رئيس الحكومة من خارج قيادة البام؟ إدريس قصوري يضع الدستور والكفاءة في مواجهة منطق الصفة

0
183

يذهب الأستاذ إدريس قصوري إلى فكرة قد تبدو، في ظاهرها، محرجة سياسياً، لكنها تفتح نقاشاً أوسع من مجرد سؤال: من سيكون رئيس الحكومة المقبل؟ فالرجل يرى أن تعيين رئيس الحكومة من خارج قيادة حزب الأصالة والمعاصرة قد يكون قراراً ضرورياً، حتى وإن كان محرجاً من زاوية دينامية التمكين والمساواة داخل الحزب.

هذه الفكرة، كما يقدمها قصوري، لا تنطلق من موقف ضد الأصالة والمعاصرة، وهو يحرص بنفسه على القول إنه يتحدث «بغض النظر عن موقفنا من حزب الأصالة والمعاصرة برمته». لذلك فالمسألة عنده ليست البحث عن مبرر لإقصاء الحزب الذي تصدر الانتخابات، وإنما البحث داخل الحزب نفسه عن الشخص الذي يمكن أن يحمل المسؤولية التنفيذية بأكبر قدر من الفعالية.

وهذا التفريق مهم.

فانتخابات 23 شتنبر 2026 وضعت الأصالة والمعاصرة في صدارة مجلس النواب بـ97 مقعداً، بفارق واضح عن التجمع الوطني للأحرار بـ66 والاستقلال بـ65. لكن الصدارة الانتخابية لا تعني، دستورياً، أن شخصاً بعينه داخل الحزب أصبح تلقائياً رئيساً للحكومة. الفصل 47 يربط التعيين بالحزب الذي تصدر الانتخابات وبنتائجها، لكنه لا يقول إن رئيس الحكومة يجب أن يكون الأمين العام أو رئيس الحزب أو الشخصية التنظيمية الأولى فيه.

وهذه هي النقطة المركزية التي يبني عليها قصوري منطقه.

فالحديث عن «رئيس الحكومة من الحزب المتصدر» شيء، والحديث عن «رئيس الحزب المتصدر للحكومة» شيء آخر. الأول نص دستوري واضح، أما الثاني فهو استنتاج سياسي أو عرف حزبي لا يرد بهذه الصيغة في الفصل 47.

من هذه الزاوية، تصبح أسماء من قبيل فاطمة الزهراء المنصوري، ومحمد المهدي بنسعيد، وفوزي لقجع جزءاً من نقاش سياسي أوسع حول طبيعة الشخص الذي يمكن أن يحمل المرحلة، لا مجرد سباق داخلي على منصب حكومي. والحكومة، في النهاية، ليست هيئة حزبية داخلية؛ إنها جهاز تنفيذي يحمل مسؤولية السياسة العامة، وتنفيذ القوانين، والإدارة، والسياسات الاقتصادية والاجتماعية، وفق الاختصاصات التي يحددها الدستور.

قصوري يضع يده هنا على مسألة دقيقة حين يقول إن المسؤولية الدستورية لا تجعل شرعية التعيين شرعية شكلية ذات أولوية قبل تحقيق فعالية الصلاحيات.

فالمغزى الذي يمكن استخلاصه من كلامه أن الشرعية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد بطاقة عبور إلى المنصب. الانتخابات تمنح الحزب موقعه الدستوري والسياسي، لكنها لا تلغي السؤال الآخر: من هو الشخص القادر على تحويل هذا الموقع إلى حكومة فعالة؟

وهذا سؤال مختلف عن سؤال الفوز.

الأصالة والمعاصرة حصل على المرتبة الأولى، لكن حصول الحزب على 97 مقعداً لا يمنحه أغلبية منفردة؛ فالأغلبية المطلقة داخل مجلس النواب هي 198 مقعداً. لذلك فإن الحكومة المقبلة ستحتاج، عملياً، إلى تحالفات واتفاقات سياسية، وهو ما يجعل شخصية رئيس الحكومة عاملاً يتجاوز حدود التنظيم الحزبي الضيق إلى إدارة ائتلاف حكومي متعدد الأطراف.

من هنا نفهم تحذير قصوري من الوقوع في ما يسميه «فخ النتائج الضحلة والشخصيات الضعيفة»، ومن تفضيل «الصفة على الكفاية».

إنه لا يناقش الاسم فقط، بل يناقش فلسفة الاختيار نفسها.

