بعد انتخابات 23 شتنبر.. لماذا يحتاج المغرب إلى جيل جديد من القيادات الحزبية؟

0
80

ياسر مزواري – باحث في الشؤون الاجتماعية والسياسية وفاعل مدني – يضع نتائج الانتخابات أمام سؤال يتجاوز ترتيب الأحزاب والأغلبية والمعارضة: ماذا ستغيّر هذه النتائج داخل الأحزاب نفسها؟

في قراءة ياسر مزواري، الباحث في الشؤون الاجتماعية والسياسية والفاعل المدني، لا تنتهي دلالة الانتخابات عند لحظة إعلان النتائج، ولا تبدأ السياسة فقط من مفاوضات تشكيل الأغلبية وتوزيع الحقائب. فهناك سؤال آخر، أكثر عمقا وأقل حضورا في النقاش العمومي: ماذا ستفعل الأحزاب بهذه النتائج داخل مؤسساتها، وداخل قياداتها، وفي علاقتها بالمجتمع؟

هذه النقطة هي المدخل الأساسي للفكرة التي يطرحها مزواري في حديثه عن الحاجة إلى جيل جديد من القيادات الحزبية.

فالانتخابات، في نظره، لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد جدول حسابي للمقاعد. صحيح أن ترتيب القوى السياسية يحدد أوزانا جديدة داخل البرلمان، ويؤثر في هندسة الأغلبية والمعارضة، لكن الأرقام وحدها لا تشرح لماذا صوت المواطن بهذه الطريقة، ولا ما الذي ينبغي أن تستخلصه الأحزاب من ذلك.

وبحسب النتائج المعلنة لاقتراع 23 شتنبر 2026، تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا، متقدما على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، والاستقلال بـ65 مقعدا، والعدالة والتنمية بـ54 مقعدا. غير أن مزواري يدفع النقاش إلى ما وراء هذه الخريطة الرقمية: ما نصيب القرارات التي اتخذتها القيادة، واختيارات المرشحين، وطريقة التنظيم، وعلاقة الحزب بقواعده ومجتمعه، من النتيجة التي حصل عليها؟

السؤال هنا لا يخص الأحزاب المتراجعة وحدها.

فالحزب الذي تصدر الانتخابات يحتاج، كما يرى مزواري، إلى مراجعة تمنعه من تحويل النجاح الانتخابي إلى شعور دائم بالحصانة. والحزب الذي خسر أو تراجع يحتاج بدوره إلى مراجعة أكثر قسوة، لأن تجاهل أسباب التراجع قد يحول الهزيمة الانتخابية إلى أزمة تنظيمية وسياسية طويلة الأمد.

الانتخابات تختبر الأحزاب من الداخل

الفكرة التي يقدمها مزواري تحمل في جوهرها نقاشا حول المسؤولية السياسية.

فالنتيجة الانتخابية ليست منتجا لعامل واحد. إنها حصيلة أداء سياسي، وتنظيم حزبي، وحضور للمرشحين، وسياقات محلية، وقدرة على التعبئة، وصورة الحزب لدى الناخبين. ولذلك فإن اختزال النجاح أو الفشل في شخص المرشح أو في مزاج الناخبين قد يكون أسهل من مواجهة السؤال الأصعب: ماذا فعلت القيادة حتى وصلت إلى هذه النتيجة؟

من هذه الزاوية، يصبح النقد الداخلي جزءا من قوة الحزب وليس تهديدا له.

وهذه واحدة من أكثر النقاط حساسية في تصور مزواري؛ إذ إن الحزب الذي يريد إقناع المواطن بأن يثق في مؤسساته، مطالب أولا بأن يبني الثقة داخل مؤسساته نفسها. كيف تُتخذ القرارات؟ كيف يتم تقييم القيادات؟ كيف يصل شخص إلى موقع المسؤولية؟ ما المعايير التي تحكم التزكية؟ وأين توجد المساحة الفعلية للاختلاف والنقد والمنافسة؟

أسئلة تبدو تنظيمية في ظاهرها، لكنها في الحقيقة مرتبطة مباشرة بجودة الحياة السياسية.

«الجيل الجديد» ليس مسألة عمر

مزواري لا يحصر مفهوم الجيل الجديد في الشباب من الناحية العمرية. وهذه نقطة مركزية في تصوره.

