أباسكال وبارديلا في سبتة المحتلة.. حين تتحول الهجرة إلى منصة لتصعيد الخطاب المعادي للمغرب

0
63

لم يحتج سانتياغو أباسكال، زعيم حزب «فوكس» الإسباني، وجوردان بارديلا، رئيس حزب «التجمع الوطني» الفرنسي، إلى مناسبة جديدة كي يعلنا تقاربهما السياسي. اختارا يوم 12 أكتوبر 2026، الذي تحتفل فيه إسبانيا بعيدها الوطني، للتوجه إلى سبتة المحتلة، حيث أعادا تقديم أزمة الهجرة باعتبارها تهديداً لأمن إسبانيا ومستقبل أوروبا، مع توجيه اتهامات مباشرة إلى المغرب والمطالبة بتشديد الحدود ورفع مستوى عسكرة مراقبتها.

جاءت الزيارة في وقت لا تزال فيه تداعيات التدفق الجماعي للمهاجرين خلال يومي 30 و31 يوليو الماضي تلقي بظلالها على المدينة، بعدما تحدثت السلطات الإسبانية عن أعداد كبيرة من الوافدين، فيما بقيت أرقام العابرين والمتوفين والأشخاص الذين ظلوا في سبتة موضع تقديرات متفاوتة. وبحسب المرصد التشريعي للبرلمان الأوروبي، فإن نحو 80 ألف شخص عبروا بصورة غير نظامية نحو سبتة بين 29 و31 يوليو، بينما أشار تقرير لوكالة رويترز إلى تقديرات إسبانية تقارب 72 ألف شخص. الفارق بين الرقمين لا يغير حجم الأزمة، لكنه يفرض الحذر قبل اعتماد أرقام أكثر دقة من دون بيان مصدرها وطريقة احتسابها.

اختار أباسكال أن يجعل من المناسبة الوطنية الإسبانية منصة لخطاب مختلف عن المراسم الرسمية في مدريد. فقد أعلن رفضه المشاركة في الاحتفالات إلى جانب الحكومة التي يقودها بيدرو سانشيز، مبرراً وجوده في سبتة بما وصفه بضرورة الدفاع عن الإسبان في مواجهة «الغزو». أما اصطحاب بارديلا، وهو سياسي فرنسي يقود حزباً ينافس على السلطة في بلاده، فقد أضاف إلى الزيارة بعداً يتجاوز التعبير عن موقف حزبي إسباني من تدبير الحدود.

لم تكن سبتة مجرد محطة جغرافية في برنامج الزعيمين. إنها مدينة تقع في شمال إفريقيا، وتديرها إسبانيا، ويطالب المغرب باستعادة سبتة ومليلية ضمن موقفه من بقايا الوجود الاستعماري، فيما تتمسك مدريد بسيادتها عليهما. هذا الخلاف قائم، ولا يجوز اختزاله في أزمة الهجرة، كما لا يمكن اعتبار زيارة سياسية مشتركة حاسمة في تحديد مآله القانوني أو الدبلوماسي.

لكن اختيار المدينة، في هذا التاريخ تحديداً، منح الخطاب الذي حمله الرجلان مضموناً سياسياً واضحاً: تقديم أمن الحدود باعتباره القضية المركزية، وربطها بالهوية الوطنية والأوروبية، ثم توسيع نطاقها من تدبير الهجرة إلى الحديث عن مستقبل القارة وهويتها الحضارية.

مواطنون في المدينة أم غرباء داخلها؟

خلال جولتهما في عدد من أحياء سبتة، استعاد مرافِقون للوفد صورة المدينة في سبعينيات القرن الماضي، عندما كانت عائلات إسبانية تقيم في أحياء أصبحت تضم اليوم عدداً كبيراً من العائلات ذات الأصول المغربية. ووفق ما أورده موقع «Le360»، انتقل الحديث إلى جنسية السكان وأصولهم، قبل أن يتضح أن عدداً منهم يحمل الجنسية الإسبانية أيضاً.

هذه التفاصيل تكتسب أهميتها من الموقف الذي عبّر عنه أباسكال لاحقاً. فقد تحدث عن سكان سبتة الإسبان باعتبارهم محاصرين، وقال إن ما شاهده في الشوارع لم يكن، بحسب وصفه، سكان المدينة، بل «غزاة» يتجولون فيها. كما طالب بإخراج من وصفهم بالغزاة من المدينة ومن الأراضي الإسبانية، من دون استثناء، ودعا إلى تعزيز الحدود وعسكرتها بصورة هيكلية.

