الانتخابات خارج صندوق الاقتراع: حمزة الأندلسي بن إبراهيم يقترح أن تتحول الجامعة إلى عينٍ علمية على الحملة الانتخابية

0
41

بقلم: حمزة الأندلسي بن إبراهيم، باحث متخصص في التشاور العمومي

حين نتحدث عن الانتخابات، غالباً ما يبدأ النقاش من يوم الاقتراع وينتهي عند إعلان النتائج. غير أن الانتخابات، في معناها السياسي والاجتماعي الأوسع، تبدأ قبل ذلك بكثير: تبدأ حين يخرج المرشحون إلى المواطنين، حين تُكتب البرامج، وتُرفع الشعارات، وتُطلق الوعود، وحين تبدأ الأحزاب في اختبار قدرتها على الإقناع والتعبئة وصناعة صورة المستقبل.

من هذه النقطة تحديداً ينطلق الأستاذ حمزة الأندلسي بن إبراهيم، الباحث المتخصص في التشاور العمومي، ليطرح فكرة تتجاوز الملاحظة التقليدية للانتخابات: إحداث «مرصد الباحث للحملة الانتخابية»، باعتباره إطاراً جامعياً مستقلاً للرصد الميداني والتحليل العلمي والتوثيق، لا بديلاً عن أجهزة ملاحظة الانتخابات ولا منافساً لها.

الفكرة في ظاهرها تقنية، لكنها في جوهرها تتصل بسؤال أعمق: من ينتج المعرفة حول الحملة الانتخابية المغربية؟

فالانتخابات لا تنتج فقط أصواتاً ونتائج ومقاعد. إنها تنتج أيضاً خطاباً سياسياً، وصوراً عن المجتمع، وأولويات اقتصادية واجتماعية، ووعوداً بالتغيير، وتمثلات للمرأة والشباب والفئات الاجتماعية والمجالات الترابية. وهذه المادة، في تصور الأندلسي بن إبراهيم، لا ينبغي أن تبقى عابرة بمجرد انتهاء الحملة.

الحملة نفسها، كما يقترح، يمكن أن تتحول إلى مختبر للبحث العلمي. فمن خلالها يمكن دراسة العلاقة بين المرشح والناخب، ومعرفة القضايا التي تصعد إلى واجهة الخطاب السياسي، وتتبع التحول في أساليب التواصل والتعبئة، وقياس حضور ملفات مثل التشغيل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والاستثمار والعدالة المجالية والبيئة والثقافة والحكامة.

وهنا تبدأ أهمية الفكرة.

لأن السؤال لا يعود فقط: ماذا قال المرشح؟ بل يصبح: لماذا اختار هذا الموضوع تحديداً؟ ولمن كان يخاطب؟ وهل الوعد الذي قدمه يدخل أصلاً ضمن اختصاص المؤسسة التي يسعى إلى تمثيلها؟ وهل يمتلك البرنامج أهدافاً قابلة للقياس وآجالاً للتنفيذ ومصادر محتملة للتمويل، أم أن الأمر يتعلق بشعار انتخابي مصمم للتعبئة؟

هذا التفريق الذي يقترحه الأندلسي بن إبراهيم مهم، لأنه ينقل دراسة الحملة من الانطباع إلى التفكيك العلمي للخطاب. فالمطلوب ليس إصدار حكم سياسي على الأحزاب أو المرشحين، وإنما بناء أدوات تسمح بفهم كيف تُصنع الوعود الانتخابية وكيف تتحول القضايا الاجتماعية والاقتصادية إلى مادة سياسية.

الجامعة: من قاعة الدرس إلى ميدان الانتخابات

في تصور صاحب المقترح، لا ينبغي أن تكون الجامعة حاضرة فقط عندما تنتهي الانتخابات، لتشرح النتائج وتقرأ الأرقام.

المطلوب هو أن تكون موجودة أثناء تشكل الظاهرة نفسها.

وهذا يعيد طرح وظيفة الجامعة داخل المجتمع. فالمغرب يتوفر على جامعات وكفاءات في القانون والعلوم السياسية والاقتصاد وعلم الاجتماع والجغرافيا والإعلام والتواصل والإحصاء وتحليل البيانات. فلماذا لا تتحول هذه الخبرات المتفرقة إلى عمل مؤسساتي منظم يواكب الحملات الانتخابية ويحولها إلى مادة للبحث العلمي؟

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس تقنياً فقط: هل تستطيع الجامعة أن تقترب من السياسة دون أن تتحول إلى طرف فيها؟

الأندلسي بن إبراهيم يضع الاستقلال العلمي والحياد في قلب المقترح. وهذا يعني أن قيمة المرصد لن تكون في قربه من الأحزاب أو المرشحين، وإنما في قدرته على الابتعاد عنهم جميعاً بالمسافة العلمية نفسها.