فقد يصل شاب إلى القيادة، لكنه يحمل معه عقلية قديمة في ممارسة السلطة، تقوم على الوصاية والتحكم وإغلاق المجال أمام المنافسة. وفي المقابل، يمكن لقيادي مخضرم أن يكون أكثر استعدادا لفتح التنظيم أمام الكفاءات الجديدة، وقبول النقد، ومراجعة القرارات.

لذلك، فإن تجديد النخب لا يبدأ بتغيير الوجوه فقط.

التحدي الحقيقي، وفق الفكرة التي يطرحها مزواري، يوجد في تغيير قواعد إنتاج القيادة نفسها.

فما قيمة حضور الشباب والنساء في المؤتمرات والصور والمنصات، إذا ظل تأثيرهم محدودا في صناعة البرامج واختيار المرشحين وتحديد الأولويات والتحالفات؟

وما قيمة الحديث عن تجديد النخب إذا بقيت مفاتيح القرار والتزكية والترقي السياسي محكومة بالقواعد نفسها التي أنتجت القيادات السابقة؟

هنا ينتقل النقاش من «من يقود؟» إلى سؤال أكثر أهمية: كيف ننتج القيادة؟

الحزب الذي يريد تدبير الدولة يحتاج إلى صناعة النخب

في تصور مزواري، وظيفة الحزب لا تختزل في خوض الانتخابات أو الحصول على المقاعد أو توزيع التزكيات.

الحزب، في التجارب الوطنية التي يستحضرها، كان فضاء لصناعة النخب القادرة على قراءة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية، وعلى إنتاج البدائل والبرامج.

ومن داخل التنظيمات الحزبية كانت تبرز أسماء قادرة على تحمل مسؤوليات حكومية وإدارية ودبلوماسية ومؤسساتية، لأن الحزب كان يفترض أن يكون مدرسة للكفاءة والمسؤولية، وليس فقط آلية للوصول إلى المواقع.

هذه الفكرة تطرح سؤالا استراتيجيا على الأحزاب المغربية اليوم: هل ما زالت التنظيمات السياسية قادرة على إنتاج النخب، أم أنها أصبحت في جزء منها تنتظر بروز النخب من خارجها ثم تبحث عن طريقة لاستيعابها؟

والفرق بين الأمرين كبير.

فالحزب الذي يصنع نخبه يستطيع أن يقدم للدولة والمجتمع كفاءات مؤهلة لتولي المسؤوليات. أما الحزب الذي يختزل وظيفته في الانتخابات، فقد يصبح أسير منطق الاستحقاق الانتخابي، حيث تصبح التزكية والمقاعد والتمثيلية هي مركز العملية كلها.

المواطن لا يصوت على الخطابات فقط

في الجزء الأكثر ارتباطا بالحياة اليومية للمواطن، يضع مزواري القيادة السياسية أمام امتحان مختلف.

المواطن الذي يبحث عن العمل، أو العلاج، أو مدرسة جيدة لأبنائه، لا يحتاج فقط إلى خطاب سياسي عام. إنه يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله؟ متى؟ وبأي موارد؟

وهذه النقطة تعيد السياسة إلى أصلها العملي.

فالبرنامج الانتخابي لا تكتمل قيمته بمجرد نشره، وإنما تبدأ قيمته الحقيقية عندما يتحول إلى سياسات قابلة للقياس والتقييم. وإذا تعذر تنفيذ وعد ما، فإن المطلوب، وفق منطق مزواري، ليس البحث عن مبررات جديدة، بل تقديم تفسير واضح وتحمل المسؤولية.

وهذا ينطبق على الأغلبية كما ينطبق على المعارضة.

الأغلبية المقبلة ستكون أمام مسؤولية تحويل التزاماتها إلى سياسات عامة يمكن للمواطن قياس نتائجها. والمعارضة، في المقابل، لا يمكن أن تكتفي برفض ما تقوم به الحكومة، بل تحتاج إلى تقديم بدائل قابلة للنقاش، بما في ذلك تكلفتها وإمكان تنفيذها.

بهذا المعنى، تصبح المعارضة أيضا مطالبة بإنتاج معرفة سياسية، لا مجرد إنتاج مواقف.

الإصلاح الحزبي له ثمن

لكن مزواري لا يقدم تجديد القيادات كعملية سهلة.

فتح الأبواب أمام المنافسة الداخلية قد يعني أن بعض القيادات ستفقد مواقعها. وإعادة النظر في طرق التزكية قد تنتج صراعات داخلية. وإعطاء مساحة أكبر للكفاءات الجديدة قد يصطدم بمصالح وشبكات تنظيمية تكونت على مدى سنوات.

