المغرب يساند السعودية في حماية أمنها.. لكن ماذا يحصل عليه المغاربة من شراكة تتجاوز الدفاع إلى حقوق السفر والتنقل؟

0
69

بين التضامن مع المملكة العربية السعودية والدفاع عن أمنها والديار المقدسة، وبين واقع التأشيرات وفرص التنقل أمام المواطنين المغاربة، تبرز مسألة تستحق نقاشاً صريحاً: هل تنعكس متانة العلاقات السياسية والدفاعية بين البلدين على التسهيلات التي يحصل عليها المواطن المغربي، أم أن الشراكة تظل أكثر وضوحاً عندما يتعلق الأمر بالمواقف الاستراتيجية والالتزامات الأمنية؟

تعود مسألة العلاقة بين المغرب والسعودية إلى الواجهة مع تصاعد الهجمات التي تستهدف الأراضي السعودية، في وقت تتحدث فيه تقارير صحفية عن تحركات لتعزيز التعاون الدفاعي بين الرباط والرياض. لكن قراءة هذه التطورات من زاوية مغربية تقتضي النظر أيضاً إلى ما ينتظره المواطن من علاقات بلاده الخارجية، لا إلى ما تقدمه الدولة على مستوى المواقف السياسية والعسكرية وحده.

فالمغربي الذي يساند المملكة العربية السعودية، ويعتبر أمنها واستقرارها جزءاً من أمن المنطقة، ويولي مكانة خاصة للحرمين الشريفين، من حقه أن يتساءل عن طبيعة المقابل المدني والاقتصادي لهذه العلاقة. لماذا لا تكون تسهيلات السفر والتنقل بين البلدين في مستوى الطموح المعلن للشراكة؟ ولماذا لا يُفتح نقاش رسمي بشأن منح المغاربة تأشيرات متعددة الدخول، طويلة الصلاحية، تتيح لهم زيارة السعودية للأعمال والسياحة وزيارة الأقارب والعمرة، وفق شروط واضحة وميسرة؟

المسألة لا تتعلق بمقايضة المواقف العسكرية بالتأشيرات، ولا باشتراط مقابل مادي أو سياسي عن التضامن مع السعودية. إنها تتعلق بمفهوم الشراكة المتوازنة، وبمدى قدرة العلاقات بين دولتين تربطهما روابط تاريخية وسياسية ودينية على توفير فرص ملموسة لمواطنيهما.

الهجمات على السعودية تعيد ملف التعاون الدفاعي إلى الواجهة

أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني السعودية، وفق ما نقلته وسائل إعلام دولية يوم 11 أكتوبر 2026، مقتل 12 شخصاً وإصابة أكثر من 300 آخرين في الهجوم الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي بالرياض يوم السبت 10 أكتوبر. واتهم التحالف بقيادة السعودية الحوثيين بالوقوف وراء الهجوم. وتأتي هذه الحصيلة بعد هجمات أخرى استهدفت منشآت سعودية، وسط تصاعد المخاوف الأمنية في المنطقة.

في ظل هذه التطورات، اكتسبت الاتصالات الدفاعية بين الرباط والرياض أهمية إضافية. فقد أجرى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان اتصالاً هاتفياً، يوم 28 شتنبر 2026، بالوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المغربي المكلف بإدارة الدفاع الوطني، عبد اللطيف لوديي. ووفق ما نشرته وكالة الأنباء السعودية، تناول الاتصال سبل تعزيز التعاون الدفاعي بين البلدين، والجهود المشتركة لدعم الأمن والاستقرار الإقليميين.

أما بشأن طبيعة المساندة المغربية الميدانية، فقد نشرت صحيفة «الصحيفة» إفادة من مصدر سعودي تحدث عن دعم عسكري مغربي لحماية الأراضي السعودية والديار المقدسة. غير أن هذه الإفادة، كما وردت في المادة الصحفية، لا تحدد طبيعة الدعم ولا حجمه، ولا توضح ما إذا كان يتعلق بتعاون تقني أو دفاعي، أو بمشاركة عناصر عسكرية في مهام ميدانية.

