حين تنقلب الجغرافيا الانتخابية على علم الاجتماع: ماذا تقول أرقام قصوري عن وعي المدينة والبادية؟

0
106

هناك أرقام في نتائج الانتخابات المغربية لا تحتاج إلى كثير من الشرح كي تستوقف الباحث، لكنها تحتاج إلى كثير من التفكير قبل أن تتحول إلى حكم على المجتمع.

هذا هو المدخل الذي يختاره الدكتور والأستاذ الجامعي إدريس قصوري في قراءة نشرها عقب الانتخابات التشريعية المغربية لـ23 شتنبر 2026، حين يتوقف عند التوزيع المجالي للمقاعد التي حصلت عليها الأحزاب الأربعة الأولى، ويضعه أمام المرجعيات التي تقدم بها هذه الأحزاب نفسها.

المعطيات التي ينطلق منها واضحة: حزب الأصالة والمعاصرة حصل على 34 مقعداً في المجال الحضري مقابل 63 في المجال القروي، والتجمع الوطني للأحرار على 26 حضرياً مقابل 40 قروياً، والاستقلال على 29 حضرياً مقابل 36 قروياً، فيما جاء وضع حزب العدالة والتنمية مختلفاً بصورة لافتة، بـ43 مقعداً في المدن مقابل 11 في البادية. وهذه الأرقام تتطابق مع المعطيات المنشورة حول الخريطة المجالية للنتائج. أما على المستوى الوطني، فقد انتهت النتائج النهائية إلى 97 مقعداً للأصالة والمعاصرة، و66 للتجمع الوطني للأحرار، و65 للاستقلال، و54 للعدالة والتنمية.

لكن قصوري لا يتعامل مع هذه الأرقام بوصفها مجرد جدول انتخابي. وهنا تبدأ قيمة السؤال.

فالحزب الذي يقدم نفسه باعتباره حاملاً لقيم الحداثة والليبرالية، كما يشير قصوري، يجد ثقله الانتخابي الأكبر في المجال القروي، بينما الحزب الذي ارتبط تاريخياً بخطاب ذي مرجعية إسلامية، أي العدالة والتنمية، يجد غالبية مقاعده في المدن.

وهنا يقلب الأستاذ السؤال من السياسة إلى السوسيولوجيا.

هل تغير وعي البادية المغربية بهذه السرعة؟ أم أن علينا أن نعيد النظر في الطريقة التي نفهم بها العلاقة بين المجال والاختيار السياسي؟

هذه هي الفكرة المركزية في قراءة قصوري.

فالمدينة التي منحت العدالة والتنمية حضوراً قوياً في انتخابات 2011 و2016، ثم انتقلت في انتخابات 2021 إلى خيارات أخرى، تعود في 2026 لتمنح الحزب نفسه حضوراً حضرياً واضحاً. وفي الاتجاه الآخر، تظهر البادية باعتبارها المجال الذي حمل الجزء الأكبر من المقاعد التي أوصلت الأحزاب الثلاثة الأولى إلى الصدارة.

لا يريد قصوري من خلال ذلك أن يقول فقط إن «القرية صوتت لهذا الحزب والمدينة لذاك». ما يفعله هو دفع الأرقام إلى أقصى أسئلتها النظرية: إذا كانت الأحزاب تقدم نفسها بمرجعيات سياسية وفكرية مختلفة، فكيف يمكن تفسير هذا الانقلاب المجالي من دون إعادة فحص العلاقة بين المجال والوعي السياسي؟

فالمدينة ليست مجرد بنايات وأسواق وجامعات وإدارات. والبادية ليست مجرد قرى ومناطق فلاحية. وراء كل مجال شبكة من العلاقات الاجتماعية، ومصالح اقتصادية، وأنماط عيش، ومؤسسات، وذاكرة سياسية، وأشكال مختلفة من الوصول إلى الدولة والحزب والمعلومة.

ولهذا يصبح السؤال أكبر من نتيجة حزب أو خسارة حزب.

إنه سؤال عن المجتمع المغربي نفسه.

