حين يسقط القانون في سوق الشغل: عبد الرحيم الرماح يكشف اقتصاد الاستغلال الصامت للمرأة في المغرب

0
202

في نصّه الذي قدّمه ضمن ندوة نظمتها وزارة العدل على هامش المعرض الدولي للكتاب، لا يكتفي الأستاذ عبد الرحيم الرماح بعرض معطيات حول وضعية المرأة الأجيرة، بل يبني أطروحة متكاملة حول “العدالة كمدخل حاسم لولوج المرأة إلى سوق الشغل”، واضعًا القانون في قلب معادلة اجتماعية تتجاوز النصوص نحو سؤال الإرادة والتطبيق.

من زاوية تحليلية، ينطلق الرماح من تأطير تاريخي ذكي: استحضار جذور النضال النسائي العالمي منذ بدايات القرن العشرين ليس مجرد توثيق، بل رسالة ضمنية مفادها أن الحقوق لا تُمنح بل تُنتزع عبر التراكم. هنا، يربط الكاتب بين رمزية اليوم العالمي للمرأة وبين المسار المغربي، ليُظهر أن التحاق المرأة بسوق الشغل لم يكن تحوّلًا طبيعيًا، بل نتيجة دينامية اجتماعية ونضالية مستمرة.

غير أن جوهر طرح الرماح لا يقف عند سرد المكاسب، بل يتجه مباشرة إلى تفكيك مفارقة مركزية: المغرب يمتلك ترسانة قانونية متقدمة نسبيًا، لكن الواقع يكشف فجوة عميقة بين النص والتطبيق. هذه الفجوة، كما يلمّح، ليست تقنية فقط، بل بنيوية، ترتبط بثقافة اقتصادية واجتماعية لا تزال تنظر إلى القانون كعبء لا كرافعة.

في هذا السياق، يوجّه الرماح ثلاث رسائل متداخلة:

أولًا: إلى المجتمع
يضع المجتمع أمام مسؤوليته في إعادة إنتاج اللامساواة، خاصة من خلال استمرار “العبء المزدوج” الذي تتحمله المرأة بين العمل المأجور والعمل المنزلي. ضعف تمثيلية النساء نقابيًا، في تحليله، ليس مسألة اختيار فردي، بل نتيجة بنية اجتماعية غير متوازنة. وهنا يطرح ضمنيًا سؤالًا حرجًا: كيف يمكن الحديث عن تمكين اقتصادي دون تحرير الزمن الاجتماعي للمرأة؟

ثانيًا: إلى المسؤول وصانع القرار
ينتقل الخطاب إلى مستوى أكثر حدة حين يلامس مسؤولية الدولة. الإشارة إلى عدم احترام القانون حتى داخل بعض مؤسسات القطاع العام تحمل دلالة قوية: الخلل ليس فقط في القطاع الخاص، بل في نموذج الحكامة نفسه. حين لا تحترم الدولة قواعدها، فإنها تفقد شرعيتها الأخلاقية في فرضها على الآخرين.
هنا، يصبح تطبيق مدونة الشغل وقوانين الحماية الاجتماعية ليس مجرد إجراء إداري، بل اختبارًا فعليًا لجدية مشروع “الدولة الاجتماعية”.

ثالثًا: إلى المرأة المغربية
رغم أن الخطاب يبدو موجّهًا للدولة والمجتمع، إلا أن الرماح يحمّل أيضًا المرأة دورًا ضمنيًا في الانخراط في الفعل النقابي والحقوقي، مع إدراكه للإكراهات. هذه ليست دعوة لوم، بل دعوة وعي: الحقوق تحتاج إلى فاعلين يدافعون عنها من الداخل.

تحليل الرماح يتعمق أكثر حين يفكك خريطة الهشاشة القطاعية: من الصناعة إلى الفلاحة، مرورًا بقطاع النظافة والعمل المنزلي، تتكرر نفس الأنماط: أجور دون الحد الأدنى، غياب التغطية الاجتماعية، وظروف عمل لا إنسانية أحيانًا. هذه القراءة القطاعية تكشف أن الإشكال ليس معزولًا، بل هو نمط اقتصادي قائم على “هشاشة مؤنثة”.

فحين يتحدث الرماح عن اختلالات سوق الشغل، لا يتركها في مستوى الانطباع، بل يقدّم أمثلة صادمة تكشف حجم الهوة بين القانون والتطبيق. في قطاع النظافة، على سبيل المثال، يشير بوضوح إلى أن أجور العاملات تتراوح ما بين 1200 و1700 درهم شهريًا، في مقابل حد أدنى قانوني يبلغ 3422.72 درهم. هذه الأرقام ليست مجرد معطيات، بل هي في عمقها مؤشر على اقتصاد موازٍ داخل الاقتصاد الرسمي، حيث يُفرَّغ القانون من محتواه دون مساءلة حقيقية.

