من بوسكورة إلى الهدر المدرسي: حين تتحدث الصور بصوت منخفض وتصرخ الأرقام بصمت أعلى

0
102

في جماعة أولاد صالح ببوسكورة، وتحديداً يوم الأحد 12 أبريل 2026، اختارت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، عبر مديرية الرياضة وبشراكة مع الجامعات الرياضية الوطنية، أن تفتح ما سمّي بـ“الأبواب المفتوحة”.

حدثٌ بروتوكولي في ظاهره، رياضي في عنوانه، تربوي في رسالته المعلنة. أطفال في فضاء رياضي، مسؤولون يتنقلون بين الأنشطة، كاميرات توثق اللحظة، وخطاب رسمي يعيد التأكيد على أهمية الرياضة في بناء شخصية الناشئة ومحاربة الهشاشة.

لكن خلف هذا المشهد الهادئ، كانت هناك أسئلة أكبر من حجم الفضاء نفسه، وأسئلة لا تدخل عادة في الصور الرسمية.

في بلد يُقدَّر فيه عدد التلاميذ الذين يغادرون المدرسة سنوياً بحوالي 280 ألف إلى 300 ألف حالة هدر مدرسي، وقد يقترب في بعض التقديرات من 350 ألف، يصبح أي نشاط تربوي أو رياضي صغير بمثابة نقطة في محيط واسع من الانقطاع الصامت.

الأرقام هنا ليست مجرد إحصاء إداري، بل هي سيرة اجتماعية كاملة تتكرر كل سنة: أطفال يغادرون الأقسام، أسر تواجه الهشاشة، ومسارات حياة تُرسم خارج المدرسة قبل أن تبدأ فعلياً.

في هذا السياق، تبدو “الأبواب المفتوحة” في بوسكورة كحدث محدود التأثير مقارنة بحجم الظاهرة. عشرات أو مئات من الأطفال في نشاط واحد، مقابل مئات الآلاف الذين يغادرون النظام التعليمي سنوياً دون أن يجدوا دائماً مسارات بديلة واضحة.

وهنا تبدأ المفارقة في الظهور:
بين خطاب يعتبر الرياضة أداة للاندماج، وواقع يثبت أن حجم التدخل لا يزال أقل بكثير من حجم المشكلة.

الهدر المدرسي في المغرب لم يعد مجرد قضية تعليمية صرفة. إنه اليوم أحد أبرز مداخل إنتاج الهشاشة الاجتماعية.

فكل تلميذ يغادر المدرسة مبكراً، يدخل مباشرة إلى فضاء مفتوح:

  • سوق عمل غير مهيكل في كثير من الحالات

  • هشاشة اقتصادية متواصلة

  • غياب التأطير التربوي والتكويني

  • ومسارات اجتماعية غير مستقرة

بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بانقطاع دراسي فقط، بل بـتحول اجتماعي صامت يُعاد إنتاجه سنوياً.

في المقابل، تُقدَّم الرياضة رسمياً كأحد الحلول الممكنة لهذا النزيف. فهي، من حيث المبدأ، فضاء للانضباط، ولإعادة الإدماج، ولبناء مسارات بديلة للشباب المنقطع عن الدراسة.

لكن على مستوى الواقع، تبدو هذه الوظيفة في كثير من الأحيان غير مكتملة:
برامج متفرقة، مبادرات ظرفية، وغياب رؤية موحدة قادرة على استيعاب حجم الظاهرة.

وهكذا تتحول الرياضة من أداة إدماج اجتماعي واسعة، إلى أنشطة محدودة الأثر داخل مشهد أكبر من الحاجة.

وإذا كان النقاش يتركز غالباً على “المدرسة”، فإن جزءاً آخر من الصورة يوجد داخل “الجامعات الرياضية”.

فعدد الجامعات والجمعيات الرياضية، خصوصاً في بعض الرياضات، يعكس كثافة تنظيمية واضحة، لكن السؤال الذي يظل مطروحاً هو:
هل هذه البنية قادرة فعلاً على لعب دور اجتماعي موازٍ لحجم الهدر المدرسي؟

في كثير من الحالات، تبدو الفجوة واضحة بين:

  • تعدد الإطارات التنظيمية

  • وضعف التنسيق بينها

  • وغياب برنامج وطني موحد لدمج المنقطعين عن الدراسة عبر الرياضة

النتيجة هي مشهد رياضي غني بالبنية، لكنه أقل غنى في الأثر الاجتماعي المباشر.

إلى جانب ذلك، يبرز تباين في طريقة التعامل مع الأنشطة الرياضية نفسها.

ففي بعض الأنشطة الرياضية البسيطة داخل الأحياء أو الفضاءات المفتوحة، لا يلاحظ حضور كبير للإجراءات التنظيمية المعقدة. بينما في أنشطة أخرى، خصوصاً المرتبطة بالرياضات القتالية أو التظاهرات غير المركزية، يظهر تدخل أكبر من السلطات التنظيمية والأمنية.

هذا التفاوت يفتح سؤالاً حساساً:
هل يتم التعامل مع الرياضة باعتبارها حقاً اجتماعياً يجب تنظيمه، أم كملف يخضع لمنطق المراقبة أكثر من منطق التأطير؟

في النهاية، تعود الصورة الأولى: بوسكورة، الأطفال، الأبواب المفتوحة، والحدث الذي بدا بسيطاً في ظاهره.

لكن خلف هذه الصورة، هناك واقع أكبر بكثير:
سنوات من الهدر المدرسي المتواصل، مئات الآلاف من التلاميذ يغادرون النظام التعليمي كل سنة، ومحاولات إدماج ما زالت أقل من حجم الظاهرة.

إنها ليست مقارنة بين حدث وآخر، بل بين سياسة تُرى في لحظتها، وواقع يتشكل طوال العام في صمت.

ويبقى السؤال الذي لا يغادر هذا المشهد: هل نحن أمام سياسة عمومية تُعالج جذور الهدر المدرسي فعلاً؟
أم أمام سلسلة من المبادرات التي تُعرض المشكلة أكثر مما تُواجهها؟

في كلتا الحالتين، تبقى الأرقام ثابتة، بينما تتغير فقط الصور.