قصوري يستدعي، في هذا السياق، ذلك التراث الواسع في علم الاجتماع السياسي الذي ربط بين البنية الاجتماعية والاقتصادية وبين أشكال الوعي والثقافة والممارسة السياسية، مستحضراً أسماء مثل ابن خلدون وغرامشي وماركس وبورديو وبولانتزاس. والفكرة التي يريد اختبارها من خلال أرقام 2026 هي: إذا كانت البنية الاجتماعية والمجالية لا تزال تلعب دوراً في تشكيل الوعي، فكيف نفسر نتائج تبدو، في ظاهرها، وكأنها تقلب العلاقة التقليدية بين المجال والاختيار السياسي؟

لكن هنا تحديداً ينبغي أن نكون أكثر حذراً من الأرقام نفسها.

فلا يمكن تحويل نتيجة انتخابية واحدة إلى حكم نهائي على «وعي» مدينة كاملة أو «وعي» بادية كاملة. كما لا يمكن افتراض أن الناخب القروي يصوت باعتباره «قروياً» فقط، أو أن الناخب الحضري يحمل بالضرورة وعياً مدنياً متجانساً.

بل إن البيانات الرسمية نفسها تظهر أن الهيئة الناخبة المسجلة ليست كتلة متجانسة: 55 في المائة من المسجلين يوجدون في الوسط الحضري مقابل 45 في المائة في الوسط القروي، مع تفاوتات في السن والجنس والتوزيع المجالي.

ثم إن المقعد البرلماني ليس مرآة مباشرة لوعي الناخب.

هناك نظام انتخابي، وتقسيم للدوائر، وطبيعة للائحة، وحساب للأصوات والمقاعد. مجلس النواب يضم 395 عضواً، ينتخب 305 منهم في الدوائر المحلية و90 في الدوائر الجهوية، وفق الاقتراع باللائحة والتمثيل النسبي حسب قاعدة أكبر بقية.

وهذه نقطة مهمة جداً في قراءة قصوري، لأنها لا تنقض سؤاله، وإنما تجعل السؤال أكثر عمقاً: إلى أي حد تعكس المقاعد التي حصل عليها حزب ما طبيعة اختيارات الناخبين، وإلى أي حد تعكس أيضاً هندسة النظام الانتخابي والجغرافيا الانتخابية وقدرة الأحزاب على تحويل الأصوات إلى مقاعد؟

من هنا تصبح عبارة «اللامنطق» التي يستخدمها قصوري في وصف النتائج أقرب إلى استفزاز فكري منه إلى نتيجة إحصائية نهائية.

فهو يرى في التوزيع المجالي مفارقة تستحق مساءلة علم الاجتماع السياسي المغربي. لكنه يذهب أبعد حين يتوقف عند تقارب بعض الأرقام وتجاورها، ويقرأ فيها ما يعتبره نمطاً يثير الشك في طريقة إنتاج النتائج.

وهنا بالذات يجب أن يفصل الصحافي بين مستويين.

المستوى الأول: الأرقام المعلنة، وهي قابلة للتحقق والمقارنة.

والمستوى الثاني: التأويل الذي تستخلصه منها قراءة قصوري، بما في ذلك حديثه عن التماثلات الرقمية وعن احتمال وجود نمط في إنتاج النتائج.

حتى الآن، لا تكفي مجرد مصادفة أو تقارب بين أرقام المقاعد لإثبات وقوع تلاعب انتخابي. وهذا التفريق لا يضعف سؤال الأستاذ، بل يحميه من أن يتحول من سؤال علمي إلى حكم مسبق.

بل ربما يكون السؤال الأكثر أهمية هو العكس تماماً:

إذا كانت النتائج سليمة وفق المسار المؤسساتي المعلن، فماذا تخبرنا إذن عن المجتمع المغربي؟

وهنا نصل إلى الجزء الأكثر إثارة في قراءة قصوري.

لأن المفارقة لا تعني بالضرورة أن البادية «أصبحت حداثية» وأن المدينة «أصبحت محافظة». قد تعني شيئاً آخر أكثر تعقيداً: أن مفاهيم «الحداثة» و«المحافظة» نفسها لم تعد كافية لشرح السلوك الانتخابي المغربي.

