نجيب محفوظ.. ابن الحضارتين العربية والإسلامية الذي أوصل صوت الشرق إلى العالمية

0
36
بعد 20 عاماً على رحيله، يعود نجيب محفوظ إلى الواجهة: مسيرته الأدبية، أشهر أعماله، ورحلة الكاتب المصري من أزقة القاهرة إلى جائزة نوبل.
الأديب المصري نجيب محفوظ - مصدر الصورة: شبكة الإنترنت

القاهرة — في القاهرة القديمة، حيث الأزقة أضيق من أن تسمح للمرء بأن يهرب من عيون الآخرين، وحيث يعرف الجار عن جاره ما قد لا يعرفه الإنسان عن نفسه، كان هناك طفل اسمه نجيب محفوظ. لم يكن يعرف، وهو يعبر شوارع الجمالية في بدايات القرن العشرين، أن هذه الأزقة ستصبح بعد عقود واحدة من أشهر الخرائط الأدبية في العالم، وأن أسماء مثل بين القصرين وقصر الشوق والسكرية وزقاق المدق والحرافيش ستخرج من حدود القاهرة لتدخل مكتبات باريس ولندن ونيويورك وستوكهولم.

في 30 غشت (أغسطس/آب) 2006، رحل محفوظ في القاهرة عن 94 عاماً. وبعد عشرين عاماً على رحيله، يبدو أن الرجل الذي كان يكتب عن البشر أكثر مما يكتب عن الأحداث لم يرحل تماماً؛ لأن مدينته ما زالت تتكلم بلغته، وشخصياته ما زالت تمشي في الشوارع نفسها، وأسئلته عن الزمن والموت والحب والإيمان والعدالة والسلطة لم تفقد شيئاً من قدرتها على إزعاج القارئ. بل ربما ازدادت إلحاحاً.

وفي 2026، تستعيد مصر ذكرى محفوظ عبر برنامج ثقافي وطني واسع، فيما تحتفي مؤسسات ثقافية وأدبية عدة بإرثه، من بينها الهيئة العامة لقصور الثقافة، التي خصصت برامج وندوات وعروضاً لاستعادة أعماله وتقديمها إلى الأجيال الجديدة. كما أعلنت دار نشر الجامعة الأمريكية في القاهرة القائمة القصيرة لجائزة نجيب محفوظ للأدب لعام 2026، في الذكرى العشرين لرحيله.

لكن السؤال الأهم ليس: لماذا ما زلنا نتذكر نجيب محفوظ؟

السؤال هو: لماذا لم يستطع الزمن أن يهزم الرجل الذي كان موضوعه الأساسي هو الزمن؟

القاهرة التي لم تكن خلفية للرواية.. بل كانت الرواية نفسها

كان محفوظ ابن القاهرة قبل أن يكون روائياً عنها.

ولد في الجمالية عام 1911، وعاش معظم حياته في القاهرة، وظلت المدينة حاضرة في القسم الأكبر من عالمه الأدبي. ولم تكن القاهرة عنده مجرد ديكور تتحرك أمامه الشخصيات، وإنما كانت كائناً حياً يتغير ويتنفس ويشيخ ويقاوم.

وهنا تكمن إحدى عبقرياته الكبرى.

لقد أخذ محفوظ مكاناً يبدو صغيراً في الجغرافيا، ثم جعله واسعاً بما يكفي لاستيعاب العالم.

الحارة عنده ليست شارعاً ينتهي عند آخره. إنها دولة مصغرة، فيها الحاكم والمحكوم، والغني والفقير، والعاشق والقاتل، والشيخ والعاهرة، والموظف الصغير والحالم الكبير. وفيها أيضاً ذلك الشيء الذي لا يستطيع أي أحد أن يمنعه: الإنسان وهو يحاول أن يعرف لماذا يعيش.

ولهذا رأت الأكاديمية السويدية أن القاهرة تتكرر في رواياته وقصصه ومسرحياته، وأن أحياءها القديمة تتحول في أعماله إلى فضاء أدبي قائم بذاته. كما وصفته مصادر فرنسية بأنه جعل القاهرة التي ولد فيها مركزاً لعالمه الروائي، وأن أحياءها وسكانها أصبحوا قلب مشروعه الأدبي.

لم يكن محفوظ بحاجة إلى السفر كثيراً كي يرى العالم.

