منير ليموري ينفي «الهروب».. وسفر العمدة يلتقي مع اتساع دائرة البحث في قضية مدرسة القدس

0
94

بعد ثلاثة أيام فقط من فتح البحث القضائي في وقائع مدرسة القدس بطنجة، انتقلت القضية من حدود ما جرى داخل مكتب التصويت إلى سؤال آخر أكثر حساسية: أين يقف اسم عمدة طنجة من هذا الملف، ولماذا أصبح سفره خارج المغرب جزءاً من النقاش الدائر حول التحقيق؟

منير ليموري، عمدة طنجة والقيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، خرج للرد على رواية تحدثت عن مغادرته المغرب تفادياً لأبحاث مرتبطة بالقضية. ونفى بشكل قاطع أن يكون «هارباً»، مؤكداً أنه يوجد خارج التراب الوطني لأسباب شخصية، وأنه سيعود إلى المغرب مع بداية الأسبوع المقبل. وبحسب توضيحه، فإن السفر تم رفقة أسرته لقضاء عطلة نهاية الأسبوع وقضاء بعض المصالح الشخصية، ولا علاقة له بالملف القضائي المفتوح.

هذه الرواية جاءت في وقت كانت فيه معلومات أخرى تتداول محلياً حول وضع ليموري في مسار الأبحاث. بعض المنابر تحدثت عن مذكرة بحث في حقه، بل وعن مذكرة بحث دولية، بينما أشارت مصادر أخرى إلى أن طلب الاستماع إليه يرتبط أساساً بموقعه في الحملة الانتخابية لحزب الأصالة والمعاصرة بطنجة. لكن هذه المعطيات، حتى كتابة هذا المقال، لا تستند إلى بلاغ رسمي منشور من النيابة العامة أو المصالح الأمنية يؤكد صدور مذكرة بحث وطنية أو دولية في حقه.

وهذا الفارق مهم، لأن القضية دخلت مرحلة لا يكفي فيها ما يتناقله الإعلام المحلي أو ما تنقله المصادر غير المسماة لإثبات وضع قانوني لشخص بعينه.

المؤكد أن النيابة العامة فتحت بحثاً قضائياً عقب انتشار مقطع فيديو يظهر صندوقاً زجاجياً بداخله عدد من الأغلفة البيضاء داخل أحد مكاتب التصويت بمدرسة القدس. كما فُتح بحث آخر بعد ضبط شخص في محيط المؤسسة التعليمية وهو يحمل حقيبة تحتوي على أوراق انتخابية.

ثم بدأت القضية تتسع.

مصادر إعلامية تحدثت عن توقيف أربعة أشخاص، بينهم الشخص الذي ضبطت بحوزته الأوراق الانتخابية، وأشخاص آخرون ارتبطت أدوارهم، بحسب تلك المعطيات، بمكاتب التصويت أو بنقل الأوراق. وفي تقارير لاحقة ارتفع الرقم المتداول إلى خمسة موقوفين، مع استمرار الأبحاث لتحديد مصدر الأوراق ومسارها ومن يقف وراءها.

وفي رواية نشرتها «الصحيفة»، كانت الأوراق المضبوطة تحمل، وفق ما اطلعت عليه الجريدة، علامات تصويت لصالح مرشحي حزب الأصالة والمعاصرة في الدائرة المحلية والجهوية بطنجة. هذه المعطيات تفسر جانباً من حساسية الملف، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد من أعطى التعليمات، ومن نفذ، ومن كان يعلم، ومن لم يكن يعلم.

وهذه هي النقطة التي تجعل إدخال اسم ليموري في القضية أكثر تعقيداً من مجرد وجوده خارج البلاد.

العمدة يشغل موقعاً حزبياً وسياسياً يجعل اسمه حاضراً في المشهد الانتخابي بطنجة، ولذلك فإن مجرد ورود اسمه في سياق الأبحاث، إن تأكد رسمياً، لا يعني ثبوت أي مسؤولية جنائية عليه. الاستماع إلى شخص في إطار بحث قضائي ليس حكماً عليه، كما أن ذكر اسمه من طرف شخص موقوف، إن ثبتت هذه المعلومة، لا يحولها تلقائياً إلى حقيقة قضائية.

حتى الآن، ما يتوفر علناً هو وجود بحث قضائي مفتوح، وتوقيف عدد من الأشخاص، وتوسع في التحريات، وتداول معلومات إعلامية عن ارتباط اسم ليموري بالبحث، مقابل نفيه الشخصي لأي علاقة بين سفره والقضية.

