«وارث الأسرار» لمحمد نظيف.. حكاية عائلية تنبش ذاكرة الغياب وتواجه أسئلة الهوية والحقيقة

0
89

تستعد القاعات السينمائية المغربية لاستقبال الفيلم الروائي الطويل «وارث الأسرار» للمخرج المغربي محمد نظيف، ابتداءً من 4 نونبر 2026، في تجربة سينمائية تراهن على الدراما الإنسانية، وتستمد قوتها من حكاية عائلية تتشابك فيها مشاعر الحب والفقدان والأسرار المؤجلة، وتضع شخصياتها أمام مواجهة صعبة مع ماضٍ ظل لسنوات محاطاً بالصمت وسوء الفهم.

ويصل الفيلم إلى الجمهور المغربي بعد رحلة في عدد من المهرجانات السينمائية، حيث استطاع أن يلفت الانتباه ويحصد جوائز وتنويهات، سواء على مستوى العمل ككل أو من خلال أداء بطله يونس بواب، الذي يجسد الشخصية المحورية في هذه الحكاية.

يمتد «وارث الأسرار» على مدى ساعة و47 دقيقة، وهو ثمرة إنتاج مشترك مغربي كندي، ينتمي إلى الدراما العائلية، ومقتبس بحرية عن رواية «انعتاق الرغبة» للكاتبة المغربية فاتحة مرشيد، فيما تولى كتابة السيناريو كل من محمد نظيف وأوليفييه كوسماك.

وتنطلق الحكاية من شخصية فريد، الذي لم يكن يتجاوز الرابعة من عمره حين اختفى والده من حياته، تاركاً وراءه فراغاً عاطفياً رافق الطفل حتى مرحلة النضج. وكبر فريد وهو يحمل رواية واحدة عن ذلك الغياب: أن والده غادر المغرب من أجل امرأة أخرى، وأن عودته أصبحت أمراً مستبعداً.

غير أن رسالة تصل إليه من كندا، بعد عقود من الصمت والأكاذيب، تقلب الصورة التي استقرت في ذاكرته. فالحقيقة، كما يكشفها المخرج محمد نظيف، مختلفة تماماً عما ظل فريد يعتقده؛ إذ لم يكن رحيل الأب مرتبطاً بعلاقة عاطفية جديدة، وإنما جاء بناءً على طلب من أم فريد، أمينة، التي تؤدي دورها الممثلة نسرين الراضي، بعدما عبّر الأب عن رغبته في أن يصبح امرأة.

هذا التحول في مسار الحكاية يشكل نقطة الانطلاق الفعلية للصراع الدرامي، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد اكتشاف معلومة غائبة، وإنما بإعادة النظر في تاريخ عائلي كامل، وفي الروايات التي صُنعت داخل الأسرة، وظلت تتحكم في مشاعر أفرادها وعلاقاتهم لعقود.

وبمجرد انكشاف الحقيقة، يقرر فريد السفر إلى مونتريال بحثاً عن والده، الذي ظل ينتظر عودته طويلاً. وتتحول الرحلة إلى مواجهة مع ذاكرة شخصية مثقلة بالأسئلة، ومع واقع لم يكن مستعداً لاستقباله بهذه الصورة. وبين رغبة الابن في استعادة ما فقده، وحق الأب في اختيار مساره وهويته، تتشكل مساحة درامية تضع العلاقات الإنسانية أمام تعقيداتها بعيداً عن الأحكام الجاهزة.

ويختار محمد نظيف أن يروي هذه القصة من زاوية الابن، ومن خلال الألم الذي راكمه قرابة أربعين عاماً من الحرمان والانتظار. وهو اختيار يمنح الشخصية الرئيسية موقعاً أساسياً في بناء الحكاية، من دون أن يحوّل الفيلم إلى محاكمة لشخصياته أو إلى خطاب يفرض على المتفرج موقفاً مسبقاً. فالمخرج يترك للشخصيات مساحة للتعبير عن تناقضاتها ومخاوفها وحاجتها إلى الحرية، ويمنح الجمهور فرصة اكتشاف طبقات الحكاية والتفاعل مع أسئلتها الإنسانية.

وتكمن إحدى رهانات الفيلم في قدرته على نقل موضوع شديد الحساسية من مستوى الخبر العائلي إلى المجال السينمائي، حيث تصبح الذاكرة والهوية والاختيارات الشخصية عناصر لبناء الدراما، وليس مجرد خلفية للأحداث. كما يفتح العمل نقاشاً حول أثر الأسرار التي تُحجب داخل الأسر، وكيف يمكن لرواية واحدة غير مكتملة أن تصنع تصورات طويلة الأمد، وتؤثر في علاقة الأبناء بآبائهم وبأنفسهم.

«وارث الأسرار» هو ثالث فيلم روائي طويل في مسيرة محمد نظيف، بعد «الأندلس مونامور» و«نساء الجناح ج»، ويواصل من خلاله المخرج الاشتغال على الشخصيات والعلاقات الإنسانية، مع اختيار موضوع يمنح الممثلين مساحة واسعة لاستكشاف التحولات النفسية والانفعالية التي تفرضها المواجهة مع الماضي.

ويحمل الفيلم تشكيلة من الأسماء المغربية، يتقدمها يونس بواب في دور فريد، بمشاركة مونيا زحزام ونادية كوندا ونسرين الراضي والمهدي وأسماء الحضرمي ونور طالبي، في عمل تتقاطع فيه التجارب والأجيال حول محاور عائلية وإنسانية تتجاوز حدود الحكاية الفردية.

وعلى مستوى مساره السينمائي، سجل الفيلم عرضه المغربي الأول ضمن فعاليات المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة، خلال ماي ويونيو 2026، حيث حصد جائزة النقاد، فيما نال يونس بواب جائزة التشخيص الرجالي. كما حصل الممثل على تنويه خاص عن أدائه في مهرجان CinéAlma بمدينة كاروس الفرنسية، بينما توّج الفيلم بجائزة الجمهور في مهرجان Parlons d’Amour بفرنسا.

وتمنح هذه المحطات السينمائية للعمل رصيداً من التقدير قبل وصوله إلى القاعات التجارية، كما تضعه أمام اختبار مختلف مع الجمهور المغربي، الذي سيكتشف الحكاية خارج أجواء المهرجانات، وفي فضاء العرض السينمائي المفتوح على اختلاف القراءات والانطباعات.

ومع انطلاق عرضه ابتداءً من 4 نونبر 2026، يقدم «وارث الأسرار» تجربة درامية تقوم على الكشف التدريجي للحقيقة، وتعيد طرح سؤال الغياب من زاوية مختلفة: ماذا يحدث عندما يكتشف الإنسان، بعد سنوات طويلة، أن الحكاية التي بنى عليها جزءاً من حياته لم تكن كاملة؟

إنها حكاية عن أب وابن، وعن ذاكرة صنعتها الأكاذيب والصمت، وعن علاقات قد لا تنتهي بانتهاء الغياب، وإنما تظل معلقة إلى أن تأتي لحظة المواجهة. ومن خلال هذا المدخل، يراهن محمد نظيف على سينما تضع الإنسان وتعقيداته في قلب الصورة، وتترك للمشاهد مساحة التفكير والحكم والتأويل.