حكم بأكثر من 32 مليون سنتيم ضد الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة.. ملف محمد أحداف يعيد عقود قناة تمازيغت إلى الواجهة

0
83

قضت المحكمة الابتدائية بالرباط، بحسب المعطيات الواردة بشأن الملف، بأداء الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة تعويضاً مالياً يفوق 32 مليون سنتيم لفائدة الأستاذ محمد أحداف، مع شمول الحكم بالنفاذ المعجل. وإذا تأكد منطوق الحكم بهذه الصيغة، فإن الملف لا يقف عند حدود التعويض المالي، بل يفتح النقاش حول كيفية تدبير العقود المهنية داخل مؤسسة إعلامية عمومية، وحول المسؤولية عن القرارات الإدارية التي قد تتحول، بعد سنوات، إلى نزاعات تتحمل المؤسسة تبعاتها المالية والقانونية.

صدر الحكم، وفق الخبر المتداول، يوم الخميس 8 أكتوبر 2026. غير أن رقم الملف ونسخة الحكم وتعليل المحكمة لم تُتحقق منها بصورة مستقلة، وهو ما يقتضي التمييز بين المعطيات المنشورة وبين ما يمكن إثباته بالوثيقة القضائية نفسها. كما أن النفاذ المعجل، إذا كان وارداً بالفعل في المنطوق، لا يعني بالضرورة أن الحكم أصبح نهائياً، بل يتعلق بإمكانية تنفيذه وفق الشروط القانونية المقررة، رغم عدم استنفاد طرق الطعن.

تعود الوقائع، بحسب الرواية المتداولة، إلى سنة 2024، حين جرى عدم تجديد عقد تقديم الخدمات الذي كان يربط محمد أحداف بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة. وكان الأستاذ يقدم خدمات إعلامية لفائدة قناة تمازيغت والإذاعة الأمازيغية منذ سنة 2010، بصفته خبيراً قانونياً ومحللاً مشاركاً في البرامج والنشرات الإخبارية.

وتفيد الرواية نفسها بأن قرار عدم التجديد اتُّخذ من جانب واحد، وأن أحداف واصل الحضور إلى استوديوهات القناة والإذاعة والمشاركة في برامجهما لأشهر، من دون أن يكون على علم بتوقيف العقد. وإذا أثبتت وثائق الملف هذه الوقائع، فإن المسألة تتجاوز الخلاف حول تجديد عقد لتشمل طبيعة العلاقة المهنية خلال الفترة التي استمر فيها تقديم الخدمات، ومدى وضوح الإجراءات التي اعتمدتها الإدارة لإبلاغ المعني بالأمر بقرارها.

فالتعاقد مع مؤسسة عمومية لا يعفي أي طرف من احترام الالتزامات التي يرتبها العقد والقانون، كما أن وصف المتعاون بأنه مستقل أو يعمل بنظام الخدمات لا يحسم وحده طبيعة العلاقة القانونية ولا يحدد، بمفرده، الحقوق المترتبة عنها. هذه مسائل تتوقف على مضمون العقد، وطبيعة الخدمات المنجزة، والوقائع التي ثبتت أمام المحكمة، لا على التسمية التي تختارها الإدارة للعلاقة المهنية.

وتقول المعطيات المنشورة إن أحداف حاول، بعد علمه برفض تجديد عقده، الوصول إلى تسوية ودية، قبل أن ينتهي الخلاف إلى القضاء. لكن تفاصيل المفاوضات، وموقف الشركة منها، والأسس القانونية التي اعتمدها الطرفان، لا تتوفر بشأنها وثائق مستقلة تسمح بتقديم رواية مكتملة.