الأمر نفسه يتكرر في قطاعات أخرى، حيث يكشف الرماح أن بعض العاملات في برامج الإنعاش الوطني لا تتجاوز أجورهن 2500 درهم، بينما تنخفض لدى “العرضيات” إلى حدود 1700 درهم. هنا، يتحول السؤال من مجرد خلل في سوق الشغل إلى إشكال أخلاقي وسياسي: كيف يمكن لمؤسسات عمومية أن تشتغل خارج سقف القانون الذي يفترض أنها تحميه؟

وفي قطاع العمل المنزلي، يقدّم الرماح رقمًا آخر لا يقل دلالة: حوالي 7500 عقد شغل فقط تم إبرامها منذ دخول القانون 19.12 حيز التنفيذ سنة 2018. رقم يبدو ضعيفًا جدًا مقارنة بحجم هذا القطاع في الواقع، ما يعني أن جزءًا واسعًا من العاملات يشتغلن خارج أي إطار قانوني أو حماية اجتماعية. هنا، يتحول “الاستثناء” إلى قاعدة، ويصبح القانون أقرب إلى نية إصلاحية لم تكتمل.

أما في القطاع الفلاحي، ورغم غياب أرقام دقيقة في النص، فإن الرماح يعوّض ذلك بوصف نوعي كثيف: أجور دون الحد الأدنى، غياب للتصريح في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وظروف نقل “مأساوية” للعاملات. هذا الوصف، حتى بدون أرقام، يكتسب قوة إضافية لأنه يتقاطع مع وقائع متكررة في النقاش العمومي المغربي.

من خلال هذه الأرقام والمعطيات، ينجح الرماح في تمرير رسالة أساسية: المشكلة ليست في غياب القوانين، بل في “اقتصاد الخرق” الذي أصبح شبه مهيكل في بعض القطاعات. وهو ما يعيدنا إلى جوهر أطروحته حول ضرورة تفعيل مدونة الشغل، ليس كنص قانوني فقط، بل كأداة لإعادة التوازن داخل سوق الشغل.

تحليليًا، يمكن القول إن هذه الأرقام تفتح مستويات أعمق من القراءة:
هي تكشف أن الهشاشة ليست حالة استثنائية، بل نمط تشغيل قائم، خاصة في القطاعات المؤنثة.
وتطرح سؤال الإنتاجية: هل يمكن لاقتصاد يعتمد على أجور دون الحد الأدنى أن يحقق تنافسية حقيقية؟
كما تعيد طرح مفهوم “الدولة الاجتماعية”: هل تتحقق بالشعارات أم بضمان حد أدنى فعلي من الكرامة الاقتصادية؟

وفي هذا الإطار، تتحول دعوة الرماح إلى تفعيل القانون—مثل التصريح الإجباري بكل علاقة شغل أو اللجوء إلى القضاء وفق المادة 404—إلى محاولة لإعادة “تسليح” العاملات قانونيًا، في مواجهة اختلالات بنيوية.

لكن الأهم أن هذه الأرقام، رغم قوتها، تضعنا أمام مفارقة مقلقة: كلما كانت المعطيات أوضح، كلما أصبح الصمت المؤسسي أكثر صعوبة في التبرير. وهنا تحديدًا تكمن القيمة التحليلية لنص الرماح—أنه لا يكتفي بوصف الواقع، بل يحرج الفاعلين داخله.

وفي خلفية هذا التشخيص، يبرز رهان أكبر: تحقيق التماسك الاجتماعي. فالرماح لا يتحدث عن المرأة كفئة معزولة، بل كمدخل لإعادة توازن المجتمع ككل. احترام الحقوق الاجتماعية للنساء ليس فقط إنصافًا، بل شرطًا للاستقرار الاقتصادي والسياسي.

أما بخصوص المقترحات، فهي تعكس توجهًا عمليًا واضحًا: من تفعيل التصريح الإجباري بالشغل، إلى إحداث آليات للرصد، وصولًا إلى إدماج قضايا المرأة في صلب الحوار الاجتماعي. لكن الأهم هو دعوته إلى تفعيل القضاء كآلية ضغط، ما يعني نقل الصراع من مستوى الخطاب إلى مستوى المؤسسات.

من هذا المنطلق، يفتح نص الرماح الباب أمام أسئلة استراتيجية لا يمكن تجاهلها:
هل يمكن بناء اقتصاد تنافسي في ظل استمرار خروقات ممنهجة لحقوق نصف القوة العاملة؟
إلى أي حد يمكن لمشروع “الدولة الاجتماعية” أن ينجح دون عدالة شغلية فعلية للنساء؟
هل الإشكال في ضعف القوانين أم في غياب إرادة تطبيقها؟
وكيف يمكن إعادة هندسة العلاقة بين المقاولة والقانون من منطق الصراع إلى منطق الشراكة؟

في العمق، ما يقدمه الأستاذ عبد الرحيم الرماح ليس مجرد مداخلة حول المرأة والشغل، بل تشخيص لنموذج تنموي في طور الاختبار. فإما أن يتحول القانون إلى أداة فعلية للعدالة، أو يظل مجرد واجهة تخفي اختلالات أعمق.

وبهذا المعنى، فإن الفضل في الفكرة والتحليل والمضمون يعود بالكامل للأستاذ الرماح، بينما تكمن أهمية هذه القراءة في تفكيك أبعاد خطابه وإبراز امتداداته داخل أسئلة المغرب الاجتماعية والاقتصادية الكبرى.