«لوموند» تكتشف الهمة بعد 18 سنة.. واش بغات تعلّم المغاربة شكون كيسير بلادهم؟

0
79

حين يصبح قرب مستشار الملك من القرار موضوعاً للجدل، يستحق النقاش أن يتجاوز أسماء الأشخاص إلى طبيعة الدولة ومصالحها ومعايير الحكم على رجالها.

أعادت صحيفة «لوموند» الفرنسية، في تحقيق نشرته يوم 12 أكتوبر 2026 بقلم الصحافي سيمون روجيه، اسم فؤاد علي الهمة إلى واجهة النقاش حول مراكز النفوذ في المغرب. وربطت الصحيفة بين صعود حزب الأصالة والمعاصرة إلى صدارة الانتخابات التشريعية وتكليفه بقيادة الحكومة المقبلة، وبين المسار السياسي للرجل الذي أسس الحزب سنة 2008، قبل أن يغادر مسؤولياته الحزبية ويتولى منصب مستشار الملك محمد السادس.

لكن ثمة سؤالاً يستحق أن يُطرح من زاوية مغربية مختلفة: إذا كان فؤاد علي الهمة، كما تصفه الصحيفة، من الشخصيات التي تساهم في صناعة التوجهات والسياسات داخل الدولة، فأين تكمن المشكلة تحديداً؟ أفي طبيعة موقعه مستشاراً ملكياً، أم في القرارات التي قد تُنسب إليه، أم في النتائج التي تترتب عليها؟

التمييز بين هذه الأسئلة ضروري. فالمغرب دولة لها مؤسساتها واختياراتها الاستراتيجية ومصالحها الوطنية، ومن الطبيعي أن يكون في محيط الملك مستشارون وشخصيات يساهمون في التفكير وصناعة القرار. ولا يوجد في مجرد وجود مستشار ذي نفوذ ما يكفي، وحده، لإثبات وجود خلل. المعيار الأهم هو طبيعة القرارات، ومدى خدمتها للمصلحة العامة، وانسجامها مع المؤسسات والقواعد التي تؤطر عمل الدولة.

ومن هذه الزاوية، لا ينبغي أن يتحول الجدل حول فؤاد علي الهمة إلى مسابقة في تعداد علاقاته أو قياس المسافة التي تفصله عن مركز القرار. الأهم هو معرفة ما الذي يُنسب إليه على وجه الدقة، وما الذي تؤيده الوقائع، وما الذي يظل تقديراً أو رواية مصدرها أشخاص تحدثوا إلى الصحافة.

بين النفوذ والمسؤولية

تقدم «لوموند» صورة لرجل راكم، على امتداد سنوات، علاقة وثيقة بالملك محمد السادس، منذ الدراسة بالمدرسة المولوية، ثم مروره بوزارة الداخلية، وصولاً إلى تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة وتعيينه مستشاراً ملكياً بعد مغادرته العمل الحزبي سنة 2011.

وتستند الصحيفة إلى شهادات ومعلومات عن أدواره في ملفات سياسية وأمنية، كما تنقل روايات بشأن علاقته بمسؤولين وشخصيات عامة. غير أن بعض هذه المعطيات يظل منسوباً إلى مصادر الصحيفة، ولا يجوز التعامل معها جميعاً باعتبارها وقائع مثبتة قضائياً أو إقرارات صادرة عن المعني بالأمر. وقد أشارت الصحيفة إلى أنه لم يستجب لطلب إجراء مقابلة معها.

هذا التفريق لا يعني إغلاق باب النقد، وإنما احترام حق القارئ في معرفة الفرق بين المعلومة والاستنتاج والاتهام.

وإذا كان الرجل يمتلك بالفعل نفوذاً يتجاوز حدود مهامه الرسمية، كما ترى «لوموند»، فإن السؤال العملي يصبح أكثر تحديداً: كيف يُمارَس هذا النفوذ؟ وما الملفات التي يتدخل فيها؟ وما أثر ذلك على أداء المؤسسات وعلى حياة المواطنين؟

هذه أسئلة مشروعة، ويمكن بحثها بالوثائق والقرارات والتصريحات والنتائج. أما اختزال المسألة في كون الرجل قريباً من الملك، ثم اعتبار هذه العلاقة وحدها دليلاً كافياً على كل ما يُقال عنه، فلا يساعد على فهم آليات الحكم في المغرب.

الدولة تُقاس بما تحققه

في القضايا الاستراتيجية، من الصحراء المغربية إلى الأمن والسياسة الخارجية، ينصب اهتمام المواطن على قدرة الدولة على حماية وحدتها الترابية وصيانة مصالحها وتعزيز موقعها الدولي. وهو اهتمام مفهوم في بلد جعل من هذه الملفات عناصر أساسية في توجهاته الوطنية.