ملف فردي داخل إشكال مهني أقدم

لم تكن مسألة العقود المهنية داخل قناة تمازيغت غائبة عن النقاش العمومي. ففي 16 يونيو 2017، نشرت هسبريس تقريراً عن شكاوى صحافيين وتقنيين يعملون بالقناة بموجب عقود محددة المدة، تحدثوا فيه عن ضعف الأجور، والتأخر في صرف المستحقات، والفوارق في التعويضات، وغياب بعض التغطيات الاجتماعية. وأورد التقرير، استناداً إلى إفادات مصادره، أن نسبة مهمة من العاملين كانوا يشتغلون بعقود محددة المدة، وأن بعضهم ظل يؤدي مهامه لسنوات من دون تسوية وضعه المهني

هذا التوثيق الصحافي السابق لا يثبت تلقائياً صحة كل ما يرد في الملف الحالي، ولا يجعل التجربتين متطابقتين من الناحية القانونية. لكنه يبين أن العلاقة بين المؤسسة والمتعاونين كانت موضوع شكاوى مهنية قبل سنوات من النزاع المنسوب إلى عقد محمد أحداف. ويستحق هذا الامتداد الزمني الانتباه عند تقييم ما إذا كانت المشكلة مرتبطة بقرار إداري محدد أم بممارسات تعاقدية أوسع تحتاج إلى مراجعة.

وفي ماي 2026، تناول تقرير آخر لجريدة العالم الأمازيغي اجتماعاً بين المكتب النقابي لقناة تمازيغت ومديرية الموارد البشرية بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، خُصص لبحث الأوضاع المهنية وظروف العمل.

وجود هذه الملفات في أزمنة مختلفة لا يكفي وحده لإثبات أن كل القرارات الإدارية كانت تعسفية، لكنه يجعل تدبير الموارد البشرية والعقود في القناة موضوعاً يستحق الفحص على أساس الوثائق، لا الاكتفاء بالتفسيرات المتبادلة بين الإدارة والمتضررين.

من يتحمل تبعات القرار؟

تضع القضية، وفق تفاصيلها المتداولة، مسؤولية القرارات السابقة في مواجهة المؤسسة التي أبرمت العقد أو تولت تدبيره. فالمدير الذي اتخذ قراراً إدارياً قد يغادر منصبه أو يُحال على التقاعد، لكن النزاع الناشئ عن ذلك القرار يمكن أن يستمر بعد مغادرته، وتظل الشركة طرفاً في المسطرة القضائية بما يترتب عنها من التزامات محتملة.

ومع ذلك، لا يكفي صدور حكم ضد الشركة لنسبة مسؤولية شخصية أو قانونية إلى مدير سابق، ما لم يثبت ذلك من خلال منطوق الحكم وتعليله أو وثائق أخرى ذات صلة. كما أن الحديث عن سياسة انتقامية أو تسلطية، أو عن حرمان عاملين من حقوقهم المادية، يظل اتهاماً يتطلب تحديد مصدره وأدلته، ولا يصح تقديمه باعتباره نتيجة قضائية محسومة في ملف محمد أحداف ما لم يتضح أن المحكمة تناولته بالفعل.

وتكتسب هذه الدقة أهمية إضافية لأن الأمر يتعلق بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، وهي الجهة التي تصدر عنها خدمات إعلامية عمومية، فيما تصف الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري قناة تمازيغت بأنها خدمة تلفزية عمومية للقرب، ذات برمجة عامة ومتنوعة، تستهدف حاجيات الجمهور المغربي الناطق بالأمازيغية في مجالات الإخبار والثقافة والتربية والترفيه.

لا تتوقف أهمية هذا الملف عند المبلغ المالي المتداول، بل ترتبط أيضاً بضرورة معرفة الأساس الذي اعتمدته المحكمة في تقدير التعويض، وطبيعة الضرر الذي ثبت لديها، وما إذا كان النزاع يتعلق حصراً بإنهاء العلاقة التعاقدية أم امتد إلى مستحقات أو التزامات أخرى. ولا يمكن الجزم بهذه التفاصيل من دون الاطلاع على الحكم.

يبقى أمام الشركة، من الناحية المهنية والمؤسساتية، أن توضح موقفها من الملف، وأن تكشف، بالقدر الذي تسمح به القواعد القانونية، عن طبيعة النزاع ومآله الإجرائي. كما يظل نشر منطوق الحكم وتعليله، أو توفير معطيات قضائية قابلة للتحقق، ضرورياً لتحديد ما ثبت قضائياً وما لا يزال في نطاق الروايات المتداولة.

فالمحاسبة الدقيقة تبدأ من الوثيقة التي حسمت النزاع، لا من الاتهامات التي رافقته، ولا من الأوصاف التي أُلصقت بأطرافه.