كان العالم يأتي إليه في الحارة.

من الفراعنة إلى موظف الحكومة.. رحلة البحث عن مصر

لم يبدأ محفوظ من القاهرة الحديثة.

في بداياته اتجه إلى الرواية التاريخية، واستعاد مصر الفرعونية في أعمال مثل عبث الأقدار ورادوبيس وكفاح طيبة. وكان من اللافت أن الكاتب الذي سيصبح لاحقاً أكثر الروائيين التصاقاً بالقاهرة الحديثة بدأ بمحاولة البحث عن مصر في أقدم طبقات ذاكرتها.

لكن التاريخ لم يكن بالنسبة إليه هروباً من الحاضر.

كان وسيلة لفهمه.

فالفرعون والملك والكاهن والمحارب في رواياته المبكرة ليسوا بعيدين تماماً عن الموظف والسياسي والمواطن في العصر الحديث. تتغير الملابس والأسماء والقصور، لكن أسئلة السلطة والحب والطموح والمصير تبقى في مكانها.

ثم انتقل محفوظ تدريجياً إلى الرواية الاجتماعية الواقعية، وأصبح أكثر التصاقاً بمصر التي يعرفها الناس في الشوارع والمنازل والمقاهي. وتشير الهيئة العامة للاستعلامات إلى أن تجربته انتقلت من الرواية التاريخية إلى الرواية الاجتماعية والفلسفية والرمزية، وأن أعماله صورت خصوصاً حياة الطبقة الوسطى في أحياء القاهرة وما حملته من أحلام ومخاوف وأسئلة مصيرية.

كان محفوظ، في جوهر مشروعه، يبحث عن مصر في الإنسان المصري.

«زقاق المدق».. حين يصبح المكان شخصية

في زقاق المدق، المنشورة عام 1947، نرى واحدة من أوضح تجليات هذه الطريقة.

الزقاق ضيق، لكن الشخصيات داخله كثيرة. وكل شخصية تحمل معها عالماً خاصاً من الرغبات والخيبات والأحلام.

هناك حميدة، والحلاق عباس، وكرشة، وصاحب المقهى، والحسين العارف، وغيرهم. لكن محفوظ لا يقدمهم باعتبارهم شخصيات منفصلة فقط؛ إنه يضعهم في شبكة اجتماعية تجعل مصير كل واحد منهم متصلاً بمصير الآخرين.

وهكذا يصبح الزقاق نفسه بطلاً.

وهذه ليست مصادفة فنية؛ فالأكاديمية السويدية أشارت في عرضها لجائزة نوبل إلى أن زقاق المدق تحول إلى مسرح يجمع مجموعة متنوعة من الشخصيات المرسومة بواقعية نفسية لافتة.

كان محفوظ يعرف أن المكان لا يصنع الإنسان وحده، وأن الإنسان بدوره يعيد تشكيل المكان.

ولهذا بقيت أزقته قابلة للسفر.

من يقرأ زقاق المدق في القاهرة قد يجد فيه شارعاً في الرباط أو بيروت أو تونس أو باريس أو إسطنبول، لأن الإنسان الذي يسكن المكان أكثر اتساعاً من المكان نفسه.

الثلاثية.. الأسرة التي أصبحت مرآة لمصر

ثم جاءت الثلاثية: بين القصرين، قصر الشوق، السكرية.

وهنا لم يعد محفوظ يكتب عن أسرة فقط، وإنما عن مصر وهي تعبر من زمن إلى زمن.

تمتد الأحداث عبر عقود من التحولات الاجتماعية والسياسية، وتتحرك الأسرة داخل عالم تتغير فيه علاقة الأبناء بالآباء، والمرأة بالرجل، والدين بالمجتمع، والتقاليد بالحداثة.

كان أحمد عبد الجواد، رب الأسرة، يبدو في البداية كأنه سيد عالمه. لكن الزمن الذي يدخل البيت من النوافذ والأبواب كان أقوى من الأب.

وهذه واحدة من الأفكار المركزية في عالم محفوظ: الزمن لا يطلب الإذن عندما يدخل حياة البشر.

الآباء يعتقدون أن أبناءهم امتداد لهم، والأبناء يكتشفون أنهم أبناء زمن آخر.