ولهذا يقترح أن يقوم المرصد على بنية وطنية ذات امتداد جهوي، من خلال إحداث مرصد في كل واحدة من جهات المملكة الاثنتي عشرة، تشرف عليه جامعة أو ائتلاف من الجامعات ومؤسسات التعليم العالي داخل الجهة.

وهذا التفصيل ليس مجرد هندسة إدارية.

إنه يحمل تصوراً مختلفاً لطريقة قراءة المغرب السياسي.

فالحملة الانتخابية في جهة ليست بالضرورة هي الحملة نفسها في جهة أخرى. والقضايا التي تحرك الناخب في المجال الحضري قد لا تكون هي نفسها في المجال القروي. كما أن علاقة المواطن بالتنمية والخدمات والنقل والتعمير والبيئة والمرافق الاجتماعية والثقافية تختلف بحسب المجال والمؤسسة المنتخبة.

لذلك يريد صاحب المقترح أن تكون هناك وحدة في المنهج واختلاف في القراءة: منهجية وطنية موحدة، لكن معرفة تنتج من داخل الجهات نفسها.

من يراقب الوعود؟

واحدة من أكثر النقاط دلالة في المقترح تتعلق بالوعود الانتخابية.

في الحياة السياسية، يمكن للوعود أن تمر سريعاً. يقال الكلام، تنتهي الحملة، تقع الانتخابات، ثم ينتقل النقاش إلى النتائج. لكن ماذا لو أصبح كل وعد انتخابي جزءاً من قاعدة بيانات قابلة للتوثيق والتحليل والمقارنة؟

هنا يتغير معنى الحملة.

فالمرصد المقترح لا يكتفي بتسجيل الخطابات، بل يريد تصنيفها حسب الموضوعات، وقياس حضور الملفات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والمؤسساتية، ثم التمييز بين المقترحات الدقيقة القابلة للقياس وبين الشعارات العامة ذات الوظيفة التعبوية.

وهذا يفتح سؤالاً استراتيجياً يتجاوز الانتخابات نفسها:

هل يمكن أن تتحول الذاكرة الانتخابية من أرشيف منسي إلى أداة لمساءلة جودة الخطاب العمومي؟

الأندلسي بن إبراهيم لا يقدم في نصه المرصد باعتباره جهازاً للمحاسبة السياسية، بل كأداة للمعرفة. لكن إنتاج هذه المعرفة قد تكون له آثار أوسع: إذ يمكن مستقبلاً أن يصبح بالإمكان تتبع تطور البرامج والخطابات من استحقاق انتخابي إلى آخر، ومعرفة كيف تتغير الأولويات، وكيف تنتقل القضايا من هامش الخطاب إلى مركزه، أو تختفي منه.

الباحثون الشباب يدخلون الميدان

المقترح يحمل أيضاً بعداً جامعياً واجتماعياً واضحاً.

فالمرصد، بحسب التصور الذي يقدمه صاحبه، لن يعتمد فقط على الأساتذة، وإنما سيشرك باحثي الدكتوراه وطلبة الماستر والمجازين في التخصصات ذات الصلة.

لكن المشاركة ليست عشوائية. فالأساتذة والباحثون المؤطرون يتولون المنهجية والإشراف والمراجعة، فيما يشارك الطلبة والخريجون في جمع المعطيات وإجراء المقابلات والتوثيق وتصنيف الخطابات والبرامج. وقبل النزول إلى الميدان، يقترح الأندلسي بن إبراهيم تكويناً خاصاً في القانون الانتخابي ومناهج البحث وتحليل الخطاب ومعالجة البيانات وأخلاقيات البحث وحماية المعطيات وقواعد الحياد.

بهذا المعنى، لا يصبح المرصد مشروعاً لدراسة الانتخابات فقط.

يمكن أن يصبح أيضاً مدرسة ميدانية للباحث الشاب.

وهذه نقطة لها علاقة مباشرة بسؤال أوسع حول الجامعة المغربية: هل يظل التكوين منفصلاً عن الواقع، أم يمكن أن تتحول الجامعة إلى فضاء ينتج المعرفة ويختبرها في المجتمع؟

الدولة توفر شروط العمل… والجامعة تحافظ على استقلالها

يضع المقترح وزارة الداخلية في موقع الشريك المؤسساتي الضروري لتسهيل العمل الميداني، باعتبارها الجهة المشرفة على تنظيم العمليات الانتخابية.

لكن الأندلسي بن إبراهيم يرسم في الوقت نفسه حدوداً واضحة لهذا التعاون: الوزارة توفر، في إطار القانون، الوصول إلى المعلومات العمومية الضرورية وتيسر عمل الفرق البحثية، بينما تحتفظ الجامعة بدورها في اختيار المناهج وتحليل المعطيات وصياغة النتائج.

وهنا تظهر إحدى أكثر النقاط حساسية في الفكرة:

كيف يمكن بناء تعاون مؤسساتي قوي مع الدولة من دون أن تتحول الشراكة إلى تبعية معرفية؟

الإجابة التي يقترحها صاحب المشروع تمر عبر اتفاقية إطار تجمع وزارة الداخلية والوزارة المكلفة بالتعليم العالي والبحث العلمي والجامعات المشاركة، وتحدد الاختصاصات والتمويل والتكوين وحماية المعطيات وشروط نشر النتائج.