والتمييز ضروري بين ما أكدته الاتصالات الرسمية بشأن تعزيز التعاون الدفاعي، وما أوردته الصحيفة نقلاً عن مصدر لم تكشف هويته. فالمعلومات المنشورة لا تكفي وحدها للجزم بتفاصيل الانتشار العسكري المغربي أو بطبيعة المهام المنوطة به.

المغرب سبق أن شارك في التحالف الذي قادته السعودية في اليمن منذ إطلاق عملية «عاصفة الحزم» سنة 2015، مستخدماً مقاتلات من طراز F-16، قبل إنهاء مشاركته في العمليات العسكرية للتحالف في فبراير 2019. وهذه الخلفية تفسر لماذا تحضر المساهمة المغربية كلما تصاعد الحديث عن أمن السعودية، لكنها لا تعني أن طبيعة المشاركة السابقة تتطابق بالضرورة مع أي تعاون قائم اليوم.

التأشيرة السعودية: امتياز متاح لجنسيات غربية لا يشمل المغاربة بالطريقة نفسها

بعيداً عن المجال العسكري، تكشف قواعد الدخول السعودية عن تفاوت عملي يستحق النقاش. فالبوابة الرسمية للتأشيرة السياحية السعودية تتيح لمواطني مجموعة من الدول المؤهلة الحصول على تأشيرة إلكترونية صالحة لمدة سنة، متعددة الدخول، مع إقامة تصل إلى 90 يوماً وفق الشروط المحددة. ولا تظهر الجنسية المغربية ضمن قائمة الجنسيات المؤهلة للتقديم المباشر عبر هذه البوابة، ما يعني أن المغربي لا يستفيد من هذا المسار بالطريقة نفسها، ويتعين عليه التحقق من الإجراء المتاح له لدى الجهات السعودية المختصة.

والأمر لا يقف عند التأشيرة السياحية المعتادة. ففي 25 يونيو 2026، أعلنت وزارة الخارجية السعودية إطلاق خدمة تصريح السفر الإلكتروني للمواطنين البريطانيين، تتيح دخول المملكة مرات متعددة، والإقامة لمدة تصل إلى 180 يوماً خلال سنة، لأغراض تشمل السياحة والأعمال والدراسة القصيرة، مع استثناء العمل والإقامة والحج من نطاق هذا التصريح. وقد ربط الإعلان الخدمة بترتيبات تسهيل السفر المتبادلة بين السعودية والمملكة المتحدة.

هذه المقارنة لا تعني أن جميع الغربيين يتمتعون بالشروط نفسها، ولا أن التأشيرات السعودية تُمنح لكل مواطن غربي تلقائياً. لكنها تقدم مثالاً رسمياً واضحاً على أن الرياض تستطيع اعتماد آليات سفر مرنة ومتعددة الدخول لبعض الجنسيات، بينما يظل المواطن المغربي خارج مسار التأشيرة السياحية الإلكترونية المباشرة المتاح لتلك القائمة من الدول.

ويحق للمغاربة أن يطالبوا ببحث أسباب هذا التفاوت، وبأن تتحول العلاقات السياسية المتينة إلى نقاش عملي حول تسهيل السفر. فالتأشيرة طويلة الصلاحية ليست امتيازاً رمزياً فحسب؛ إنها تقلل كلفة الإجراءات المتكررة، وتيسر تنقل رجال الأعمال والصحافيين والباحثين والمهنيين والأسر، وتفتح مجالاً أوسع للتبادل الثقافي والاقتصادي.

المغاربة ليسوا مجرد قوة عمل

من الصعب تجاهل أن حضور المغاربة في السعودية يرتبط، بالنسبة إلى عدد من الأسر، بالعمل والإقامة المهنية. وتؤدي العمالة المغربية أدواراً في قطاعات متعددة، من الخدمات إلى المهن المتخصصة. لكن اختزال العلاقة في هذا الجانب، أو التعامل مع المواطن المغربي أساساً باعتباره عاملاً يستقدم وفق حاجات سوق العمل، لا ينسجم مع الصورة الأوسع التي تقدمها العلاقات الرسمية بين البلدين.