المشكلة التي يثيرها هذا الخطاب لا تتعلق فقط بحدة الألفاظ. عندما يصبح الأصل المغربي أو الانتماء الديني سبباً ضمنياً للتشكيك في انتماء أشخاص إلى مدينة يقيمون فيها ويحمل بعضهم جنسيتها، تنتقل القضية من مراقبة الحدود إلى تعريف المجتمع نفسه: من يُعترف به بوصفه جزءاً من المدينة، ومن يُعامل باعتباره وجوداً طارئاً ينبغي التخلص منه؟

لا تسمح المعطيات المتاحة بتعميم هذا التصور على جميع مواقف حزب «فوكس» أو على المجتمع الإسباني، لكنها تكشف عن أثر استخدام مفردات مثل «الغزو» و«الميليشيات» في الخطاب السياسي. فالمهاجر الذي يعبر الحدود بصورة غير نظامية يخضع للقوانين والإجراءات المعمول بها، أما تصويره باعتباره عنصراً في قوة معادية فيمنح النقاش طابعاً أمنياً وعسكرياً، ويقلص المساحة المتاحة للحديث عن ظروف العبور، ووضع القاصرين، وحقوق الأشخاص، ومسؤوليات السلطات.

ولا يعني ذلك إنكار حق إسبانيا في ضبط حدودها أو معالجة آثار التدفقات غير النظامية. إنما يتعلق الأمر بالفارق بين تدبير أزمة حدودية وفق القانون، وبين استخدام الأزمة لتحديد هوية المواطنين المقبولين داخل المجتمع على أساس الأصل أو الدين.

اتهام المغرب.. ما الذي تثبته الوقائع؟

حمّل أباسكال المغرب مسؤولية ما سماه «غزواً» جرى تنظيمه أو السماح به، وربط ما حدث في يوليو بسياسة الحكومة الإسبانية. غير أن قوة الاتهام السياسي لا تعني، في حد ذاتها، أن عناصره ثبتت بالأدلة.

تحتاج أي دعوى بشأن تنظيم دولة لعملية عبور جماعي إلى التمييز بين ثلاثة أمور: وقوع العبور، ومدى نجاح أو إخفاق إجراءات المراقبة الحدودية، ووجود دليل يثبت أن سلطات الدولة المعنية أمرت بالعملية أو نظمتها بقصد الضغط السياسي. ثبوت الأمر الأول لا يكفي وحده لإثبات الأمر الثالث.

وقد أظهرت التغطيات الدولية للأحداث أن التدفق الجماعي كان واسعاً وخطيراً، وأن السلطات الإسبانية والمغربية تدخلت في مواجهته. كما تحدثت تقارير عن وفيات خلال محاولات العبور، وعن عودة أعداد كبيرة من الأشخاص إلى المغرب. لكن هذه الوقائع، على خطورتها، لا تشكل بمفردها دليلاً على أن الحكومة المغربية أصدرت أمراً بتنظيم العملية.

وتستحق صياغة الموقف الأوروبي بدورها قراءة دقيقة. ففي 17 سبتمبر 2026، اعتمد البرلمان الأوروبي قراراً بشأن الهجمات الهجينة والاستغلال السياسي للمهاجرين في سبتة، بأغلبية 339 صوتاً مقابل 225، مع 16 امتناعاً. وأدان القرار العبور الجماعي غير النظامي، ودعا إلى تعزيز حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وتناول استغلال الهجرة باعتباره أداة محتملة في حرب هجينة ضد السلامة الإقليمية لدولة عضو.

وجود هذا القرار حقيقة لا ينبغي تجاهلها، كما لا يصح اختزاله في رواية تقول إن المؤسسات الأوروبية لم تتناول احتمال توظيف الهجرة سياسياً. لكن من الضروري أيضاً التمييز بين توصيف البرلمان الأوروبي للواقعة في إطار الهجمات الهجينة، وبين إثبات مسؤولية الحكومة المغربية عن إصدار أوامر محددة بتنظيم العبور. فالعنوان السياسي للقرار ومضمونه العام لا يغنيان عن تحديد الأدلة والجهة التي تثبت مسؤوليتها.

في المقابل، لا يصح تحويل غياب دليل منشور يثبت أمراً مغربياً مباشراً إلى ادعاء بأن كل ملابسات الأزمة حُسمت نهائياً. ما يمكن تأكيده هو أن الاتهام الذي يطلقه سياسي خلال تجمع إعلامي ليس بديلاً عن التحقيق والوثائق والأدلة القابلة للفحص. وما يبقى غير محسوم ينبغي أن يظل كذلك إلى أن تتوافر معطيات كافية.

