من مليارات أوروبا إلى قوارب وهران… وهران تُفجّر ملفاً صادماً: توقيف 67 مغربياً رغم وعود أخنوش بـ“مليون منصب شغل”

0
98
توضيح واعتذار من صحيفة "المغرب الآن": بشأن العبارة “حكموهم” المرفقة بصورة خبر توقيف 67 مغربياً بوهران، تؤكد الصحيفة أن الصياغة لم تكن موفقة.

من مليارات أوروبا إلى قوارب وهران… لماذا يهرب شباب المغرب رغم وعود “مليون منصب شغل”؟

في وقتٍ يتدفق فيه الدعم الأوروبي على المغرب بمليارات الدراهم سنوياً تحت عنوان “تدبير الهجرة ومراقبة الحدود”، تتصاعد مفارقة صادمة: الدولة التي تتلقى تمويلاً للحد من النزيف البشري، تجد نفسها أمام موجات متزايدة من شباب يغامرون بحياتهم عبر مسارات أكثر خطورة، حتى عبر الجزائر. هذه المفارقة لا تتوقف عند حدود التدبير الأمني، بل تمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بجدوى السياسات العمومية في خلق البدائل. فالحكومة التي رفعت سقف الوعود بتوفير مليون منصب شغل، لم تنجح بعد في إقناع فئات واسعة بأن “البقاء” خيار قابل للحياة، في مقابل نموذج أوروبي مجاور مثل إسبانيا، الذي يواصل – رغم أزماته – ضخ مئات الآلاف من فرص العمل سنوياً، سواء لمواطنيه أو للمهاجرين، ما يعزز جاذبيته كوجهة، ويعمّق في المقابل فجوة الثقة لدى شباب الضفة الجنوبية.

في هذا السياق المشحون، يأتي توقيف 67 مغربياً بمدينة وهران الجزائرية، وفق ما أوردته تقارير إعلامية محلية، كحلقة جديدة في سلسلة لا تنتهي من محاولات “الهروب الجماعي”. العملية، التي وُصفت بأنها تفكيك لشبكة إجرامية ذات امتداد دولي، تكشف أن الهجرة لم تعد مجرد قرار فردي، بل أصبحت نشاطاً منظماً قائماً على استغلال الحاجة واليأس، ضمن اقتصاد ظل يتغذى من هشاشة اجتماعية متفاقمة.




تفاصيل العملية الأمنية تشير إلى مستوى عالٍ من التنظيم: نقل جماعي عبر مركبات وحافلات، نقاط إيواء سرية، وأساليب متطورة لتفادي المراقبة. ما يعني أن شبكات الاتجار بالبشر انتقلت من العشوائية إلى الاحتراف، مستفيدة من تضييق الخناق على المسارات التقليدية، لتفتح “ممرات بديلة” أكثر خطورة، من بينها السواحل الجزائرية.

غير أن السؤال الجوهري يبقى: لماذا يختار مغاربة عبور حدود نحو بلد يعرف توتراً سياسياً مع الرباط؟ الجواب لا يكمن فقط في الجغرافيا، بل في التحولات العميقة داخل المجتمع. فالهجرة هنا لم تعد “حلم تحسين الوضع”، بل أصبحت لدى البعض “خياراً اضطرارياً” أمام انسداد الأفق. إنها أزمة ثقة بقدر ما هي أزمة فرص.

الأسر المغربية تدفع الثمن بصمت. أبناؤها بين معتقلين أو مرحّلين أو مفقودين، وبعضهم في قبضة شبكات لا ترحم. معاناة لا تتوقف عند الغياب، بل تمتد إلى متاهات قانونية وإدارية معقدة، تبدأ بإثبات الهوية ولا تنتهي عند المطالبة باسترجاع جثامين الموتى. وفي هذا السياق، تتحول الدعوات الحقوقية لتسليم رفات مغاربة متوفين إلى اختبار إنساني حقيقي، يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.

الأرقام التي تكشفها الجمعيات الحقوقية تزيد الصورة قتامة: مئات الملفات لمغاربة محتجزين بالخارج، عشرات الأحكام الثقيلة، وعشرات الحالات في طور الترحيل. إنها ليست حالات معزولة، بل مؤشر على ظاهرة بنيوية تتسع بصمت.

وهنا تعود زاوية المساءلة إلى الواجهة: كيف لدولة تتلقى دعماً دولياً كبيراً لمكافحة الهجرة، أن تستمر في تصدير شبابها؟ وأين تتجسد فعلياً هذه الموارد في سياسات التشغيل والإدماج؟ هل نحن أمام اختلال في الأولويات، حيث يتم التركيز على ضبط الحدود بدل معالجة الأسباب العميقة؟

في المقابل، تقدم إسبانيا مثالاً مختلفاً في إدارة سوق الشغل، عبر قدرة مستمرة على خلق مئات الآلاف من فرص العمل سنوياً، ما يجعلها قادرة على استيعاب مواطنيها وجزء من المهاجرين، رغم التحديات الاقتصادية. هذا التباين لا يعكس فقط فارقاً في الإمكانيات، بل في نجاعة السياسات العمومية.

في العمق، تكشف هذه الأزمة عن مفارقة مغربية مؤلمة: بلد يحقق تقدماً في البنيات التحتية والمشاريع الكبرى، لكنه يفشل في إقناع جزء من شبابه بالبقاء. وبين خطاب الإنجاز وواقع الهجرة، تتسع فجوة صامتة عنوانها الأبرز: فقدان الثقة.

هكذا، لم تعد الهجرة مجرد عبور نحو الضفة الأخرى، بل أصبحت مرآة تعكس اختلالات عميقة في النموذج التنموي نفسه. وبين تفكيك الشبكات واعتقال المنظمين، يبقى السؤال الحقيقي معلقاً: متى يصبح “البقاء” في المغرب حلماً ممكناً، لا مخاطرة مؤجلة؟