173 ألف منصب شغل تتبخر في ثلاثة أشهر.. الصناعة المغربية تعوّض جزءاً من نزيف الفلاحة والخدمات، وبطالة الشباب تقترب من الثلث

0
98

قراءة في أرقام المندوبية السامية للتخطيط: تراجع التشغيل في القرى، اتساع البطالة النسائية، واختبار جديد لقدرة الاقتصاد المغربي على تحويل النمو والاستثمار إلى فرص عمل مستقرة

لم يحتج سوق الشغل المغربي سوى ثلاثة أشهر لكي يفقد المكاسب الصافية التي كان قد حققها في الفصل السابق. فبين الفصل الثاني والثالث من سنة 2026، تراجع عدد الأشخاص المشتغلين مقابل دخل بـ173 ألف شخص، أي بنسبة 1,6 في المائة، لينخفض إجمالي هذه الفئة من حوالي 10 ملايين و643 ألفاً إلى 10 ملايين و470 ألف شخص. وفي الفترة نفسها، ارتفع عدد العاطلين بالمفهوم الضيق من مليون و121 ألفاً إلى مليون و224 ألفاً، بينما انتقل معدل البطالة من 9,5 إلى 10,5 في المائة.

هذه الأرقام، التي كشفت عنها المندوبية السامية للتخطيط في مذكرتها الصادرة يوم 3 نونبر 2026، لا تقدم صورة عن مجرد ارتفاع ظرفي في البطالة. فهي تكشف عن تراجع متزامن في حجم التشغيل وفي قدرة السوق على استيعاب الداخلين إليه، مع تفاوت واضح بين المجالات الترابية والقطاعات الاقتصادية والفئات الاجتماعية. غير أن قراءة هذه الحصيلة تقتضي الانتباه إلى تفصيل أساسي: الأرقام تتعلق بمقارنة فصلية، ولا تعني أن الاقتصاد المغربي فقد 173 ألف وظيفة دائمة خلال سنة، أو أن جميع هذه المناصب اختفت بالمعنى نفسه. فالمندوبية نفسها تنبه إلى أن التغيرات بين فصلين متتاليين قد تعكس عوامل بنيوية وموسمية وظرفية في الوقت ذاته.

والتفصيل الأكثر دلالة يظهر عند توزيع الخسارة حسب القطاعات. فقد فقدت الفلاحة والغابات والصيد البحري 145 ألف منصب شغل صافٍ، أي ما يقارب 84 في المائة من مجموع التراجع المسجل وطنياً. كما فقد قطاع الخدمات 96 ألف منصب، في حين تراجع التشغيل في البناء بثلاثة آلاف منصب. وفي الاتجاه المعاكس، استطاع القطاع الصناعي إحداث 69 ألف منصب إضافي، بزيادة بلغت 4,8 في المائة.

تسمح هذه الأرقام بقراءة أكثر دقة من الاكتفاء بالحديث عن فقدان 173 ألف منصب. فالصناعة لم تكن في حالة انكماش خلال هذا الفصل، بل سجلت تطوراً إيجابياً، غير أن مكاسبها لم تكن كافية لتعويض التراجع في القطاعات الأخرى. أما الفلاحة، التي ما زالت تشغل 2,425 مليون شخص، أي 23,2 في المائة من مجموع المشتغلين مقابل دخل، فقد ظلت الأكثر تأثيراً في حركة التشغيل الوطنية، خصوصاً في الوسط القروي حيث تمثل 54,1 في المائة من فرص العمل.

وتكشف المقارنة أن التراجع لم يكن موزعاً بالتساوي. فمن أصل 173 ألف منصب مفقود، سجل الوسط القروي 148 ألفاً، مقابل 25 ألفاً في المدن. وهذا يعني أن القرى تحملت نحو 85,5 في المائة من صافي الانخفاض. كما تراجع معدل الشغل مقابل دخل في الوسط القروي من 41,6 إلى 40 في المائة، مقابل انخفاض محدود نسبياً في المدن من 36,3 إلى 36 في المائة.

