عبيابة يعلنها صراحة: الاتحاد الدستوري يساند الحكومة من خارجها.. والمناصب ليست شرطاً

0
109

اختار حزب الاتحاد الدستوري الوقوف إلى جانب الحكومة المقبلة من موقع «المساندة النقدية»، واضعاً مسافة بين دعمه للأوراش الحكومية وبين المشاركة في تدبير الحقائب الوزارية. هذا ما أكده الحسن عبيابة، عضو المكتب السياسي للحزب، في تصريح لهسبريس، موضحاً أن وجود الحزب خارج الحكومة لا يعني انتقاله تلقائياً إلى المعارضة.

الموقف الذي أعلنه المكتب السياسي للحزب، الأحد، يفتح باباً مختلفاً في حسابات المرحلة المقبلة. فالاتحاد الدستوري، الذي أعلن في الأيام الأخيرة تشكيل فريق نيابي مشترك مع حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية يضم 25 عضواً، اختار أن يساند الحكومة مع الاحتفاظ باستقلالية قراره السياسي، مستنداً، وفق بلاغه، إلى تقارب برنامجه الانتخابي مع برنامج حزب الأصالة والمعاصرة.

الحسن عبيابة يشرح هذا الاختيار بلغة تتجاوز توزيع المواقع داخل الأغلبية والمعارضة. ويقول إن الحزب تربطه علاقات جيدة بمكونات الحكومة، سواء تعلق الأمر بالأصالة والمعاصرة أو بأحزاب الكتلة، معتبراً أن الحكومة المقبلة مطالبة بالتعامل مع رهانات الدولة، وليس باعتبارها امتداداً لمصلحة حزب بعينه.

في هذا التصور، يصبح موقع الحزب داخل البرلمان مرتبطاً بما ستقدمه الحكومة وما ستتخذه من قرارات، أكثر من ارتباطه بوجود وزراء يحملون اسمه داخل التشكيلة الحكومية. لكن هذا الموقف، مهما كانت مبرراته المعلنة، يضع الحزب أمام اختبار عملي: كيف يحافظ على استقلالية قراره وهو يعلن مسبقاً استعداده لدعم التجربة الحكومية؟

عبيابة يحدد الخطوط التي يقول إن حزبه سيعتمدها. القرارات الأساسية والمشاريع الكبرى ستحظى بالمساندة، أما الإجراءات التي يظهر أنها تعاني نقصاً أو تأخراً أو قد تقود إلى الفشل، فستكون موضع نقد وتحفظ. ويؤكد أن الحزب لن يغض الطرف عن الاختلالات إذا تأكد منها.

تلك هي الصيغة التي يريد الاتحاد الدستوري تقديمها للرأي العام: دعم مشروط بالتقييم، لا التزام مفتوح بالموافقة. غير أن فعاليتها ستتوقف على ما سيصدر عن ممثليه في مجلس النواب، وعلى قدرتهم على تحويل النقد المعلن إلى مواقف واضحة ومقترحات قابلة للنقاش، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقرارات تحظى بأولوية لدى الحكومة.

ويستند عبيابة في دفاعه عن هذا الاختيار إلى طبيعة الملفات المطروحة خلال المرحلة المقبلة. فهو يتحدث عن قضية الحكم الذاتي، وعن المشاريع الكبرى المرتبطة بالتنمية، وعن الاستعداد لتنظيم نهائيات كأس العالم 2030، إلى جانب أجندة وطنية يصفها بالمعقدة وضغوط دولية يرى أنها تزيد صعوبة الظرفية.

هذه الملفات، بحسب منطقه، تفرض على الأحزاب تجاوز الحسابات المرتبطة بمواقعها داخل الحكومة. ويعتبر أن الاكتفاء بالمعارضة قد يكون أسهل من تقديم البدائل والمساهمة في معالجة المشكلات، محذراً من أن تعثر التجربة الحكومية ستكون له انعكاسات على الأغلبية والمعارضة معاً.

لكن المعارضة، في المقابل، تظل وظيفة دستورية وسياسية لا تختزل في سهولة اتخاذ الموقف أو صعوبته. لذلك، فإن النقاش الحقيقي حول «المساندة النقدية» لن يُحسم بتوصيفها خياراً وطنياً أو مبدئياً، وإنما بمدى وضوح حدودها: ما القرارات التي سيؤيدها الحزب؟ وما المعايير التي سيعتمدها لتقييمها؟ ومتى يتحول التحفظ إلى تصويت بالرفض؟

لا يقدم التصريح أجوبة تفصيلية عن هذه الأسئلة، لكنه يكشف أن الحزب يريد الاحتفاظ بهامش للحركة بين دعم الحكومة ومساءلتها. وهذا الهامش قد يمنحه مرونة في التعامل مع الملفات المختلفة، لكنه يفرض عليه أيضاً توضيح موقفه كلما تعلق الأمر بقرار مثير للخلاف.

أما مسألة المناصب، فقد اختار عبيابة أن يتناولها مباشرة. إذ قال إن الحزب لا يركض وراء الحقائب الحكومية ولا يساوم الحزب الأغلبي من أجل الحصول عليها، مضيفاً أن الأحزاب قد تكون داخل الحكومة في مرحلة وخارجها في مرحلة أخرى. ورفض منطق ربط الموقف السياسي بما يحصل عليه الحزب من نصيب في السلطة.

هذا الكلام يعبر عن الموقف الذي يريد الاتحاد الدستوري تثبيته في هذه المرحلة، ولا يكفي وحده للحكم على كل حساباته المستقبلية. فالمشاركة الحكومية ليست المعيار الوحيد لقياس تأثير الأحزاب، كما أن البقاء خارجها لا يضمن تلقائياً استقلالية القرار أو قوة الرقابة. الفيصل سيكون في الممارسة، وفي ما إذا كان الحزب سيستطيع الدفاع عن اختياراته عندما تتعارض مع قرارات الأغلبية التي أعلن استعداده لمساندتها.

وفي ما يخص انتخاب رئيس مجلس النواب، أكد عبيابة أن أعضاء الحزب سيصوتون للمرشح الذي ستقدمه الأغلبية. أما الترشيحات المتعلقة بهياكل المجلس، فسيجري تدبيرها بالتوافق مع الحركة الديمقراطية الاجتماعية، باعتبارها الشريك الثاني في الفريق النيابي المشترك.

وهنا يظهر الجانب التنظيمي للموقف. فالاتحاد الدستوري لا يكتفي بإعلان توجه سياسي تجاه الحكومة، بل يربطه أيضاً بتنسيق برلماني مع الحركة الديمقراطية الاجتماعية، في إطار فريق يضم 25 نائباً. غير أن المعطيات المتاحة لا تكفي للجزم بأن هذا التنسيق سيقود إلى موقف موحد في جميع الملفات، إذ يظل ذلك رهيناً بما ستفرضه المناقشات والتصويتات داخل المجلس.

اختار الاتحاد الدستوري، إذاً، أن يبدأ الولاية التشريعية المقبلة من موقع يتيح له مساندة الحكومة من دون المشاركة فيها، مع الاحتفاظ بحق انتقادها عند الضرورة. أما نجاح هذا الخيار في إقناع المتابعين، فسيظل مرتبطاً بما سيظهر في الممارسة البرلمانية، لا بما تحمله التسمية من وعود.