وتشير «لوموند»، نقلاً عن مصادر مرتبطة بالصحافي عمر بروكسي وكتابه «المغرب.. نهاية عهد»، إلى دور محتمل للهمة في استكمال الصيغة النهائية للمقترح المغربي بشأن تسوية نزاع الصحراء، الذي قدم إلى الأمم المتحدة في أكتوبر 2025. وتبقى تفاصيل هذا الدور، كما عرضتها الصحيفة، منسوبة إلى مصادرها، ولا تكفي المادة المنشورة وحدها لتحديد حجم مساهمته الفعلية.

ومع ذلك، فإن النقاش حول صناعة السياسات الاستراتيجية لا ينبغي أن يُختزل في هوية الشخص الذي ساهم فيها. فالمعيار الوطني هو مضمون السياسة ونتائجها ومدى خدمتها للمغرب. وإذا ساهم مسؤول أو مستشار في إعداد توجه يحمي المصالح المغربية، فإن تقييم عمله يجب أن ينطلق من ذلك، مع احترام المؤسسات والقواعد المنظمة لاتخاذ القرار.

وفي المقابل، لا تمنح صفة رجل الدولة أو القرب من المؤسسة الملكية أي شخص حصانة من الأسئلة المشروعة. فالاعتزاز بالدولة لا يتعارض مع طلب المعلومات، كما أن الدفاع عن المصالح الوطنية لا يقتضي قبول كل رواية إيجابية أو سلبية عن أي مسؤول من دون تمحيص.

هذه هي المسافة التي ينبغي الحفاظ عليها بين موقف وطني واضح وبين التقدير الصحافي المستقل.

لماذا يُطرح السؤال بهذه الطريقة؟

يبدو أن جانباً من الجدل الذي أثاره التحقيق الفرنسي مرتبط بصورة الرجل الذي يعمل بعيداً عن الأضواء، بينما تنسب إليه الصحيفة تأثيراً واسعاً في السياسة. وهذه الصورة تفتح نقاشاً أوسع بشأن العلاقة بين السلطة الرسمية والنفوذ غير المعلن، وهي قضية تتجاوز المغرب إلى أنظمة سياسية عديدة، وإن اختلفت مؤسساتها وطرق عملها.

لكن لا ينبغي أن يؤدي هذا النقاش إلى نتيجة جاهزة. فالتأثير السياسي لا يُقاس بالانطباعات وحدها، كما أن الحديث عن النفوذ لا يثبت تلقائياً أن صاحبه يقرر بمفرده أو يتحكم في كل المؤسسات. إثبات ذلك يحتاج إلى وقائع محددة، لا إلى مجرد تكرار أوصاف مثل «رجل الظل» أو «صانع القرار».

والأمر نفسه ينطبق على حزب الأصالة والمعاصرة. فتأسيس الهمة للحزب وعلاقته التاريخية به معطيان معروفان في المسار الذي تستعرضه الصحيفة، لكن تحديد مدى تأثيره الحالي في قرارات الحزب أو في تشكيل الحكومة المقبلة يتطلب أدلة مستقلة عن مجرد الصلة التاريخية.

أما الحكومة التي ستقودها فاطمة الزهراء المنصوري، فستكون مطالبة بتقديم برنامج واضح، وتدبير الملفات الاجتماعية والاقتصادية، وتحمل المسؤولية السياسية عن قراراتها. وفي نهاية المطاف، لا يستطيع أي نقاش حول المستشارين أن يحل محل تقييم أداء المؤسسات الحكومية وفق اختصاصاتها ونتائجها.

لا مشكلة في المستشار القوي، إنما في غياب المعايير الواضحة

يمكن للمغاربة أن يختلفوا في تقدير دور فؤاد علي الهمة، كما يمكنهم أن يناقشوا طبيعة نفوذه وعلاقته بحزب الأصالة والمعاصرة وموقعه داخل دوائر القرار. لكن من الأفضل أن يبدأ النقاش من الوقائع، لا من الأحكام المسبقة.

فإذا كان السؤال هو ما إذا كان مستشار ملكي يساهم في صناعة السياسات، فإن مجرد المساهمة ليس إدانة في حد ذاته. وإذا كان السؤال يتعلق بقرار محدد، فليُناقش القرار ومضمونه ونتائجه، وليُحدَّد ما إذا كانت هناك أدلة على تجاوز أو إخلال بالمسؤولية.

أما المغرب، فمصالحه الوطنية أكبر من أن تختزل في شخص، ومؤسساته أوسع من أن تُفسر جميع قراراتها من خلال اسم واحد. والوفاء للدولة لا يعني تحويل المسؤولين إلى أشخاص فوق النقاش، كما أن النقد لا يصبح أكثر صدقية لمجرد أنه يضع كل ما يتعلق بمراكز النفوذ في خانة الاتهام.

في النهاية، يستحق المغاربة نقاشاً واضحاً حول من يساهم في صنع القرار، وكيف تُتخذ القرارات، وما النتائج التي تحققها. وحين تتوافر الوقائع، يصبح الحكم أكثر إنصافاً، سواء تعلق الأمر بفؤاد علي الهمة أو بغيره من رجال الدولة.