لا تكفي هذه الحصيلة وحدها لإثبات أن الاقتصاد القروي دخل مرحلة تدمير بنيوي لمناصب الشغل، لكن تركّز التراجع في المناطق التي يعتمد جزء كبير من نشاطها الاقتصادي على الفلاحة يعيد إلى الواجهة هشاشة نموذج تشغيل يتأثر بتقلب الإنتاج الزراعي والطلب الموسمي. كما أن استمرار تراجع التشغيل في الخدمات، رغم وزن هذا القطاع الذي يستوعب أكثر من 49 في المائة من المشتغلين، يبين أن مصادر استيعاب اليد العاملة لا تتحرك بالوتيرة نفسها، وأن نمو الصناعة، مهما كانت أهميته، لم يتحول بعد إلى قوة تعويض كافية على مستوى الاقتصاد الوطني.

أما البطالة، فقد سجلت ارتفاعاً من مليون و121 ألف شخص إلى مليون و224 ألفاً، أي بزيادة صافية بلغت 103 آلاف عاطل خلال فصل واحد. وبلغ المعدل الوطني 10,5 في المائة، لكن هذا المتوسط يخفي فوارق اجتماعية ومجالية واسعة. ففي الوسط الحضري وصل المعدل إلى 12,5 في المائة، مقابل 6,9 في المائة في الوسط القروي، مع ارتفاع أكبر في هذا الأخير مقارنة بالفصل السابق، بلغ 1,5 نقطة مقابل 0,6 نقطة في المدن.

وتكتسب الزيادة المسجلة في القرى دلالتها عند ربطها بخسارة 148 ألف منصب شغل في الوسط نفسه. فالمسألة لا تتعلق فقط بارتفاع عدد الأشخاص الذين يبحثون عن عمل، وإنما أيضاً بتراجع فرص التشغيل مقابل دخل في المجال الذي تتركز فيه نسبة كبيرة من الأنشطة الفلاحية. ومع ذلك، ينبغي عدم الخلط بين المؤشرين، لأن انتقال شخص من وضعية الشغل إلى البطالة أو إلى خارج اليد العاملة يخضع لشروط إحصائية محددة، ولا يمكن استنتاج مسارات الأفراد من الأرقام الصافية وحدها.

وتبدو الفوارق أكثر حدة عند الانتقال إلى الفئات العمرية. فقد ارتفع معدل البطالة لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة من 27,2 إلى 30,5 في المائة، بزيادة بلغت 3,3 نقاط خلال فصل واحد. أما الفئة المتراوحة أعمارها بين 25 و34 سنة، فقد سجلت معدل بطالة بلغ 16 في المائة، مقابل 14,5 في المائة في الفصل السابق.

لكن المؤشر الذي يستحق اهتماماً أكبر هو أن معدل الشغل مقابل دخل لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة لم يتجاوز 16,2 في المائة، وهو أدنى مستوى بين الفئات العمرية التي رصدتها المندوبية. وعندما تجمع هذه النسبة إلى معدل البطالة البالغ 30,5 في المائة، تتضح صعوبة وضعية الشباب في الانتقال من مرحلة الدراسة أو التكوين إلى الاندماج المهني. ولا يعني ذلك أن جميع الشباب خارج سوق العمل عاطلون، فهناك من يتابعون دراستهم أو التكوين، لكن الأرقام تكشف أن الفئة التي تدخل فعلياً إلى سوق الشغل تواجه احتمالاً مرتفعاً بعدم العثور على عمل.

وتزداد الصورة اتساعاً عندما نأخذ بعين الاعتبار المؤشر المركب لعدم الاستخدام الكافي لليد العاملة. فقد بلغ هذا المؤشر 44,5 في المائة لدى الشباب بين 15 و24 سنة، مقابل 30,5 في المائة لمعدل البطالة وحده. والفرق بين النسبتين ليس تفصيلاً حسابياً؛ فالمؤشر المركب يضم إلى العاطلين أشخاصاً آخرين لديهم احتياجات عمل غير مستوفاة، سواء كانوا ضمن اليد العاملة المحتملة أو يعانون من نقص في مدة العمل. وبذلك فإن قياس أزمة الشباب بالبطالة وحدها يترك جزءاً مهماً من الصورة خارج الحساب.

أما النساء، فقد انتقل معدل البطالة لديهن من 14,8 إلى 16,7 في المائة، بزيادة بلغت 1,9 نقطة، مقابل ارتفاع من 8,1 إلى 8,7 في المائة لدى الرجال. وبلغ المؤشر المركب لعدم الاستخدام الكافي لليد العاملة 28,5 في المائة لدى النساء، مقارنة بـ17 في المائة لدى الرجال.

