قراءة صحافية تحليلية في تدوينة الأستاذ محمد الداودي، الناشط الرياضي والكاتب العام السابق للجامعة الملكية المغربية للتيكواندو
في الوقت الذي يتجه فيه الاهتمام الملكي إلى قضايا الشباب، باعتبارها جزءًا أساسيًا من رهانات التنمية ومستقبل البلاد، يلفت الأستاذ محمد الداودي، الناشط الرياضي والكاتب العام السابق للجامعة الملكية المغربية للتيكواندو، الانتباه إلى مفارقة تستحق التوقف عندها: بطلة مغربية في رياضة المواي طاي تجد نفسها، وفق الوقائع التي أوردها في تدوينته، مضطرة إلى خوض المنافسات بألوان المنتخب البلجيكي، بعدما سبق لها المشاركة في بطولات قارية لفئة الشبان بصفتها مغربية.
هذه الواقعة هي المدخل الذي اختاره الداودي لطرح قضية تتجاوز المسار الرياضي لبطلة بعينها. فحين يصل الأمر إلى انتقال رياضية مغربية لتمثيل منتخب بلد آخر، فإن النقاش لا ينبغي أن ينحصر في قرارها الشخصي أو في تفاصيل مسارها الاحترافي، بل يمتد إلى البيئة التي تتيح للمواهب الوطنية الاستمرار والتطور، ومدى قدرة المؤسسات الرياضية على توفير شروط الاستقرار والتأطير والتنافس.
الموهبة التي تغادر تضع المنظومة أمام سؤالها الصعب
يستند الداودي في قراءته إلى تعليق نشرته البطلة على موقع فيسبوك، عبّرت فيه، بحسب ما أورده، عن عدم استعدادها لانتظار نهاية المشكلات التي تعرفها الجامعة الملكية المغربية للكيك بوكسينغ. وهي إشارة تكشف، إذا تأكد ارتباط قرارها بهذه الظروف، عن جانب حساس في العلاقة بين الرياضي والمؤسسة التي يفترض أن تؤطر مساره: إلى أي حد يستطيع الرياضي بناء مستقبله على الانتظار، بينما مساره التنافسي مرتبط بآجال محددة وفرص لا تتكرر بالضرورة؟
في الرياضة عالية التنافسية، لا يتوقف المسار عند حدود الموهبة أو الرغبة في تمثيل الوطن. فهناك إعداد بدني وتقني، ومشاركات دولية، وبرامج تدريب، واستقرار إداري، وفرص ينبغي اغتنامها في الوقت المناسب. وعندما تصبح هذه العناصر رهينة الخلافات والتأخر في اتخاذ القرار، فإن الرياضي هو الذي يتحمل الكلفة المباشرة، بينما قد تبقى أسباب التعثر داخل المؤسسات بعيدة عن المحاسبة الواضحة.
لا يعني ذلك أن كل انتقال رياضي إلى منتخب أجنبي دليل تلقائي على فشل المؤسسة الوطنية، كما لا تكفي تدوينة واحدة لإثبات جميع أسباب القرار. لكن الحالة التي يستحضرها الداودي تفتح بابًا مشروعًا لفحص الظروف التي دفعت البطلة إلى التعبير عن موقفها، والتحقق مما إذا كانت المشكلات الإدارية قد ضيّقت فعلًا خياراتها الرياضية.
من تدبير الخلافات إلى تحويل الجامعة إلى فضاء للصراعات
ينتقل الداودي من حالة البطلة إلى نقده لطريقة تدبير الجامعة الملكية المغربية للكيك بوكسينغ، مستخدمًا لغة حادة حين يتحدث عن صراعات يعتبرها فارغة، وعن انشغال بعض الفاعلين بالتعليق والتفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي بدل معالجة المشكلات التي تواجه الرياضة.
إن جوهر هذه الرسالة لا يرتبط بفيسبوك في حد ذاته، بل بالفارق بين الحضور الرقمي والإنجاز المؤسساتي. فالإعجابات والتعليقات وتسجيل المشاركات لا تعوّض برامج تكوين واضحة، ولا تحل خلافات التدبير، ولا تمنح الرياضيين ضمانات بشأن مشاركاتهم واستمرارية مساراتهم. وقد تتحول المنصات الرقمية، عندما تصبح واجهة للنشاط بدل أن تكون وسيلة للتواصل حول نتائجه، إلى مساحة تتعايش فيها صورة المؤسسة مع أسئلة الأداء والمحاسبة.