ولهذا لم تكن الثلاثية مجرد ملحمة عائلية؛ لقد كانت، كما أشارت الأكاديمية السويدية، تصويراً واسعاً لأسرة قاهرية وتبدلاتها في سياق الظروف الفكرية والاجتماعية والسياسية لمصر.

محفوظ والإنسان العادي

ربما كان أهم ما فعله نجيب محفوظ أنه أعاد الاعتبار إلى الإنسان العادي.

لم يكن أبطاله جميعاً زعماء أو أبطالاً تاريخيين أو عباقرة.

كانوا موظفين، تجاراً، عمالاً، نساءً يبحثن عن الأمان، شباباً يطاردون الحب، شيوخاً يخافون الموت، ومثقفين يبحثون عن معنى.

لكن محفوظ كان يرى أن الإنسان العادي يحمل داخله مأساة كافية لصناعة رواية عظيمة.

وهنا تتقاطع تجربته مع فكرة أدبية عميقة: التاريخ الرسمي يكتب أسماء الحكام، بينما الأدب يحاول أن يتذكر الذين عاشوا تحت حكمهم.

ولهذا وصفته الأكاديمية السويدية بأنه لم يكتفِ بتصوير الحياة المصرية، وإنما تناول أسئلة إنسانية وفلسفية ووجودية واسعة، وجعل أعماله قابلة لأن تتجاوز حدود المكان الذي نشأت فيه.

عندما دخل محفوظ منطقة الفلسفة

بعد الواقعية الاجتماعية، بدأ محفوظ يتحرك نحو مناطق أكثر تعقيداً.

اللص والكلاب، الطريق، الشحاذ، ثرثرة فوق النيل، ميرامار، أولاد حارتنا، الحرافيش، رحلة ابن فطومة وغيرها من الأعمال كشفت أن محفوظ لم يكن يريد أن يكرر نفسه.

كلما اقترب القارئ من الاعتقاد بأنه عرف محفوظ، كان الكاتب يغير الباب ويدخله إلى غرفة أخرى.

في اللص والكلاب يصبح الانتقام سؤالاً عن العدالة والخيانة والضياع.

وفي ثرثرة فوق النيل تتحول العائمة على النيل إلى فضاء للسخرية من اللامبالاة والانفصال عن الواقع.

وفي ميرامار، تتعدد الأصوات والروايات، وكأن الحقيقة نفسها أصبحت شيئاً لا يمكن الإمساك به من زاوية واحدة.

أما أولاد حارتنا فكانت شيئاً آخر.

كانت الرواية الأكثر إثارة للجدل في مسيرته، بسبب استخدامها الرمزي لشخصيات تستدعي شخصيات دينية كبرى، وهو ما أدى إلى منع نشرها في مصر لفترات طويلة وإلى تعرض محفوظ للتهديد لاحقاً. وفي عام 1994 تعرض لمحاولة اغتيال طعناً، لكنه نجا منها واستمر في الكتابة والحياة العامة.

وهنا تظهر شخصية محفوظ خارج الكتب: رجل هادئ، لكنه لم يكن مستعداً للتخلي عن حق الأدب في السؤال.

الصمت.. حين يموت المجتمع داخل الكاتب

من أكثر مراحل حياة محفوظ دلالة تلك الفترة التي توقف فيها عن نشر الروايات لعدة سنوات بعد ثورة يوليوز (يوليو/تموز) 1952.

قد يبدو الصمت في حياة الكاتب فراغاً.

لكن صمت محفوظ كان امتلاءً.

كان يراقب مصر وهي تتغير، ويشعر بأن المجتمع الذي كان يكتب عنه يتحول إلى شيء آخر. ووفق شهادة نقلتها لوموند، وصف محفوظ تلك السنوات بأنها كانت مؤلمة، وكأن مجتمعاً كان يستكشفه قد مات، ومات معه جزء منه.

ثم عاد.

وعندما عاد لم يعد هو الكاتب نفسه.

انتقل بصورة أكبر إلى الرمز، والتكثيف، واللغة التي تقول شيئاً وتخفي خلفه شيئاً آخر.

وهكذا أصبح الصمت نفسه جزءاً من تطور مشروعه.

نوبل.. الجائزة التي خرجت من زقاق مصري إلى العالم

في 13 أكتوبر (تشرين الأول) 1988، أعلنت الأكاديمية السويدية منح نجيب محفوظ جائزة نوبل في الأدب.