غير أن قراءة وضعية النساء لا يمكن أن تتوقف عند معدل البطالة. فمعدل مشاركتهن في اليد العاملة لم يتجاوز 18,1 في المائة، مقابل 65,6 في المائة لدى الرجال، كما أن النساء لا يمثلن سوى 20,2 في المائة من مجموع الأشخاص المشتغلين مقابل دخل. وتكشف هذه الفوارق عن مشكلة أوسع من مجرد صعوبة العثور على وظيفة؛ إذ إن نسبة كبيرة من النساء لا تدخل أصلاً ضمن اليد العاملة وفق التعريف الإحصائي المعتمد، وبالتالي لا تظهر في معدل البطالة حتى وإن كانت تعيش قيوداً تحول دون الالتحاق بسوق العمل.

وتستدعي وضعية حاملي الشهادات بدورها قراءة تتجاوز الانطباع السريع. فقد بلغ معدل البطالة 18,1 في المائة لدى الحاصلين على الشهادات العليا، وهي النسبة نفسها المسجلة لدى حاملي الشهادات المتوسطة، مقابل 11,6 في المائة لدى حاملي الشهادات الأساسية و4,7 في المائة لدى الأشخاص الذين لا يتوفرون على شهادة.

هذه الأرقام لا تعني أن التعليم يؤدي إلى البطالة، ولا تسمح بمقارنة فرص العمل بين جميع الفئات من دون مراعاة معدلات المشاركة وطبيعة المؤهلات والقطاعات التي تستوعبها. لكنها تضع مسألة التوافق بين التكوين وحاجيات الاقتصاد أمام اختبار واضح. فحين يصل معدل البطالة لدى حاملي الشهادات العليا إلى المستوى نفسه المسجل لدى أصحاب الشهادات المتوسطة، تصبح فعالية الانتقال من التكوين إلى العمل، ومدى ارتباط البرامج التعليمية والمهنية بالطلب الاقتصادي، من القضايا التي تحتاج إلى تقييم قائم على معطيات تفصيلية، لا على الاكتفاء بأعداد الخريجين أو إعلانات إحداث فرص الشغل.

وتقدم المندوبية مؤشراً إضافياً يوسع دائرة القراءة. فقد بلغ عدد الأشخاص المعنيين بإحدى صور عدم الاستخدام الكافي لليد العاملة، أي البطالة بالمفهوم الضيق أو اليد العاملة المحتملة أو الشغل الناقص المرتبط بمدة العمل، نحو 2,4 مليون شخص خلال الفصل الثالث، بزيادة 80 ألفاً مقارنة بالفصل الثاني. وبلغ المعدل المركب لهذه الظاهرة 19,6 في المائة على المستوى الوطني، مقابل 18,9 في المائة سابقاً.

أما المعدل الذي يجمع البطالة بالمفهوم الضيق واليد العاملة المحتملة فقد بلغ 15,7 في المائة، في حين وصل المعدل الذي يجمع البطالة والشغل الناقص المرتبط بمدة العمل إلى 14,6 في المائة. وهذه مؤشرات مختلفة من حيث مكوناتها، ولا يجوز استعمالها باعتبارها أرقاماً متطابقة أو بدائل لمعدل البطالة الوطني.

وتكتسب هذه المراجعة الإحصائية أهمية خاصة لأن المندوبية لم تعد تعتمد البحث الوطني القديم حول التشغيل، بل انتقلت إلى البحث الجديد حول اليد العاملة لسنة 2026. وقد أعادت هذه المنظومة تعريف التشغيل باعتباره عملاً مقابل أجر أو ربح فردي أو عائلي، واعتمدت مفهوم البطالة بالمفهوم الضيق، الذي يشترط عدم توفر الشخص على عمل، والبحث النشيط عنه، والاستعداد للالتحاق به. كما وسعت قياس عدم الاستخدام الكافي لليد العاملة ليشمل أربعة مؤشرات، بدلاً من الاقتصار على معدل البطالة وحده.

وشملت المراجعة رفع العينة السنوية من 90 ألفاً إلى 135 ألف أسرة، وتحيين قاعدة المعاينة اعتماداً على نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، مع اعتماد نظام جديد لتناوب الأسر يسمح بمتابعة جزء من العينة بين الفصول والسنوات. ويقول المندوبية إن هذه التغييرات تستهدف تحسين دقة المؤشرات، خصوصاً على المستوى الجهوي والإقليمي، وتوسيع القدرة على رصد أشكال الهشاشة والتشغيل غير الكافي.