وقد يؤدي فتح الملفات المؤجلة إلى خلافات كانت القيادات تفضل عدم الاقتراب منها.

لكن السؤال الذي يضعه مزواري أمام الأحزاب هو: هل تكلفة الإصلاح أكبر من تكلفة عدم الإصلاح؟

لأن الجمود له كلفته أيضا.

عندما تنسحب الكفاءات، وتفقد المبادرات الداخلية معناها، ويشعر الأعضاء بأن القرار مغلق، تتراجع الحوافز التنظيمية. وعندما تتسع المسافة بين الخطاب الحزبي وانتظارات المجتمع، يصبح الحزب معرضا لفقدان جزء من قدرته على التواصل مع أجيال جديدة من الناخبين.

وهذه المسافة لا تظهر دائما في صناديق الاقتراع بصورة مباشرة، لكنها قد تتراكم حتى تصبح نتائجها واضحة.

ما بعد 23 شتنبر.. الاختبار الحقيقي يبدأ الآن

الانتخابات رتبت المواقع: أحزاب ستشارك في تدبير الشأن العام، وأخرى ستنتقل إلى المعارضة، وأوزان سياسية جديدة ستفرض نفسها داخل البرلمان.

لكن قراءة ياسر مزواري تقترح أن المعركة الأهم تبدأ بعد ظهور النتائج.

هل ستتعامل الأحزاب مع الانتخابات باعتبارها نهاية حملة انتخابية، أم باعتبارها لحظة لتقييم الذات؟

هل سيُفتح النقاش حول أسباب النجاح كما تُفتح النقاشات حول أسباب الفشل؟

هل سيُسمح للشباب والنساء والكفاءات الجديدة بالمشاركة الفعلية في صناعة القرار، أم سيظل التجديد محصورا في تغيير الواجهات؟

وهل تستطيع الأحزاب أن تنتقل من منطق توزيع المواقع إلى منطق إعداد رجال ونساء قادرين على تحمل مسؤوليات الدولة والمجتمع؟

هذه الأسئلة هي التي تجعل حديث مزواري عن «جيل جديد من القيادات» يتجاوز مسألة التغيير الداخلي للأحزاب إلى قضية أوسع تتعلق بجودة العمل السياسي نفسه.

فالسياسة لا تُقاس فقط بعدد المقاعد التي حصل عليها حزب، ولا بعدد الحقائب التي يمكن أن يصل إليها. قيمتها تظهر أيضا في قدرة المؤسسات السياسية على إنتاج أفكار وكفاءات وبدائل، وفي قدرتها على الاستماع إلى المجتمع وتحويل مطالبه إلى سياسات قابلة للتنفيذ والمحاسبة.

وفي النهاية، تعود الفكرة التي ينطلق منها مزواري إلى نقطة بسيطة لكنها ثقيلة سياسيا: إذا كانت الأحزاب تريد تغيير المجتمع، فعليها أن تكون مستعدة أولا لتغيير نفسها.

فالقيادة الجديدة، في تصوره، ليست مجرد وجوه أصغر سنا، وإنما ثقافة جديدة في ممارسة المسؤولية، وفي قبول النقد، وفي تداول المواقع، وفي صناعة النخب، وفي الاعتراف بأن الموقع السياسي تكليف قابل للتقييم وليس امتيازا دائما.

وهنا يصبح ما بعد انتخابات 23 شتنبر اختبارا للأحزاب قبل أن يكون اختبارا للحكومة المقبلة: هل ستكتفي بتدبير الخريطة التي رسمتها صناديق الاقتراع، أم ستقرأها باعتبارها فرصة لإعادة بناء علاقتها بأعضائها وبالمجتمع؟

هذه هي المسألة التي يضعها ياسر مزواري أمام الأحزاب، وأمام الفاعلين السياسيين والمدنيين، وأمام المجتمع نفسه: أي جيل من القيادات نريد أن تنتجه الحياة الحزبية المغربية، وأي نوع من السياسة نريد أن يترجمها هذا الجيل إلى عمل عمومي؟

ياسر مزواري، الباحث في الشؤون الاجتماعية والسياسية والفاعل المدني، هو صاحب الفكرة والرؤية الواردتين في هذا المقال، بينما تنطلق هذه المعالجة الصحافية من أطروحاته لتوسيع النقاش حول تجديد النخب والقيادات الحزبية وما تفرضه المرحلة السياسية الجديدة من أسئلة.