كان في السابعة والسبعين.

وكان القرار تاريخياً لأكثر من سبب: محفوظ كان أول مصري يحصل على نوبل في الأدب، وأول كاتب لغته الأم العربية يفوز بالجائزة. وقالت الأكاديمية إن أعماله أسهمت في تطوير الرواية وفي الارتقاء باللغة الأدبية داخل الثقافات العربية، وإن إنتاجه يخاطب الإنسانية جمعاء.

لم يكن محفوظ في ستوكهولم لتسلم الجائزة بسبب ظروفه الصحية، وألقيت كلمته بالنيابة عنه.

لكن المفارقة أن الرجل الذي كان قد أمضى حياته كلها تقريباً في القاهرة كان في تلك اللحظة حاضراً في العالم كله.

كانت القاهرة قد وصلت إلى ستوكهولم.

واللغة العربية، التي كتب بها محفوظ عن الحارة والمقهى والأسرة والموظف والعاشق والخائف، جلست للمرة الأولى في موقع لم يكن العالم قد اعتاد أن يراها فيه.

في خطاب نوبل، تحدث محفوظ عن ولادته بين حضارتين، المصرية القديمة والحضارة العربية الإسلامية، وعن امتنانه للثقافتين، مؤكداً أن الجائزة لم تكن له وحده بقدر ما كانت اعترافاً بلغة وحضارة وتاريخ.

وهنا كانت نوبل أكبر من جائزة لكاتب.

كانت اعترافاً بأن الرواية العربية لم تعد بحاجة إلى مترجم كي تثبت أنها أدب عالمي؛ أصبحت تحتاج إلى مترجم لكي يصل صوتها إلى العالم.

لماذا استحق محفوظ نوبل؟

الجواب لا يكمن في عدد رواياته فقط.

ولا في شهرة الثلاثية وحدها.

ولا حتى في كونه أول عربي يحصل على الجائزة.

الجوهر هو أنه استطاع أن يجعل المحلي عالمياً.

كتب عن الجمالية، لكن القارئ في طوكيو أو باريس أو لندن يستطيع أن يرى نفسه فيها.

كتب عن الأب المصري، لكن صراعه مع أبنائه ليس مصرياً وحده.

كتب عن الحب، والخوف، والموت، والإيمان، والشك، والعدالة.

وهذه ليست ملكاً لمدينة.

إنها ملك للإنسان.

لهذا قالت الأكاديمية السويدية إن فن محفوظ الروائي يمثل مزيجاً من التقاليد العربية الكلاسيكية والتأثيرات الأوروبية والفن الشخصي، وإن أسئلته تتجاوز الحدود الثقافية.

محفوظ بين الأدب والسينما

لم يبق محفوظ داخل الكتب.

تحولت أعماله إلى أفلام ومسلسلات، وأصبحت السينما أحد أهم الأبواب التي دخل منها إلى الجمهور الذي ربما لم يقرأ رواياته.

وتشير المصادر إلى أن نحو نصف رواياته كانت قد تحولت إلى أفلام بحلول وقت حصوله على نوبل، فيما أصبحت أفلام مثل بداية ونهاية وزقاق المدق والثلاثية وميرامار جزءاً من الذاكرة السينمائية العربية.

لكن السينما لم تبتلع محفوظ.

على العكس، ساعدته على الانتشار.

فالسينما أعادت الشخصيات إلى الشارع، وأعادت الشارع إلى الجمهور، وأثبتت أن الرواية يمكن أن تعيش أكثر من حياة.

محفوظ واللغة التي استطاعت عبور الحدود

هناك جانب آخر من إرث محفوظ لا يقل أهمية عن نوبل: الترجمة.

فأعماله أصبحت جزءاً من المكتبة العالمية، وترجمت إلى الإنجليزية والفرنسية ولغات أخرى.

وتكشف سجلات المكتبة الوطنية الفرنسية، مثلاً، عن ترجمة الثلاثية إلى الفرنسية بواسطة فيليب فيغرو، فيما تواصل المؤسسات الثقافية الفرنسية الاهتمام بمحفوظ وترجمته بوصفه أحد أهم الجسور بين الأدب العربي والفرنسي.

وهذا البعد مهم لأن محفوظ لم يكن كاتباً يسافر إلى العالم؛ كان العالم هو الذي يسافر إلى كتبه.