عندما يختصر أباسكال هذا الملف في كلمة «غزو»، ثم ينتقل مباشرة إلى المطالبة بطرد جماعي وعسكرة الحدود، فإنه يضع الاستنتاج السياسي في مقدمة النقاش قبل أن يعرض ما يكفي من الأدلة لإثبات المسؤولية التي ينسبها إلى المغرب. وهذه نقطة جوهرية في تقييم خطابه، خصوصاً أن العلاقات المغربية الإسبانية لا تقتصر على إدارة الحدود، بل تشمل تعاوناً أمنياً ومصالح اقتصادية وتحديات إقليمية مشتركة.

بارديلا يوسّع القضية من سبتة إلى مستقبل أوروبا

من جانبه، قدّم جوردان بارديلا الزيارة باعتبارها مناسبة لمعاينة ما وصفه بخطر وجودي يهدد القارة الأوروبية. وقال إن ما شاهده في سبتة يمثل مستقبل أوروبا إذا لم تستعد السيطرة على حدودها، وأكد تمسكه بأمن الإسبان وبالسيادة الإسبانية.

كما استند إلى رقم بلغ 86,800 حالة عبور، وفق ما أورده المقال الفرنسي الأصلي، من دون أن يقدم النص المتاح ما يكفي لتحديد مصدر هذا الرقم أو منهجية احتسابه. وتظل المقارنة مع التقديرات المنشورة، التي تراوحت بين نحو 72 ألفاً و80 ألفاً، ضرورية حتى لا تتحول الدقة الرقمية الظاهرية إلى وسيلة لتضخيم الانطباع السياسي.

الانتقال من أزمة محلية إلى «مستقبل أوروبا» هو جوهر الرسالة التي حملها بارديلا. فهو لم يكتف بالدفاع عن موقف إسبانيا من حدودها، بل ربط ما جرى في مدينة إفريقية بمشروع سياسي فرنسي أوسع، يتضمن قصر حرية التنقل داخل فضاء شنغن على مواطني الاتحاد الأوروبي، وإنشاء مراكز احتجاز خارج الاتحاد، وإسناد دور أكثر تشدداً إلى الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل «فرونتكس».

بهذا المعنى، أصبحت سبتة منصة لتقديم برنامج يتجاوز اختصاصات المدينة وحاجاتها المباشرة. وقد أتاح وجود بارديلا إلى جانب أباسكال الجمع بين ملف حدودي إسباني وبين خطاب انتخابي أوروبي يتغذى من المخاوف المرتبطة بالهجرة والهوية.

وتفيد التغطية المنشورة للزيارة بأن بارديلا واجه أيضاً أسئلة تتعلق بقضايا فرنسية داخلية، من بينها أسعار الوقود والعنف في المؤسسات التعليمية، فضلاً عن تقارير إعلامية ربطته برسائل قديمة معادية للسامية نُشرت على فيسبوك. غير أن إثارة هذه الملفات خلال الزيارة لا تكفي وحدها للحكم على دوافعها أو على أثرها الانتخابي؛ الأوضح أن المنصة التي قدمت باعتبارها دفاعاً عن سكان سبتة أتاحت كذلك لزعيم فرنسي مخاطبة قضايا جمهوره داخل فرنسا.

التاريخ الذي يحمله الخطاب

عندما يتحدث بارديلا عن «قيم الحضارة»، فإن العبارة تكتسب دلالتها من طبيعة الحزب الذي يقوده وتاريخه السياسي. فقد تأسس حزب «الجبهة الوطنية» الفرنسي سنة 1972، وكان بيير بوسكيه، وهو محارب سابق في فرقة شارلمان التابعة لقوات «فافن إس إس» النازية، من بين مؤسسيه وأول أمنائه الماليين. وأصبح الحزب لاحقاً «التجمع الوطني»، في إطار مسار سياسي سعى إلى تغيير صورته وتوسيع حضوره الانتخابي.

لا يعني ذلك أن كل موقف يتخذه الحزب اليوم يمكن تفسيره آلياً من خلال سيرة أحد مؤسسيه، كما لا يعفي التاريخ السياسي أي حزب من ضرورة فحص مواقفه الراهنة. لكنه يوضح لماذا يصبح الحديث عن الحضارة والهوية موضع مساءلة عندما يُستخدم لتصنيف الناس بحسب أصولهم، أو لتقديم وجود جماعة بشرية باعتباره تهديداً في ذاته.