المغربي ليس مجرد عامل يبحث عن فرصة في الخارج. إنه أيضاً سائح محتمل، ومستثمر، وصاحب مشروع، وصحافي، وطالب علم، وفرد يريد زيارة أقاربه أو أداء العمرة بسهولة أكبر. وتيسير تنقله يخدم بدوره المصالح السعودية، سواء من خلال الإنفاق السياحي، أو توسيع العلاقات المهنية، أو تعزيز التبادل بين المجتمعين.

ولا يتعلق الأمر بالمطالبة بمعاملة استثنائية خارج القواعد، بل بإمكانية وضع تسهيلات واضحة للمواطنين المغاربة، تستند إلى الثقة المتبادلة ومصالح البلدين. وقد تشمل هذه التسهيلات تأشيرات متعددة الدخول، أو مساراً إلكترونياً مبسطاً، أو صلاحيات أطول للمؤهلين، وفق ضوابط الأمن والهجرة المعمول بها لدى السعودية.

التضامن مع السعودية لا يلغي حق المغرب في المطالبة بشراكة متوازنة

الموقف المغربي من أمن السعودية لا يحتاج إلى أن يُبنى على انتظار منفعة مباشرة. فالعلاقات بين الدول لا تُقاس بمنطق الفاتورة، كما أن التضامن مع المملكة العربية السعودية وحماية أمنها واستقرارها، ومكانة الحرمين الشريفين لدى المغاربة، لا ينبغي أن يتحول إلى موضوع للمزايدة أو إلى شرط للحصول على تسهيلات.

لكن رفض منطق المقايضة لا يعني القبول بعلاقة لا تظهر منافعها المدنية بالقدر نفسه الذي تظهر به التفاهمات السياسية والاستراتيجية. فمن حق المغرب، دولةً ومجتمعاً، أن يطرح مسألة تسهيل تنقل مواطنيه باعتبارها جزءاً طبيعياً من تطوير الشراكة مع السعودية.

وإذا كانت الاتصالات الرسمية تتحدث عن تعزيز التعاون الدفاعي، فإن توسيع التعاون الاقتصادي والسياحي والإنساني يستحق بدوره أن يحظى باهتمام مماثل. فالمواطن هو الذي يمنح العلاقات بين الدول بعدها الاجتماعي، وهو الذي يستطيع أن يحول التقارب السياسي إلى علاقات مهنية وتجارية وثقافية مستمرة.

لا تتوفر في المعطيات المنشورة هنا أدلة كافية تسمح بالقول إن السعودية تتعمد حصر دور المغاربة في العمالة، أو إن أي دعم مغربي محتمل جاء من دون مقابل سياسي أو استراتيجي. مثل هذه الأحكام تحتاج إلى معلومات موثقة عن السياسات والاتفاقات والنتائج الفعلية. لكن غياب الدليل على هذه الاتهامات لا يلغي السؤال المشروع بشأن تفاوت تسهيلات السفر.

المطلوب ليس التشكيك في العلاقات المغربية السعودية، ولا التقليل من أهمية الدفاع عن أمن المملكة العربية السعودية والديار المقدسة. المطلوب أن تتسع الشراكة لتشمل المواطن المغربي بصورة أوضح، وأن تبحث الرباط والرياض في تسهيلات ملموسة تتيح له السفر المتكرر، وتطوير الأعمال، وزيارة الأقارب وأداء العمرة، ضمن قواعد واضحة وعادلة.

فالمغاربة الذين يقفون إلى جانب السعودية في القضايا التي تمس أمنها واستقرارها، ينتظرون أيضاً أن يجدوا في العلاقة بين البلدين أبواباً أكثر انفتاحاً أمام تنقلهم ومبادراتهم ومصالحهم المشروعة. وهذا مطلب يستحق أن يُطرح بوضوح، وبعيداً عن المزايدة أو الاتهام، باعتباره جزءاً من بناء شراكة تخدم الدولتين والشعبين معاً.