هل يتم اختيار رئيس الحكومة لأن موقعه الحزبي يجعله الأكثر استحقاقاً داخل التنظيم؟ أم لأن امتلاكه للموقع الحزبي يأتي متوافقاً مع الكفاءة السياسية والتنفيذية المطلوبة لقيادة الحكومة؟

هذا السؤال يصبح أكثر حساسية في مرحلة تتداخل فيها ملفات اقتصادية واجتماعية كبرى مع التحولات السياسية. رئيس الحكومة لا يدير حزباً فقط؛ فالحكومة تمارس السلطة التنفيذية، وتعمل تحت سلطة رئيسها على تنفيذ البرنامج الحكومي وضمان تنفيذ القوانين، كما أن برنامجها يجب أن يتضمن الخطوط الرئيسية للعمل في السياسة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والخارجية.

لذلك فإن النقاش حول «من داخل البام أو من خارجه» قد يكون أضيق من النقاش الحقيقي الذي يريد قصوري فتحه: هل الشخص المقترح قادر على تحويل التمثيلية الانتخابية إلى أداء حكومي؟

هنا تحديداً تصبح عبارة قصوري عن «الصفة والكفاية» ذات دلالة سياسية كبيرة.

فالصفة الحزبية تمنح الانتماء والتمثيلية، لكن الكفاءة هي التي يفترض أن تمنح القدرة على التدبير. وقد يجتمع الاثنان في شخص واحد، وقد لا يجتمعان. والدستور، بحسب الفصل 47، لم يضع قاعدة تقول إن أعلى مسؤول حزبي في الحزب المتصدر هو بالضرورة رئيس الحكومة. بل ربط التعيين بالحزب المتصدر وبنتائج الانتخابات.

لكن هناك جانباً آخر في كلام قصوري لا يمكن تجاهله: دينامية التمكين والمساواة داخل الحزب.

فإذا كان الحزب قد تصدر الانتخابات، ثم جرى تجاوز قيادته التنظيمية لاختيار شخصية أخرى من داخله، فإن السؤال لن يكون دستورياً فقط. سيصبح سؤالاً حزبياً أيضاً: كيف يفهم الحزب نفسه؟ وما معنى القيادة؟ وهل الفوز الانتخابي ملك للتنظيم ككل أم يتحول تلقائياً إلى رصيد شخصي للقيادة؟

هذه أسئلة قد تطرح نفسها داخل أي حزب يصل إلى المرتبة الأولى، وليست حكراً على الأصالة والمعاصرة.

والأهم أن قصوري لا يقارن بين أسماء فقط، وإنما يستحضر تجربة سياسية مغربية لا تزال حاضرة في الذاكرة الدستورية والسياسية: تجربة عبد الرحمن اليوسفي وإدريس جطو سنة 2002.

في انتخابات 2002 تصدر الاتحاد الاشتراكي النتائج بـ50 مقعداً، لكن الملك محمد السادس عين إدريس جطو وزيراً أول، وهو شخصية لم تكن تنتمي إلى حزب سياسي. القرار أثار آنذاك اعتراض الاتحاد الاشتراكي الذي اعتبر أن التقدم الديمقراطي يقتضي مراعاة نتائج الاقتراع والمنهجية الديمقراطية.

والفارق الدستوري بين 2002 واليوم أساسي ولا ينبغي إسقاطه.

في دستور 1996 لم يكن الفصل الخاص بتعيين الوزير الأول يتضمن الصياغة الحالية نفسها. أما دستور 2011 فجاء بنص أكثر تحديداً: «يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها».

لذلك فإن استدعاء تجربة اليوسفي، كما يفعل قصوري، لا يعني بالضرورة أن التاريخ يعيد نفسه حرفياً. بل يعني أن المغرب سبق أن عاش النقاش نفسه حول العلاقة بين نتائج الانتخابات، والاختيار الملكي، والتمثيلية الحزبية، وفعالية السلطة التنفيذية.

واللافت أن عبد الرحمن اليوسفي نفسه، في شهادته حول تلك المرحلة، أقر بأن دستور 1996 كان يمنح الملك صلاحية تعيين الوزير الأول، لكنه قال إن «المنهجية الديمقراطية» كانت، في نظره، تقتضي أن يأتي الوزير الأول من الحزب الذي احتل المرتبة الأولى.

اليوم تغير النص الدستوري، ولذلك تغيرت نقطة الانطلاق القانونية. لكن السؤال السياسي الذي ظل حاضراً هو نفسه تقريباً: كيف يمكن التوفيق بين صلاحية التعيين، والإرادة الانتخابية، والحاجة إلى شخصية قادرة على قيادة الحكومة؟

وهنا يصبح كلام إدريس قصوري أكثر تعقيداً من مجرد الدعوة إلى اختيار فلان بدل فلان.

