في سياق تتصاعد فيه الأسئلة حول حدود السرد الذاتي في الأدب الحديث، يطلّ كتاب جديد للباحث يونس الإدريسي بعنوان “التخييل الذاتي: المفهوم والخصائص والقضايا”، الصادر عن منشورات السرديات بالدار البيضاء، ليعيد فتح ملفّ نقدي ظلّ لعقود في منطقة التداخل بين السيرة والرواية، وبين ما هو واقعي وما هو متخيل في كتابة الذات.
الكتاب، الممتد على نحو 200 صفحة من الحجم المتوسط، لا يكتفي بتعريف المفهوم بقدر ما ينخرط في تفكيك بنيته النظرية والتاريخية، متتبعًا مساره منذ سبعينيات القرن الماضي، حين برز المفهوم في السياق الغربي مع أعمال سيرج دوبروفسكي، بوصفه محاولة لاقتراح شكل سردي جديد يربك التصنيفات التقليدية للأجناس الأدبية. ومن هذا المنطلق، يضع الإدريسي القارئ أمام سؤال مركزي: هل يتعلق الأمر بموضة ما بعد حداثية عابرة، أم بتشكل جنس أدبي جديد يفرض إعادة النظر في أدوات النقد ذاته؟
ينطلق الكتاب من فرضية أساسية مفادها أن “التخييل الذاتي” لا يشتغل كبديل يلغي السيرة الذاتية أو الرواية، بل كمنطقة وسيطة تعيد توزيع الحدود بينهما. فهو لا ينفي حضور الواقع ولا ينغلق داخل الخيال، بل يبني خطابًا سرديًا مركبًا يجعل من الذات موضوعًا للكتابة ولإعادة التشكيل في الآن نفسه. وبهذا المعنى، تصبح الهوية السردية ليست مجرد استرجاع لتجربة شخصية، بل بناء لغوي ومعرفي يعيد إنتاج الذات داخل النص، بما يجعل القارئ طرفًا فاعلًا في إنتاج المعنى.
في هذا السياق التحليلي، يبرز الكتاب أهمية مساءلة التصورات الكلاسيكية التي ظلت تفصل بشكل حاد بين “الواقعي” و“المتخيل”. فالتخييل الذاتي، كما يعالجه الإدريسي، يقوم على مبدأ التداخل لا الفصل، حيث تتحول الكتابة إلى فضاء هشّ تتجاور فيه الذاكرة والتخييل، ويصعب فيه تثبيت حدود نهائية بين ما هو مرجعي وما هو سردي. وهو ما يمنح هذا النمط من الكتابة طابعه الإشكالي الذي جعله موضوعًا دائم النقاش داخل النقد الأدبي المعاصر.
من الناحية البنائية، يقسم الباحث كتابه إلى ثلاثة فصول رئيسية. يتناول الفصل الأول الإطار المفاهيمي عبر مقارنة التخييل الذاتي بالسيرة الذاتية والرواية، في محاولة لتحديد نقاط التماس والاختلاف، قبل الانتقال إلى تفكيك المفهوم لغويًا واصطلاحيًا. أما الفصل الثاني، فيستعرض أبرز التنظيرات التي رافقت نشأة المفهوم وتطوره، مع التوقف عند تمظهراته في الكتابة العربية، سواء على مستوى الممارسة النصية أو الاشتغال النقدي. في حين يخصص الفصل الثالث لامتدادات هذا الشكل السردي، من خلال علاقته بما بعد الحداثة والتحليل النفسي والكتابة النسوية، إضافة إلى الإشكاليات المرتبطة بثنائية التخييل واللاتخييل.
ويبدو أن أهمية هذا العمل لا تكمن فقط في مقاربته النظرية، بل في محاولته إعادة طرح سؤال الكتابة عن الذات داخل الأدب العربي المعاصر، في ظل تحولات سردية باتت تميل أكثر إلى تكسير الحدود بين الأنواع، وإعادة تشكيل العلاقة بين الكاتب ونصه وقارئه. فالتخييل الذاتي، في صيغته التي يقترحها الإدريسي، لا يُقدَّم كتصنيف جامد، بل كحقل متحرك يعكس تحولات أعمق في فهم الذات والكتابة والمعنى.
ويختم الكتاب بخلاصة تركيبية تسعى إلى تقديم تعريف مرن للمفهوم، لا يغلقه داخل حدود نظرية صارمة، بل يتركه مفتوحًا على امتداداته الممكنة داخل التجربة الأدبية المعاصرة، بما يجعل منه أداة قراءة أكثر منه قالبًا تصنيفيًا.
بهذا العمل، يساهم يونس الإدريسي في إعادة إحياء نقاش نقدي ظل حاضرًا في الهامش، لكنه اليوم يعود إلى الواجهة بوصفه أحد المفاتيح الأساسية لفهم تحولات السرد الحديث، حيث لم تعد الكتابة عن الذات مجرد استعادة للذاكرة، بل إعادة اختراع لها داخل النص.