من مراكش إلى العالم… السينما المغربية تفتح أبوابها للتجارب الدولية وتكرّس حضور المملكة في المشهد السينمائي العالمي

0
81

لم تعد المكانة السينمائية للمغرب تُقاس فقط بعدد الأفلام التي تنتجها استوديوهاته، أو بحجم التظاهرات التي تحتضنها مدنه، وإنما بقدرته على بناء فضاء سينمائي متكامل يلتقي فيه الإبداع الوطني بالتجارب الدولية، وتتقاطع داخله الرؤى والمدارس الفنية والثقافات المختلفة. فمن مراكش، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أبرز المحطات السينمائية على الخريطة الثقافية الدولية، تتواصل مؤشرات انفتاح المملكة على السينما العالمية، في مسار يتجاوز منطق الاستضافة إلى طموح المشاركة والتأثير.

وفي هذا الامتداد، تأتي المبادرة التي يحتضنها المهرجان الدولي للفيلم القصير جداً بمراكش، بشراكة مع المدرسة الدولية ELARAKI International School of Morocco، التي تستعد لتنظيم لقاء استثنائي مع ثلاثة أسماء تنتمي إلى تجارب سينمائية مختلفة، مغربية وكندية وإيطالية، يوم الخميس 5 نوفمبر 2026، ابتداءً من الساعة الرابعة بعد الزوال، بمقر المؤسسة في حرم النخيل (Campus ENNAKHIL).

اللقاء، الذي يحمل عنوان «لقاء مع الفنانين»، يجمع الممثل والمخرج المغربي هشام الإبراهيمي، والمخرجة الكندية فانيسا-تاتيانا بيرلي، والمخرج الإيطالي أندريا مورغن. وهو تركيب فني متعدد الجنسيات يتيح للمشاركين الاقتراب من تجارب سينمائية تنتمي إلى خلفيات ثقافية ومهنية مختلفة، ويمنح السينما المغربية فرصة إضافية للتفاعل المباشر مع رؤى إبداعية قادمة من خارج حدودها.

من اختلاف المدارس السينمائية إلى وحدة اللغة الفنية

تكمن أهمية هذا الموعد في طبيعة اللقاء نفسه؛ فاجتماع فنان مغربي بمخرجة كندية ومخرج إيطالي لا يمثل مجرد تنوع في جنسيات الضيوف، بل يفتح المجال أمام مقارنة التجارب وأساليب الاشتغال، وفهم الاختلافات التي تصنع خصوصية كل مدرسة سينمائية، سواء على مستوى الكتابة والإخراج، أو بناء الصورة، أو توجيه الممثل، أو التعامل مع الزمن الدرامي.

ويحضر هشام الإبراهيمي في هذا الموعد باعتباره صوتاً من داخل التجربة السينمائية المغربية، بما يتيحه ذلك من إمكانية تقديم صورة عن تطور الممارسة الفنية الوطنية، والتحديات التي تواجه الممثل والمخرج المغربي في بيئة إنتاج تتغير باستمرار، وتتسع فيها فرص التعاون مع شركات ومبدعين من مختلف البلدان.

أما فانيسا-تاتيانا بيرلي، القادمة من كندا، وأندريا مورغن، القادم من إيطاليا، فيمثل حضورهما فرصة للتعرف على مقاربات أخرى في صناعة الفيلم، وعلى تجارب تتشكل داخل بيئات ثقافية وإنتاجية مختلفة. ولا يتعلق الأمر هنا باستعراض السير الذاتية للضيوف بقدر ما يتعلق بإتاحة المجال أمام حوار سينمائي مباشر، يسمح بتبادل الخبرات وطرح الأسئلة المرتبطة بمستقبل الصورة واللغة السينمائية.

الفيلم القصير جداً… مساحة صغيرة لأسئلة سينمائية كبيرة

وتكتسب هذه المبادرة دلالتها الإضافية من ارتباطها بمهرجان الفيلم القصير جداً، وهو جنس سينمائي يقوم على اقتصاد الزمن وكثافة التعبير، حيث يجد المخرج نفسه أمام مساحة محدودة لا تسمح بالاستطراد، وتفرض عليه بناء فكرة واضحة، وصورة مكثفة، وإيقاع قادر على إيصال المعنى في أقل وقت ممكن.

