لم يعد النقاش الدائر داخل حزب الأصالة والمعاصرة حول مستقبل القيادة الجماعية مجرد خلاف تنظيمي داخلي أو تعديل تقني في هندسة الحزب، بل بدأ يتحول إلى مؤشر سياسي عميق يكشف حجم القلق الذي يعيشه أحد أبرز مكونات الأغلبية الحكومية في المغرب. فحين يصل حزب بحجم “البام” إلى التفكير في عقد مؤتمر استثنائي أو دورة حاسمة لمجلسه الوطني من أجل إعادة النظر في نموذج القيادة الثلاثية، فهذا يعني أن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: “من يقود الحزب؟”، بل: “هل نجحت القيادة الجماعية فعلاً في حماية وحدة الحزب وضمان فعاليته السياسية؟”.
منذ تبني صيغة القيادة الثلاثية خلال المؤتمر الأخير، حاول الحزب تقديم نفسه كنموذج جديد في التدبير السياسي الداخلي، قائم على توزيع السلطة وتفادي إنتاج “الزعيم الأوحد” الذي طبع تجارب حزبية مغربية سابقة. وقد بدا ذلك الخيار حينها أشبه بتسوية تنظيمية ذكية هدفت إلى احتواء التوازنات الداخلية ومنع انفجار الصراعات بين التيارات والنخب المتنافسة داخل الحزب. لكن ما كان يُقدَّم كصيغة حداثية لتقاسم القرار، بدأ اليوم يُنظر إليه داخل دوائر واسعة من الحزب باعتباره آلية بطيئة ومربكة، تنتج تعدد الأصوات أكثر مما تنتج وضوح الرؤية.
القيادات التي تدفع اليوم نحو العودة إلى منصب الأمين العام الواحد لا تتحرك فقط بدافع تنظيمي، بل تعكس شعورا متزايدا بأن الحزب يفقد تدريجيا “صورته السياسية القوية” داخل المشهد الوطني. فالأحزاب، خصوصا تلك المشاركة في السلطة، تحتاج إلى واجهة واضحة قادرة على اتخاذ القرار بسرعة، ومواجهة الأزمات بخطاب موحد، وإعطاء الانطباع بوجود مركز قيادة فعلي. بينما كشفت التجربة الحالية، بحسب منتقديها، أن تعدد الرؤوس قد يتحول أحيانا إلى تعدد في الحسابات والرسائل وحتى في الطموحات.
وفي العمق، يبدو أن الأزمة تتجاوز مسألة الأشخاص نحو سؤال أكبر يتعلق بهوية الحزب ومستقبله السياسي. فـ حزب الأصالة والمعاصرة الذي تأسس أصلا كقوة سياسية ذات طابع “وظيفي” مرتبطة بإعادة تشكيل التوازنات الحزبية بالمغرب، يجد نفسه اليوم أمام اختبار صعب: هل يستطيع التحول إلى حزب مؤسسات حقيقي قادر على إنتاج قيادة مستقرة ومتجانسة؟ أم أنه ما يزال رهين التوازنات الظرفية والتحالفات الداخلية المؤقتة؟
طرح اسم يونس السكوري كأحد الأسماء المرشحة لقيادة الحزب ليس تفصيلا عابرا. فالرجل يُنظر إليه داخل بعض الأوساط كواجهة سياسية تمتلك القدرة على مخاطبة الدولة والفاعلين الاقتصاديين والنخب الحزبية بلغة هادئة وتكنوقراطية، كما يمثل جيلا يحاول تقديم صورة أكثر “عقلانية” و”مؤسساتية” للحزب. غير أن هذا الطرح يفتح بدوره أسئلة دقيقة: هل يبحث الحزب عن زعيم سياسي قادر على التعبئة الشعبية؟ أم عن مدير سياسي قادر على ضبط التوازنات الداخلية وطمأنة مراكز النفوذ؟
كما أن توقيت هذا النقاش ليس بريئا سياسيا. فالمغرب يعيش على وقع تحولات اجتماعية واقتصادية وضغط متزايد على الأحزاب المشكلة للحكومة، في ظل ارتفاع الانتظارات الشعبية واتساع النقاش حول الحصيلة الحكومية. لذلك يبدو أن جزءا من القلق داخل “البام” مرتبط أيضا بالخوف من دخول الاستحقاقات المقبلة بقيادة توصف داخل الحزب نفسه بأنها غير قادرة على صناعة المبادرة السياسية أو استعادة وهج الحزب داخل الشارع.
أما القواعد والمناضلون، فهم يعيشون بدورهم حالة ترقب وقلق صامت. فكل تغيير مفاجئ في هرم القيادة يعيد فتح الأسئلة القديمة حول الصراعات الداخلية ومراكز النفوذ والتوازنات الجهوية داخل الحزب. وهناك من يخشى أن يتحول المؤتمر الاستثنائي المرتقب من فرصة لإعادة الهيكلة إلى لحظة تصفية حسابات مؤجلة بين تيارات تعتبر أن مرحلة القيادة الجماعية لم تحسم فعليا مع منطق “الأجنحة المتنافسة”.
وفي المقابل، يرى أنصار العودة إلى الأمين العام الواحد أن الحزب بحاجة اليوم إلى “وجه سياسي واحد” يستطيع مخاطبة الرأي العام بوضوح، خصوصا في ظل سياق إقليمي ودولي سريع التحول، حيث أصبحت الأحزاب مطالبة بردود فعل أسرع وأكثر حسما. فالتردد أو تعدد المواقف داخل قيادة جماعية قد يُفسَّر خارجيا كعلامة ضعف أو ارتباك سياسي.
لكن السؤال الأخطر ربما لا يتعلق بشكل القيادة، بل بقدرة الحزب على الحفاظ على تماسكه بعد أي تغيير محتمل. فالتجارب الحزبية المغربية أظهرت مرارا أن الانتقال من قيادة جماعية أو توافقية إلى زعامة فردية قد يخلق منتصرين ومهزومين داخل التنظيم، وهو ما قد يفتح الباب أمام اصطفافات جديدة أو حتى انسحابات صامتة داخل بعض الدوائر.
لهذا، فإن ما يجري اليوم داخل حزب الأصالة والمعاصرة لا يمكن اختزاله في تعديل للنظام الأساسي أو إعادة توزيع للمناصب، بل هو معركة حول روح الحزب واتجاهه في المرحلة المقبلة. فإما أن ينجح في تحويل هذه اللحظة إلى إعادة بناء سياسية وتنظيمية تمنحه نفسا جديدا، أو يتحول النقاش حول القيادة إلى بداية اهتزاز أعمق داخل واحد من أكثر الأحزاب حضورا وتأثيرا في المشهد السياسي المغربي.