حكومة المنصوري بعد أول إعفاء: ملف الدراسات يعيد سؤال المال العام إلى واجهة المسؤولية السياسية

0
140

بعد يومين فقط من تعيين الحكومة الجديدة، وجدت فاطمة الزهراء المنصوري نفسها أمام أول اختبار سياسي من نوعه. فقد وافق الملك محمد السادس، يوم 18 أكتوبر، على طلب رئيسة الحكومة إعفاء مديحة خيير، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، وفق ما أعلنه الديوان الملكي، بالتزامن مع تداول تقارير إعلامية بشأن قضية قضائية سابقة مرتبطة بها.

سرعة التعامل مع الملف تستحق التوقف عندها. فالمنصوري اختارت التحرك سريعاً بدل ترك الجدل يتراكم حول تعيين حديث العهد، في خطوة يمكن قراءتها باعتبارها استجابة لحساسية القضية وللنقاش العام الذي رافقها. ومن هذه الزاوية، تُحسب لرئيسة الحكومة سرعة الاستجابة في أول اختبار من هذا النوع، مع ضرورة التمييز بين هذا التقييم الأولي وبين الحكم على أداء حكومتها ككل.

لكن هذا التحرك يفتح سؤالاً آخر يتجاوز ملف الوزيرة المعفاة: هل ستُطبق معايير المساءلة بالسرعة والجدية نفسيهما عندما يتعلق الأمر بملفات تثير أسئلة بشأن تدبير المال العام أو المسؤوليات السابقة لبعض أعضاء الأغلبية؟

هذا السؤال يعيد إلى الواجهة قضية الدراسات التي تعاقد بشأنها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مع مكتب «MELA STRATEGIE & CONSEIL»، وهي قضية تناولها المجلس الأعلى للحسابات في تقريره بشأن مالية الأحزاب السياسية عن السنة المالية 2022.

هنا ينتقل النقاش من سرعة اتخاذ القرار إلى اتساق معايير التعامل مع الملفات. فما الذي يستدعي تدخلاً سياسياً عاجلاً، وما الذي يحتاج إلى توضيحات وتدقيق، وكيف يمكن التمييز بين الملاحظات الرقابية والمسؤولية القانونية الفردية؟

23 دراسة ومبلغ يفوق 1.8 مليون درهم

تعود القضية إلى الدعم العمومي الإضافي الذي حصل عليه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في 9 نونبر 2022، والبالغ 1.930.896,03 درهم، والمخصص لتغطية نفقات الدراسات والأبحاث.

وبحسب المعطيات التي أوردها تقرير المجلس الأعلى للحسابات المتعلق بتدقيق حسابات الأحزاب السياسية عن السنة المالية 2022، تعاقد الحزب مع مكتب «MELA STRATEGIE & CONSEIL» لإنجاز 23 دراسة في مجالات اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية وبيئية، بمبلغ إجمالي قدره 1.835.000 درهم.

لم تتوقف ملاحظات المجلس عند قيمة الصفقة. فقد سجل غياب اتفاقيات خاصة تحدد شروط إنجاز كل دراسة وسعرها على حدة، وهو ما حال، بحسب التقرير، دون وجود مقتضيات تعاقدية ومعايير تفصيلية تضبط الحاجيات والمتطلبات وكيفية إنجاز الأعمال المتفق عليها.

كما أشار إلى أن الحزب قدم 21 وثيقة فقط من أصل 23 دراسة، وأن الوثائق المقدمة جاءت في شكل عروض أو مذكرات موجزة تتضمن معلومات واقتراحات عامة متاحة للعموم، من دون استيفاء المنهجية العلمية المطلوبة في إنجاز الدراسات، وفق تقييم المجلس.

ومن بين النقط التي سجلها التقرير غياب عدد من الخطوات الأساسية، مثل تحديد أهداف كل دراسة وسياقها، وصياغة الإشكاليات والفرضيات، وتحديد البيانات والمؤشرات المطلوبة، فضلاً عن توثيق طرق جمع المعطيات وتحليلها ومصادر المعلومات المستخدمة.

هذه ملاحظات صادرة عن مؤسسة دستورية للرقابة المالية. وهي تتعلق بكيفية صرف الدعم العمومي ومدى احترام شروط التعاقد وتبرير النفقات. أما تحديد المسؤوليات الفردية أو استخلاص نتائج جنائية، فيحتاج إلى مسار قانوني وأدلة من طبيعة أخرى.

وتكتسب تركيبة مكتب الدراسات أهمية إضافية في هذا السياق. فقد أوردت التقارير المنشورة أن من بين شركائه أحمد المهدي المزواري، إلى جانب الحسن لشكر، نجل الكاتب الأول للحزب إدريس لشكر، وريم العاقد. وهو ما يفتح باب التساؤل حول مدى كفاية قواعد الشفافية وتدبير حالات تضارب المصالح عند إسناد أعمال ممولة من المال العام.

ماذا قال الحزب؟

في 29 مارس 2024، أصدر المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بياناً دافع فيه عن حق الحزب في التعاقد مع مكتب دراسات يراه مؤهلاً لإنجاز أبحاث تخدم عمله السياسي. واعتبر أن الأحزاب يمكنها الاستعانة بمكاتب وخبراء منسجمين مع مرجعياتها وتصوراتها.

كما جادل الحزب بأن الدراسات المعنية موجهة للاستعمال الداخلي، وأن تقييم مضمونها يعود إلى أجهزته، مع التشديد على أن القانون لا يمنع التعاقد مع مكتب دراسات لمجرد ارتباط أصحابه بالحياة الحزبية.