أما المعلومة التي تفيد بأن أحد الموقوفين أشار إلى اسم ليموري أثناء التحقيق، فهي متداولة في بعض الأوساط الإعلامية، لكن لم أعثر في المصادر المنشورة التي أمكن التحقق منها على بلاغ رسمي أو وثيقة قضائية تضع هذه الإفادة في إطارها الدقيق. لذلك لا يصح التعامل معها باعتبارها واقعة ثابتة، ولا بناء مسؤولية سياسية أو جنائية عليها قبل أن تظهر في مسار رسمي للملف.

سفر العمدة، في حد ذاته، لا يثبت شيئاً أيضاً. ليموري يقول إن السفر كان مقرراً لأسباب شخصية، وإنه سيعود بداية الأسبوع المقبل. وفي المقابل، فإن توقيت السفر، المتزامن مع توسع التحقيقات، هو الذي جعل المسألة تتحول إلى مادة للتأويل والتداول الإعلامي. الفرق بين الأمرين كبير: التزامن الزمني واقعة، أما ربط السفر بالتهرب من البحث فهو استنتاج يحتاج إلى دليل.

حتى رواية وجود مذكرة بحث تحتاج إلى التعامل معها بالقدر نفسه من الحذر. بعض المنابر نشرت الخبر بصيغة تقريرية، بينما أشارت أخرى صراحة إلى غياب تأكيد رسمي.

وفي المقابل، فإن هناك معطى ثابتاً لا يحتاج إلى رواية من مصدر مجهول: الملف نفسه لم يُغلق.

الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بطنجة أعلن فتح البحث لتحديد حقيقة ما ظهر في الفيديو وظروفه وملابساته وترتيب الآثار القانونية على ضوء النتائج. كما أن واقعة الأوراق الانتخابية المضبوطة في محيط المركز أصبحت موضوع بحث قضائي مستقل مرتبط بالمكان نفسه.

ومنذ يوم الاقتراع، لم تعد القضية محصورة في مقطع فيديو متداول. فقد دخلت إليها شكايات واحتجاجات حزبية، وتحدثت تقارير عن مطالب بإعادة الانتخابات في بعض المكاتب، كما طالب المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وفق ما أوردته مصادر محلية، بنشر نتائج التحقيقات المرتبطة بالوقائع المسجلة.

ذلك يعني أن التحقيق لا يتحرك فقط داخل مسار أمني وقضائي، بل إن نتائجه يمكن أن تكون لها انعكاسات على النقاش المتعلق بالعملية الانتخابية في دائرة طنجة-أصيلة. ومع ذلك، فإن الحديث عن إلغاء نتائج أو ترتيب مسؤوليات انتخابية يبقى سابقاً لأوانه ما دامت الجهات المختصة لم تعلن نتائج أبحاثها وما ستترتب عنها من قرارات.

أما بالنسبة إلى منير ليموري، فالمسافة بين الاتهام والنفي لا تزال قائمة.

هو يقول إنه خارج المغرب لأسباب شخصية وسيعود خلال أيام. مصادر إعلامية تتحدث عن بحث بحقه، وأخرى تقول إن وضعه لا يزال في إطار طلب الاستماع إليه، بينما لا يظهر إلى حدود اللحظة بلاغ رسمي منشور يحدد بصورة قاطعة مركزه القانوني في الملف.

وبذلك يصبح موعد عودته، الذي حدده بنفسه في بداية الأسبوع المقبل، واحداً من الوقائع التي ينتظرها المتابعون، لكن ليس باعتباره دليلاً مسبقاً على شيء، بل باعتباره موعداً يمكن أن يضع حداً لجزء من الروايات المتضاربة التي ملأت الساعات الأخيرة.

أما ما حدث فعلاً في مدرسة القدس، ومن أين جاءت الأوراق، وكيف وصلت إلى مركز الاقتراع، ومن كان وراءها، وما إذا كانت هناك صلة بين مختلف الأشخاص الذين شملتهم الأبحاث، فذلك ما لا تستطيع البيانات المتداولة على مواقع التواصل أو التصريحات السياسية أن تحسمه. وحده المسار القضائي، بما يجمعه من إفادات ومحاضر ومعاينات وقرائن، يستطيع أن ينقل القضية من دائرة الروايات إلى دائرة الوقائع المثبتة.