فالناخب قد يصوت لحزب يقدم خطاباً اقتصادياً ليبرالياً بسبب وعد اجتماعي، أو يصوت لحزب ذي مرجعية دينية بسبب موقف محلي، أو يصوت لمرشح بسبب شبكة العلاقات والثقة الشخصية، أو بسبب الانتماء العائلي والمهني، أو بسبب تقييم أداء جماعة أو برلمان أو حكومة.

وقد يكون «المجال» عاملاً مؤثراً، لكنه ليس بالضرورة العامل الوحيد.

وهنا تكمن المفارقة التي تجعل أرقام 2026 جديرة بالدراسة: ربما لا يكون المجتمع هو الذي خرج من نظريات علم الاجتماع، وإنما بعض أدواتنا القديمة في تفسير المجتمع هي التي تحتاج إلى مراجعة.

هذه النقطة تجعل قراءة قصوري أوسع من الانتخابات نفسها.

فإذا كانت البادية تنتخب في اتجاه، والمدينة في اتجاه آخر، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند: من فاز هنا ومن فاز هناك؟

بل ينبغي أن يمتد إلى: ما الذي تغير في البنية الاجتماعية؟ ما الذي تغير في علاقة المواطن بالحزب؟ هل تراجع تأثير المرجعية الإيديولوجية أمام المرشح والشبكة المحلية؟ هل أصبحت الانتخابات أكثر ارتباطاً بالإنجاز العمومي والمصالح المباشرة؟ وهل تحولت المدينة نفسها إلى مجال انتخابي متعدد الهويات السياسية لا يمكن اختزاله في ثنائية «حداثي/محافظ»؟

ثم هناك سؤال آخر أكثر حساسية:

هل ما زلنا نقرأ الانتخابات المغربية باعتبارها تعبيراً عن وعي اجتماعي مستقر، أم أنها أصبحت مرآة لحظة سياسية متحركة تتغير فيها الاختيارات من استحقاق إلى آخر؟

هذا السؤال يكتسب وزناً إضافياً في انتخابات 2026، خصوصاً مع نسبة المشاركة التي أعلنتها وزارة الداخلية في حدود 38.08 في المائة عند الإعلان عن النتائج، ومع حقيقة أن جزءاً كبيراً من المواطنين المسجلين لم يشاركوا في الاقتراع.

فحين نقرأ فقط من ذهب إلى صناديق الاقتراع، قد نفهم جزءاً من الصورة.

لكن حين نسأل أيضاً من لم يذهب؟ ولماذا؟ فإن الخريطة تصبح أكثر تعقيداً.

وربما لهذا السبب تحديداً تستحق ملاحظة الدكتور إدريس قصوري أن تؤخذ كمدخل إلى نقاش أوسع، لا كخلاصة نهائية. فهو يضع أمامنا تناقضاً بين الجغرافيا والمرجعيات، ثم يدفعنا إلى اختبار قدرة النظريات السوسيولوجية الكلاسيكية على تفسير مجتمع مغربي يتغير بسرعة.

فالانتخابات لا تقول فقط من حصل على المقاعد.

أحياناً تقول إن المجتمع نفسه أصبح أصعب على الاختزال.

وهذه، في نهاية المطاف، هي القيمة الحقيقية للفكرة التي طرحها الدكتور والأستاذ الجامعي إدريس قصوري: أن نقرأ الأرقام لا باعتبارها نهاية الحكاية، وإنما باعتبارها بداية سؤال عن المغرب الذي أنتجها.

فإذا كانت المدينة قد غيرت اتجاهها، وإذا كانت البادية قد أصبحت حاسمة في صناعة الخريطة البرلمانية، فهل تغير وعي الناخب المغربي فعلاً، أم أن أدوات الأحزاب، وهندسة الانتخابات، وشبكات المصالح، وتبدل العلاقة بين المواطن والسياسة، هي التي تغيرت أسرع من قدرتنا على تفسيرها؟

السؤال مفتوح.

والأرقام، هذه المرة، لا تجيب وحدها.