ومع ذلك، فإن معالجة هذه القضية تقتضي التمييز بين النقد الذي يوجهه الداودي إلى تدبير الجامعة وبين الوقائع التي تحتاج إلى توثيق مستقل. فالمطلوب ليس إصدار حكم مسبق على جميع المسؤولين أو اختزال عمل مؤسسة بكاملها في توصيف واحد، بل تحديد طبيعة الخلافات، وأثرها الفعلي على الرياضيين، والقرارات التي تأخرت، والجهات التي تتحمل مسؤولية ذلك.
الشباب والمرأة المغربية: من الخطاب إلى تكافؤ الفرص
تحمل تدوينة الداودي رسالة تتجاوز الوسط الرياضي إلى المجتمع، وخصوصًا إلى موقع المرأة المغربية في المجالات التي تتطلب الاستمرارية والانضباط والمنافسة على أعلى المستويات. فالبطلة التي تصل إلى المنافسات القارية لا تمثل نفسها فقط؛ إنها تجسد سنوات من التدريب والتضحيات، وقد تصبح مصدر إلهام لفتيات أخريات يفكرن في دخول الرياضة الاحترافية.
لكن قيمة هذا النموذج لا تُصان بالاحتفاء بالبطلات عند الفوز وحده. إنها تتطلب منظومة قادرة على حمايتهن من آثار الاضطراب الإداري، وتوفير شروط عادلة للتكوين والمشاركة والتطور. فالمرأة التي تختار الرياضة التنافسية تحتاج إلى فرص فعلية للاستمرار، لا إلى خطاب يشجعها على النجاح بينما تظل بعض الشروط العملية معلقة.
ومن هذه الزاوية، يلتقي موضوع البطلة مع قضية الشباب التي استحضرها الداودي في بداية تدوينته. فالعناية بالشباب لا تُقاس فقط بحجم البرامج المعلنة أو بعدد المبادرات، وإنما بقدرة المؤسسات على تحويل التوجيهات والأهداف إلى نتائج ملموسة في حياة الشباب، ومنهم الرياضيون الذين يحتاجون إلى قرارات في وقتها، ومسارات واضحة، ومؤسسات تضع مصلحتهم المهنية والرياضية في صدارة أولوياتها.
مسؤولية الوزارة: متى يصبح التأخر الإداري قضية تستوجب التوضيح؟
لا يكتفي الداودي بتوجيه النقد إلى الجامعة، بل يحمّل الوزارة المعنية مسؤولية التأخر في إجراءات التدخل. وهذه النقطة تنقل النقاش من مستوى الخلاف داخل مؤسسة رياضية إلى مستوى الرقابة والتدبير العمومي.
فإذا كانت هناك مشكلات مستمرة تؤثر في سير مؤسسة رياضية أو في مصالح ممارسيها، يصبح من الضروري معرفة ما قامت به الجهة الوصية، وما الإجراءات التي اتخذتها، وما الذي يفسر أي تأخر محتمل. ولا يمكن، في المقابل، تحديد المسؤولية القانونية أو الإدارية للوزارة من خلال التدوينة وحدها، من دون الاطلاع على المراسلات والقرارات والتوضيحات الرسمية ذات الصلة.
المسألة الأساسية هي أن التدخل الإداري لا ينبغي أن يُقاس بمجرد صدور موقف أو إعلان متابعة، بل بقدرته على معالجة الاختلالات المثبتة، وضمان استمرارية العمل، وحماية مصالح الرياضيين. وفي الرياضة التنافسية، قد يكون للوقت ثمن مباشر، لأن البطولات لها مواعيدها، والفرص قد تضيع قبل أن تنتهي الإجراءات.
أسئلة الداودي التي ينبغي أن تتحول إلى مساءلة عملية
تفتح قراءة الأستاذ محمد الداودي الباب أمام مجموعة من الأسئلة التي تستحق أجوبة موثقة:
-
ما طبيعة المشكلات التي دفعت البطلة المغربية إلى التعبير عن عدم استعدادها لانتظار حلها؟ وهل توجد قرارات أو إجراءات محددة أثرت في مسارها؟
-
ما التدابير التي اتخذتها الجامعة الملكية المغربية للكيك بوكسينغ لضمان استمرارية إعداد الرياضيين والرياضيات ومشاركاتهم؟
-
ما الإجراءات التي باشرتها الوزارة المعنية، وما الجدول الزمني لمعالجة الاختلالات التي ثبت وجودها؟
-
كيف يمكن إخضاع تدبير الجامعات الرياضية لمعايير أكثر وضوحًا في الشفافية وربط المسؤولية بالنتائج؟
-
ما الضمانات التي ينبغي توفيرها حتى لا تصبح الخلافات الإدارية عاملًا يهدد استقرار المسار الرياضي للمواهب المغربية؟