حين يقرأ الفرنسي Impasse des deux palais أو القارئ الإنجليزي Palace Walk، فهو لا يدخل القاهرة بوصفها مدينة سياحية، وإنما يدخلها من باب البيت والمقهى والحارة والعائلة.

لماذا يبدو محفوظ أكثر حضوراً بعد عشرين عاماً من رحيله؟

ربما لأن الزمن الذي كان يخشاه أبطاله هو نفسه الزمن الذي أثبت قيمته.

بعد عقدين من رحيله، ما زالت مصر تستعيده، وما زالت الجامعات والهيئات الثقافية تعقد الندوات حوله، وما زالت أعماله تترجم وتطبع، وما زالت جائزة تحمل اسمه تمنح لكاتب عربي جديد.

وفي الذكرى العشرين لرحيله، أعلنت دار نشر الجامعة الأمريكية في القاهرة قائمة قصيرة لجائزة نجيب محفوظ للأدب لعام 2026 من بين 143 رواية مقدمة من 23 دولة، على أن يعلن الفائز في 11 دجنبر (ديسمبر/ كانون الأول) المقبل، يوم ميلاد محفوظ.

وهنا تبدو المفارقة الجميلة:

الرجل الذي مات في 2006 ما زال يمنح جائزة في 2026.

وكأن الكاتب الذي أمضى حياته في مراقبة تعاقب الأجيال لم يسمح لموته بأن يكون نهاية الحكاية.

محفوظ.. ابن القاهرة الذي أصبح ابن الإنسانية

كان محفوظ مصرياً إلى درجة لا يستطيع معها أحد أن يفصله عن القاهرة.

لكنه كان إنسانياً إلى درجة جعلت العالم يتعرف إلى نفسه في القاهرة.

وهذه ربما هي المعادلة التي صنعت خلوده.

لم يحاول أن يكتب رواية عالمية بالمعنى الذي قد يجعلها بلا وطن.

كتب رواية مصرية عميقة.

وكانت مصر، في النهاية، أكبر من أن تبقى محلية.

من الجمالية خرج الطفل الذي أحب الفلسفة والأدب، ومن الوظيفة الحكومية خرج الكاتب الذي عرف كيف يراقب البشر من دون أن يعلن نفسه قاضياً عليهم، ومن المقهى خرجت أسئلة السياسة والحياة، ومن الحارة خرجت روايات عبرت القارات، ومن اللغة العربية خرج اسم جلس في الأكاديمية السويدية أمام العالم.

وحين جاء نجيب محفوظ إلى نوبل، لم يكن قد ذهب بعيداً عن بيته.

كان بيته هو الذي اتسع.

اتسع حتى صار القاهرة، ثم مصر، ثم العالم العربي، ثم العالم كله.

ولهذا، فإن الاحتفاء بمحفوظ بعد عشرين عاماً من رحيله لا ينبغي أن يكون احتفالاً بكاتب مات، بل قراءةً لكاتب ما زال حياً في الأسئلة التي تركها وراءه.

ما معنى أن يعيش الإنسان وسط تاريخ لا يرحمه؟

هل يمكن للحب أن ينتصر على الخوف؟

هل يستطيع الأب أن يفهم ابنه قبل أن يضيع؟

هل العلم خلاص أم خطر؟

هل الإيمان إجابة أم سؤال؟

وماذا يبقى من الإنسان عندما يمر الزمن؟

كان محفوظ يضع هذه الأسئلة على مائدة بسيطة، في بيت مصري، أو مقهى قديم، أو زقاق ضيق.

ثم يترك القارئ وحده.

وهناك، في تلك اللحظة، تبدأ الرواية الحقيقية.

فمحفوظ لم يكن مجرد الرجل الذي فاز بنوبل عام 1988.

كان الرجل الذي جعل الحارة المصرية قادرة على الحديث مع العالم، وجعل العالم يرى في مرآة القاهرة شيئاً من وجهه.

وبعد عشرين عاماً من غيابه، ربما يكون هذا هو المعنى الأصدق لبقائه: أن بعض الكتّاب لا تنتهي حياتهم عندما يموتون، لأنهم يكونون قد وضعوا جزءاً من حياتهم داخل حياة الآخرين.

وفي حالة نجيب محفوظ، وضعها في مكان يعرفه جيداً:

في الحارة.

وفي الإنسان.