إن الفيلم القصير جداً ليس بالضرورة تمريناً أولياً يسبق الانتقال إلى الفيلم الطويل، بل يمكن أن يكون اختياراً فنياً قائماً بذاته، يختبر قدرة المبدع على اختزال الحكاية، وتحويل التفاصيل الصغيرة إلى مادة بصرية تحمل أبعاداً إنسانية وثقافية واسعة. كما يتيح هذا النوع السينمائي فرصاً أمام المواهب الجديدة لتجريب لغاتها الخاصة، بعيداً عن بعض القيود الإنتاجية التي ترافق الأعمال الطويلة.

ومن هذه الزاوية، فإن تنظيم لقاء مع فنانين ومخرجين من ثلاث دول داخل مؤسسة تعليمية يضيف بعداً تربوياً وثقافياً إلى المهرجان، ويجعل السينما أقرب إلى الأجيال الجديدة، لا باعتبارها صناعة للفرجة فقط، وإنما باعتبارها معرفة ومهنة وأداة لفهم المجتمعات وتحولاتها.

المغرب… من وجهة لاستقبال السينما العالمية إلى فضاء للمشاركة في صناعتها

لقد راكم المغرب خلال العقود الأخيرة عناصر مهمة عززت حضوره السينمائي الدولي؛ من البنيات التقنية ومواقع التصوير، إلى الكفاءات الفنية والتقنية، مروراً بالمهرجانات التي باتت تستقطب أسماء وتجارب من مختلف القارات. وأصبحت المملكة فضاءً يستقطب الإنتاجات الأجنبية، وفي الوقت نفسه يمنح السينمائيين المغاربة فرصاً متزايدة للتعريف بأعمالهم والانفتاح على شبكات التعاون الدولية.

غير أن الانتقال إلى مصاف الدول الكبرى سينمائياً لا يتحقق بمجرد احتضان التصوير الأجنبي أو تنظيم المهرجانات، وإنما يتطلب بناء صناعة وطنية قادرة على إنتاج الأفلام وتوزيعها وتسويقها دولياً، وتطوير مدارس التكوين، وحماية حقوق المبدعين، وتوسيع فرص التمويل، وتعزيز حضور الفيلم المغربي في المهرجانات والأسواق السينمائية العالمية.

وهذا ما يجعل اللقاء المرتقب بمراكش جزءاً من صورة ثقافية أوسع، عنوانها أن السينما المغربية لم تعد تنظر إلى التجارب الدولية من موقع المتلقي وحده، بل تسعى إلى الدخول في حوار معها، والاستفادة من خبراتها، وتقديم مبدعيها باعتبارهم شركاء في المشهد السينمائي العابر للحدود.

إن الرهان الحقيقي يكمن في تحويل هذا الانفتاح إلى تراكم مستدام، بحيث لا تبقى اللقاءات الفنية مناسبات معزولة، وإنما تتحول إلى جسور بين المبدعين والمنتجين والمؤسسات التعليمية والمهرجانات، وإلى فرص عملية تفتح أمام المواهب المغربية أبواب التعاون والإنتاج والتوزيع.

ومن مراكش، مرة أخرى، تتقدم السينما باعتبارها لغة تتجاوز الجغرافيا، وتمنح الثقافة المغربية فرصة إضافية لتقديم نفسها للعالم من خلال الإبداع والصورة والحوار. فطموح المغرب السينمائي لم يعد محصوراً في أن يكون بلداً يستقبل كبار صناع الفن السابع، بل أن يكون أيضاً من البلدان التي تصنع معهم مستقبل هذه الصناعة وتشارك في رسم ملامحها.

الموعد والتفاصيل

  • التظاهرة: لقاء مع الفنانين – المهرجان الدولي للفيلم القصير جداً بمراكش.

  • التاريخ: الخميس 5 نوفمبر 2026.

  • التوقيت: الساعة الرابعة بعد الزوال.

  • مكان اللقاء: المدرسة الدولية ELARAKI International School of Morocco – حرم النخيل (Campus ENNAKHIL).

  • الضيوف:

    • هشام الإبراهيمي – ممثل ومخرج مغربي.

    • فانيسا-تاتيانا بيرلي – مخرجة كندية.

    • أندريا مورغن – مخرج إيطالي.

لقاء يجمع ثلاث تجارب سينمائية من ثلاث دول، ويؤكد أن قوة الفن السابع لا تكمن فقط في الصورة التي تصل إلى الجمهور، بل أيضاً في الحوار الذي ينشأ خلف الكاميرا، وفي الجسور الثقافية التي تجعل من السينما لغة عالمية مفتوحة على المستقبل.