أي أن العلاقة المقترحة ليست علاقة وصاية، وإنما تنسيق وظيفي مع استقلال علمي.

التمويل… الاختبار الحقيقي للاستقلال

لا يمكن لمشروع من هذا الحجم أن يعيش على الحماس الأكاديمي وحده.

فالبحث الميداني يحتاج إلى تنقل، وتكوين، واستمارات، ومعالجة بيانات، وفرق بحث، ولقاءات علمية، وتقارير. لذلك يقترح الأندلسي بن إبراهيم تمويلاً عمومياً مناسباً، مع إمكانية اعتماد طلبات مشاريع تنافسية لفائدة الجامعات وفرق البحث.

لكن التمويل هنا يتحول إلى قضية سياسية ـ مؤسساتية بحد ذاته.

فإذا كان المرصد سيبحث في الانتخابات، فمن يموله؟ ومن يحدد شروط التمويل؟ ومن يراقب الإنفاق؟ ومن يضمن ألا يصبح المال وسيلة للتأثير على النتائج؟

ولهذا يشدد المقترح على الشفافية والمراقبة، وعلى منع التمويل المباشر أو غير المباشر من الأحزاب والمرشحين، مع إعلان المشاريع والميزانيات والنتائج.

أي أن استقلال المرصد لا يبدأ عند كتابة التقرير؛ بل يبدأ من طريقة تمويله.

المرصد المقترح لا يراقب الناخب… بل يقرأ الظاهرة

ربما تكون هذه النقطة هي الأكثر أهمية في فهم فلسفة المشروع.

فصاحب المقترح يحرص على التأكيد أن المرصد لا يهدف إلى مراقبة أفكار الناخبين أو تقييم اختياراتهم السياسية. وظيفته هي فهم الظاهرة الانتخابية وتوثيقها وتحليلها وفق قواعد البحث العلمي.

وهذا يضع المشروع في منطقة مختلفة عن استطلاعات الرأي وعن ملاحظة نزاهة الاقتراع.

إنه يحاول أن يدرس ما يحدث قبل الصندوق: كيف تتشكل الرسائل السياسية، كيف تصاغ الوعود، كيف تتغير لغة الأحزاب، كيف تختلف الخطابات بين الجهات، وكيف تدخل وسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات الرقمية في صناعة العلاقة الجديدة بين السياسي والمواطن.

في زمن أصبحت فيه المنصات الرقمية جزءاً من الحملة، يصبح تجاهل هذه المساحة نوعاً من ترك جزء أساسي من الظاهرة السياسية خارج البحث.

من مراقبة الانتخابات إلى بناء ذاكرتها

في النهاية، تكمن قوة فكرة حمزة الأندلسي بن إبراهيم في أنها لا تنظر إلى الانتخابات باعتبارها حدثاً ينتهي بإعلان النتائج.

هو يقترح النظر إليها باعتبارها مادة معرفية متراكمة.

اثنا عشر تقريراً جهوياً، وتقرير وطني تركيبي، وقواعد بيانات، ومقابلات، وتحليل للخطابات والشعارات والبرامج والوعود، ومقارنات بين المدن والقرى وبين الجهات وبين الاستحقاقات الانتخابية. هذه كلها يمكن أن تتحول، إذا أنجزت باستقلال ومنهجية، إلى ذاكرة علمية للممارسة الانتخابية المغربية.

وهنا يتجاوز المقترح حدود إنشاء مرصد جديد.

السؤال الأكبر الذي يضعه أمام الجامعة والدولة والمجتمع هو: هل نريد فقط انتخابات نراقب نزاهتها يوم الاقتراع، أم نريد أيضاً معرفة علمية تفهم ما الذي قيل للمواطنين قبل أن يضعوا أوراقهم في الصندوق؟

هذا السؤال، في جوهره، هو ما يجعل فكرة «مرصد الباحث للحملة الانتخابية» أكثر من مشروع تقني. إنها دعوة إلى إعادة تعريف موقع الجامعة في الحياة العامة، وإلى التعامل مع الحملة الانتخابية باعتبارها مادة من مواد التنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لا مجرد مرحلة عابرة بين الترشيح والاقتراع.

وإذا كان الاقتراع ينتج النتائج، فإن البحث العلمي يستطيع أن يحفظ ما سبق النتائج: الخطاب، والوعود، والقضايا، والتحولات، والانتظارات الاجتماعية، وطريقة مخاطبة المواطن.

وهذه هي الفكرة الأساسية التي يطرحها حمزة الأندلسي بن إبراهيم، الباحث المتخصص في التشاور العمومي: أن يصبح للانتخابات المغربية، إلى جانب ذاكرتها السياسية، ذاكرة علمية موثقة وقابلة للدرس والمقارنة والتراكم.