وتترتب عن هذا التغيير نتيجة منهجية مهمة: لا يمكن مقارنة معدل البطالة البالغ 10,5 في المائة مباشرة بالمعدلات التي كانت تنشرها المندوبية وفق البحث القديم، وكأن طريقة القياس لم تتغير. فقد أصبحت المقارنة مع السلاسل التاريخية ممكنة من خلال المؤشرات المعاد احتسابها وفق المفاهيم الجديدة، والتي نشرت المندوبية نسخاً مؤقتة منها، على أن يجري تحسينها قبل اعتماد نسختها النهائية. أما المقارنة بين الفصلين الثاني والثالث من سنة 2026، فتستند إلى المنظومة الإحصائية نفسها.

وتتجاوز أهمية هذه المعطيات حدود النقاش الإحصائي، لأنها تضع سياسات التشغيل أمام سؤال التنفيذ والنتائج. فالمغرب يراهن على الاستثمار في البنيات التحتية، وتطوير الصناعة، وجذب الاستثمارات، وتنشيط قطاعات الخدمات، بينما يظل خلق فرص العمل المستقرة أحد التحديات التي لا تحسمها معدلات النمو وحدها. وكان صندوق النقد الدولي، في تقريره حول المغرب الصادر في مارس 2026، قد أشار إلى أن إحداث فرص عمل مستدامة يظل أولوية ملحة، وربط ذلك بدينامية القطاع الخاص، وتحسين شروط المنافسة، وإصلاح سوق العمل، إلى جانب تعزيز الاستثمار في الرأسمال البشري.

ولا تقدم أرقام الفصل الثالث وحدها حكماً نهائياً على حصيلة السياسات الحكومية، كما لا تثبت أن الاستثمار الصناعي لم يحقق أثراً في التشغيل؛ فالقطاع الصناعي سجل بالفعل زيادة صافية بلغت 69 ألف منصب. لكنها تفرض التمييز بين حجم الاستثمار المعلن، وعدد المناصب التي يحدثها فعلياً، وطبيعة هذه المناصب، واستمراريتها، ومدى قدرة القطاعات الجديدة على استيعاب الشباب والنساء وحاملي الشهادات.

وتظهر الفوارق الجهوية أن المتوسط الوطني لا يعكس وحده خريطة سوق العمل. فقد سجلت جهة كلميم واد نون أعلى معدل مركب لعدم الاستخدام الكافي لليد العاملة بنسبة 38,7 في المائة، تليها جهة الشرق بنسبة 28,3 في المائة، بينما بلغ المعدل 9,2 في المائة بجهة الداخلة وادي الذهب، وهي نتيجة تصنفها المندوبية ضمن النتائج متوسطة الدلالة الإحصائية، وتوصي بالتعامل معها بحذر. كما سجلت جهة كلميم واد نون أعلى معدل للبطالة بالمفهوم الضيق، بنسبة 17,2 في المائة، مقابل 4,6 في المائة بجهة الداخلة وادي الذهب، وهي بدورها نتيجة متوسطة الدلالة الإحصائية.

إن ما سيحدد القيمة الحقيقية لهذه الأرقام خلال الفصول المقبلة ليس تكرارها في نشرات جديدة، بل معرفة ما إذا كان التراجع الفلاحي سيظل مرتبطاً بعوامل موسمية، وما إذا كانت الصناعة ستواصل إحداث مناصب إضافية، وما إذا كانت الخدمات قادرة على استعادة قدرتها على التشغيل، خصوصاً أن هذا القطاع يمثل قرابة نصف مجموع المشتغلين مقابل دخل. كما ستظل قدرة الاقتصاد على إدماج الشباب والنساء مؤشراً أساسياً على مدى تحول الاستثمار والنمو إلى فرص عمل فعلية.

فالمندوبية قدمت هذه المرة أكثر من رقم عن البطالة. لقد وضعت أمام صناع القرار صورة أوسع لعدد الأشخاص الذين لا يجدون عملاً، والذين لا يستطيعون دخول سوقه، والذين يشتغلون دون أن يحصلوا على مدة العمل التي يحتاجون إليها. وبين هذه الفئات تتوزع مشكلة لا تختزلها نسبة وطنية واحدة، ولا تحسمها حصيلة فصل واحد.