أما حزب «فوكس»، فقد نشأ سنة 2013 بعد انشقاق عن الحزب الشعبي الإسباني، قبل أن يجعل قضايا الوحدة الترابية والهجرة والسيادة الوطنية من أبرز محاور خطابه. وقد سبق أن شارك مسؤولون وناشطون مرتبطون به في تحركات رمزية حول جبل طارق، الذي تديره بريطانيا، من بينها التحرك المرتبط بإزالة كتلة خرسانية في المياه القريبة منه سنة 2014، ثم دخول صخرة جبل طارق ورفع علم إسباني سنة 2016، وفق ما أورده المقال الفرنسي.

تسمح هذه الوقائع بمقارنة طريقة توظيف الحدود في الخطاب السياسي، لكنها لا تبرر مساواة قانونية تلقائية بين كل حالة وأخرى. فلكل واقعة ظروفها وتفاصيلها القانونية. مع ذلك، فإن المقارنة تفتح باباً مشروعاً لفحص الفرق بين الاحتفاء بتحرك رمزي يتجاوز الحدود حين يخدم تصوراً قومياً، والتعامل مع عبور حدودي آخر بوصفه عدواناً يستدعي الرد العسكري. المطلوب هنا هو اتساق المعيار، لا الاكتفاء برفع شعار السيادة عندما يكون ملائماً سياسياً.

سبتة المحتلة بين الخلاف المغربي الإسباني والمزايدة الحزبية

يظل الخلاف حول سبتة ومليلية أقدم من زيارة أباسكال وبارديلا، وأوسع من أزمة يوليو. فالمغرب يعتبر المدينتين من بقايا الوجود الاستعماري، فيما تتمسك إسبانيا بسيادتها عليهما. ولا تستطيع زيارة مشتركة لزعيمين من اليمين القومي المتشدد تغيير طبيعة هذا الخلاف أو حسمه، مثلما لا يمكن لخطاب إعلامي أن يحل محل المسار الدبلوماسي.

لكن للزيارة دلالة سياسية تستحق الانتباه: أباسكال، الذي يرفض ما يعتبره تدخلاً خارجياً في قضية السيادة الإسبانية، اصطحب معه سياسياً فرنسياً لتأكيد موقفه من المدينة. ومن الناحية السياسية، فإن الاستعانة بحليف أجنبي ليست تناقضاً قانونياً في ذاتها، لكنها تكشف أن القضية تُستخدم أيضاً لبناء جبهة سياسية عابرة للحدود بين أحزاب تتقاسم خطاباً متشدداً بشأن الهجرة والهوية.

أما المغرب، فلا يستفيد من التعامل مع كل تصريح باعتباره موقفاً رسمياً للدولة الإسبانية، ولا من الخلط بين خطاب حزب معارض وسياسة الحكومة أو المؤسسات. الموقف الأكثر دقة هو مساءلة الاتهامات التي تمس المملكة، وطلب الأدلة على ما ينسب إليها، مع الاحتفاظ بالتمييز بين التنافس الحزبي الإسباني وبين العلاقات الثنائية التي تحكمها مصالح والتزامات متبادلة.

ويكتسب هذا التمييز أهمية إضافية في ضوء استمرار التعاون بين البلدين، رغم الخلافات والضغوط المرتبطة بالهجرة. فقد نقلت رويترز في 9 أكتوبر 2026 تصريحات للملك محمد السادس اعتبر فيها أن نموذج التعاون الحالي في مجال الهجرة مع إسبانيا بلغ حدوده، ودعا إلى تصور جديد للشراكة يقوم على التنمية المشتركة والقوة الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.




ذلك الموقف يضع الأزمة في إطارها الأوسع: التعاون مع إسبانيا خيار استراتيجي للمغرب، لكنه لا يعني قبول تحميل المملكة مسؤولية سياسية أو أمنية من دون أدلة، ولا يحوّل التعاون الثنائي إلى التزام أحادي الجانب. فالمصالح المشتركة تستدعي مسؤولية مشتركة، كما أن إدارة الحدود لا تنفصل عن معالجة أسباب الهجرة، وحماية الأرواح، واحترام القانون.

في 12 أكتوبر، اختار أباسكال وبارديلا الحديث عن أوروبا من مدينة تقع جغرافياً في إفريقيا، وعن الحضارة من خلال خطاب يقسم السكان إلى من ينتمون إلى المدينة ومن يُقدَّمون بوصفهم غرباء عنها. وبقيت المسألة الأساسية معلقة بين ما هو ثابت في أزمة الهجرة وما لا يزال يحتاج إلى إثبات: كيف تُدار الحدود، ومن يتحمل مسؤولية ما وقع، وأين ينتهي الخلاف السياسي المشروع ليبدأ توظيف اتهام خطير ضد المغرب من دون عرض ما يكفي لإثباته.