بمن يملك حق تعريف “من يمثل الاقتصاد المغربي فعلياً”.