إنه يدفع النقاش إلى منطقة أعمق: هل نريد أن تكون الحكومة امتداداً آلياً للقيادة الحزبية، أم مؤسسة تنفيذية تستمد مشروعيتها من الحزب الفائز ولكن تختار على رأسها الشخصية الأكثر قدرة على تدبير المرحلة؟

الجواب عن هذا السؤال لا يحسمه الفصل 47 وحده، لأن النص الدستوري يحدد الإطار، بينما تظل السياسة مجالاً للاختيار والمشاورات والتوازنات.

كما أن الكفاءة نفسها لا يمكن أن تختزل في السيرة المهنية أو التقنية. رئيس الحكومة يحتاج إلى قدرة على بناء أغلبية، وإدارة ائتلافات، والتوفيق بين البرامج، والتعامل مع البرلمان، وتحمل المسؤولية السياسية أمام المواطنين والمؤسسات. فالحكومة لا تحصل على التنصيب بمجرد التعيين؛ بل يتعين على رئيسها أن يقدم برنامجها أمام البرلمان، وتحصل الحكومة على ثقة مجلس النواب وفق الشروط الدستورية.

وهذا يجعل سؤال قصوري عن «الكفاية» قابلاً لأن يتحول إلى معيار مؤسساتي، لا إلى تفضيل شخصي.

فإذا كان المطلوب حكومة قوية، فإن القوة لا تأتي فقط من اسم رئيسها، وإنما من مدى انسجام الأغلبية، ووضوح البرنامج، وقدرة رئيس الحكومة على إدارة الوزراء، وتحويل الالتزامات الانتخابية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والقياس.

والانتخابات الأخيرة أفرزت وضعاً يسمح، حسابياً، بتكوين أغلبية من الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، بمجموع 228 مقعداً، لكن تشكيل الحكومة لا تحسمه الأرقام وحدها، بل المشاورات والاتفاقات السياسية.

لهذا فإن المعركة الحقيقية، بعد إعلان النتائج، ليست فقط: من يقود البام؟

بل: من يستطيع قيادة الأغلبية؟

ومن يستطيع أن يحول صدارة انتخابية إلى مشروع حكومي؟

ومن يستطيع أن يجمع بين الشرعية السياسية والقدرة التنفيذية؟

ومن يستطيع أن يتحدث إلى الأحزاب باعتبارها شركاء في حكومة، لا مجرد أطراف في تفاوض على الحقائب؟

ومن يستطيع أن يتحمل كلفة القرارات الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي ستواجهها البلاد خلال المرحلة المقبلة؟

هذه هي المنطقة التي يفتح فيها مقال إدريس قصوري باباً للنقاش.

أما استحضاره تجربة اليوسفي، فهو لا يقدم بالضرورة وصفة لتكرار الماضي، بل يذكّر بأن علاقة المغرب بين الانتخاب والتعيين والتمثيلية والكفاءة مرت بتحولات دستورية وسياسية حقيقية. وما كان محل جدل سنة 2002 أصبح اليوم محكوماً بنص دستوري مختلف، لكن النص نفسه لم يقل إن رئيس الحكومة يجب أن يكون رئيس الحزب الفائز.

ولهذا، فإن السؤال الذي يخرج من كلام قصوري ليس: هل يجب تعيين المنصوري أم بنسعيد أم لقجع؟

السؤال الأعمق هو: هل سيُفهم تصدر الأصالة والمعاصرة للانتخابات باعتباره تفويضاً لشخصية حزبية بعينها، أم تفويضاً للحزب لتقديم الشخصية التي يراها، داخل صفوفه أو من بين المرتبطين به سياسياً، الأقدر على تحمل مسؤولية قيادة الحكومة؟

الفرق بين السؤالين كبير.

وفي هذا الفرق تحديداً توجد مساحة الاختيار السياسي التي يتحدث عنها إدريس قصوري: احترام نتيجة الانتخابات من جهة، وعدم تحويل نتيجة الانتخابات إلى قاعدة جامدة تفترض أن أعلى صفة حزبية هي بالضرورة أعلى كفاءة حكومية من جهة أخرى.

لقد حُسمت الانتخابات، كما يقول قصوري في عبارته الأخيرة، «فما حصل قد حصل».

لكن ما لم يُحسم هو ماذا ستفعل السياسة بهذه النتيجة.

وهنا يبدأ، فعلياً، النقاش حول رئيس الحكومة المقبل.