هذا الرد جزء ضروري من عرض القضية، لكنه لا ينهي الأسئلة التي أثارها تقرير المجلس. فحق الحزب في اختيار مكتب لإنجاز أبحاثه لا يتعارض مع مطالبته باحترام قواعد توثيق النفقات والشفافية في التعاقد وتقديم المخرجات المتفق عليها. كما أن الطابع الداخلي للدراسات لا يعفي الأموال العمومية من الرقابة.

وبحسب التقرير، أعاد الحزب إلى الخزينة مبلغ 95.896 درهماً، يمثل الفرق بين الدعم الإضافي الذي تلقاه والمبلغ الذي صرح بصرفه على الدراسات. وهذه واقعة مالية محددة، لكنها لا تعني في حد ذاتها أن جميع الملاحظات الرقابية قد حُسمت، ولا تثبت وحدها وجود جريمة.

المطلوب هنا هو التمييز بين ما جرى توثيقه، وما أجاب عنه الحزب، وما قد يستلزم توضيحات أو إجراءات إضافية من الجهات المختصة.

فاطمة السعدي: ملف آخر لا يجوز الخلط بينه وبين الإعفاء

في خضم تداول ملفات قضائية سابقة مرتبطة بأعضاء الحكومة، ظهرت أيضاً توضيحات بشأن الوزيرة المنتدبة المكلفة بالإسكان وسياسة المدينة، فاطمة السعدي، على خلفية قضية تعود إلى فترة رئاستها للمجلس الجماعي للحسيمة.

ونقل موقع «مواطن» يوم 19 أكتوبر 2026 عن مصدر مقرب منها أن القضية انتهت بحكم نهائي يقضي ببراءتها، مع تحميل المشتكي الصائر. وأضاف المصدر أن الوقائع تعلقت، بحسب روايته، بإجراءات لتحرير الملك العمومي وتطبيق القانون، نافياً أن تكون الوزيرة قد أدينت بالتهمة المتداولة بشأن الترامي على ملك الغير.

ويجب التعامل مع هذا التوضيح وفق مصدره: إنه موقف منسوب إلى مصدر مقرب من الوزيرة، وليس بديلاً عن الاطلاع المباشر على منطوق الحكم القضائي. ومع ذلك، فإن الادعاء بوجود حكم نهائي بالبراءة يستوجب التحقق من المآل القضائي الفعلي قبل إعادة تداول اتهامات سابقة باعتبارها حقيقة قائمة.

كما أن ملف السعدي يختلف عن ملف الدراسات المرتبطة بالاتحاد الاشتراكي، سواء من حيث طبيعة الوقائع أو المسار القانوني. ولا يصح وضع القضيتين في خانة واحدة لمجرد أنهما أثارتا نقاشاً بشأن أعضاء الحكومة.

المصدر: مواطن، 19 أكتوبر 2026

هل تتحول سرعة الاستجابة إلى معيار للمساءلة؟

تعيين حكومة جديدة يمنح رئيسها فرصة لترتيب أولويات العمل الحكومي وتحديد معايير اختيار المسؤولين. وقد أظهرت قضية مديحة خيير أن قراراً سياسياً يمكن أن يُتخذ بسرعة عندما يصبح أحد الملفات موضع نقاش عام واسع. لكن الاختبار الأهم يتعلق بكيفية التعامل مع ملفات أخرى تختلف في طبيعتها وأدلتها ومساراتها القانونية.

في حالة مديحة خيير، أصبح طلب الإعفاء قراراً رسمياً وافق عليه الملك وفق المسطرة الدستورية. أما في حالة أحمد المهدي المزواري، فإن المعطيات المتاحة تضع الملف في نطاق المساءلة الرقابية والسياسية، من دون أن تثبت صدور قرار مماثل أو حكم قضائي بالإدانة. ولا توجد قاعدة تسمح بالقول إن إثارة ملف رقابي ستؤدي حتماً إلى طلب إعفاء جديد.

غير أن المسؤولية السياسية لا تختزل في انتظار حكم جنائي. فالوزير الذي يثار بشأنه سؤال موثق حول علاقة سابقة بصفقة ممولة من الدعم العمومي يستطيع أن يوضح طبيعة دوره، وأن يبين ما إذا كانت هناك إجراءات اتخذت لمعالجة الملاحظات الرقابية. كما يستطيع الحزب المعني تقديم الوثائق والتوضيحات التي تساعد على فهم كيفية إنجاز الدراسات ومآلها.

وتبقى لرئيسة الحكومة مسؤولية تدبير هذا النوع من الملفات ضمن صلاحياتها، مع احترام استقلال المؤسسات الرقابية والقضائية. فالمعيار الذي يمكن اختباره عملياً هو مدى اتساق التعامل مع الوقائع، لا عدد الإعفاءات التي قد تصدر.

في انتظار أي مستجد رسمي، يظل السؤال الأهم متعلقاً بمصير الملاحظات التي سجلها المجلس الأعلى للحسابات، ومدى تقديم التوضيحات والوثائق اللازمة بشأنها، وما إذا كانت الجهات المختصة ترى موجباً لاتخاذ إجراءات إضافية.

أما تحويل كل ملف يثار إعلامياً إلى لائحة انتظار للإعفاءات، فقد يمنح النقاش السياسي عنواناً سريعاً، لكنه لا يقدم جواباً عن جوهر المسألة: كيف تُصان الأموال العمومية، وكيف تُحدد المسؤولية، وكيف يظل التعيين في المنصب العام مرتبطاً بالوضوح والثقة والمحاسبة؟