حكومة فاطمة الزهراء المنصوري تفتتح ولايتها بتعيينات في 11 منصباً عالياً.. توزيع المسؤوليات أم اختبار مبكر لمعايير الاستحقاق؟

0
74

في أول اجتماع لمجلس الحكومة بعد تنصيب حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، حضرت التعيينات في المناصب العليا بقوة في جدول الأعمال. فقد صادق المجلس، المنعقد يوم الخميس 5 نونبر 2026، على عشرة تعيينات جديدة، إلى جانب تجديد تعيين مسؤول واحد، موزعة على قطاعات حكومية ومؤسسات إدارية مختلفة.

القرار شمل أحد عشر اسماً، من وزارة العدل والأمانة العامة للحكومة، مروراً بوزارات الصناعة والتجارة، والشباب والثقافة والرياضة، والنقل واللوجيستيك، والاقتصاد والمالية، وصولاً إلى قطاع إعداد التراب الوطني والتعمير.

الواقعة ثابتة في البلاغ الرسمي لرئاسة الحكومة، لكن توصيفها باعتبارها توزيعاً لـ«كعكة التعيينات» يظل قراءة سياسية تحتاج إلى ما يسندها من معطيات حول طريقة اختيار المرشحين، ومساراتهم المهنية، والجهات التي اقترحت أسماءهم. فالبلاغ يعلن النتائج، ولا يقدم تفاصيل ملفات الترشيح أو محاضر الانتقاء أو المعايير التي رجحت كل اسم.

الفصل 92 ومعايير الاستحقاق: ماذا يقول القانون؟

الإحالة إلى الفصل 92 من الدستور ليست إجراءً شكلياً، وإنما تستند إلى منظومة قانونية تنظم التعيين في الوظائف المدنية العليا داخل الإدارات العمومية، والوظائف السامية بالمؤسسات والمقاولات العمومية التي تدخل ضمن اختصاص مجلس الحكومة.

ويحدد القانون التنظيمي رقم 02.12، الصادر في 17 يوليوز 2012، المبادئ التي يفترض أن تحكم هذه التعيينات، وفي مقدمتها تكافؤ الفرص والاستحقاق والشفافية والمساواة بين المرشحات والمرشحين، مع منع التمييز على أساس الانتماء السياسي أو النقابي أو غيره من الأسباب التي تتعارض مع الدستور ومبادئ حقوق الإنسان.

أما معايير الاختيار، فتشمل المستوى التعليمي والكفاءة اللازمة، والنزاهة والاستقامة، والتجربة المهنية داخل الإدارات والمؤسسات العمومية أو القطاع الخاص، داخل المغرب أو خارجه.

وتنص المادة الخامسة من القانون نفسه على أن مسطرة اقتراح المرشحين وتقديم ملفاتهم وعرضها على مجلس الحكومة تخضع لنص تنظيمي. كما تحيل بوابة التشغيل العمومي إلى المرسوم رقم 2.12.412 الصادر في 11 أكتوبر 2012 باعتباره النص التطبيقي لهذه المسطرة.

هذه المقتضيات تجعل النقاش حول التعيينات مرتبطاً بكيفية تطبيق معايير الاستحقاق، وليس بمجرد انعقاد مجلس الحكومة والمصادقة على الأسماء. فالمجلس يتداول في المقترحات التي تعرض عليه، بينما تبدأ مسؤولية إعداد الترشيحات واقتراحها لدى السلطات الحكومية المعنية.

ولا يقدم البلاغ المنشور يوم 5 نونبر تفاصيل تسمح بمعرفة ما إذا كانت المناصب قد عرفت فتح باب الترشيح، وعدد الملفات المتنافسة عليها، وكيف جرى تقييم الكفاءات، أو ما إذا كانت هناك تقارير للجان الانتقاء يمكن الاطلاع عليها. غياب هذه التفاصيل من البلاغ لا يثبت غياب المسطرة القانونية، لكنه يترك للرأي العام مساحة محدودة لتقييم مدى احترامها عملياً.

أحد عشر تعييناً بين قطاعات مختلفة.. أين تتركز المسؤوليات؟

توزيع الأسماء يكشف أن الأمر يتعلق بمواقع إدارية لها وظائف متباينة، وليس بحزمة متجانسة من المناصب.

في الأمانة العامة للحكومة، عُيّن توفيق مدياني مديراً لتشريعات الحكامة والحقوق والحريات والتشريعات الخاصة، ومحمد الياديني مديراً لتشريعات البنيات الأساسية والقطاعات الإنتاجية والتنمية المستدامة. وهما منصبان يرتبطان مباشرة بالعمل التشريعي وصياغة النصوص القانونية ومواكبة تطور الإطار التنظيمي للسياسات العمومية.

وفي وزارة العدل، أُسندت إلى فاطمة الزهراء شعبة إدارة المعهد الوطني لكتابة الضبط والمهن القانونية والقضائية. أما وزارة الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي، فعرفت تعيين ياسين احميمي مديراً للإحصائيات والدراسات والرصد والتقييم، وهي وظيفة ترتبط بإنتاج المعطيات التي تحتاج إليها الإدارة في تقييم السياسات والبرامج القطاعية.

قطاع الشباب والثقافة والرياضة سجل تعيينين: حفيظة خويي على رأس المعهد الوطني العالي للموسيقى والفن الكوريغرافي، ومحمد شكال مديراً للشباب.

وفي قطاع النقل واللوجيستيك، تولى صفاء الرداف مديرية الملاحة الجوية المدنية، بينما عُيّن شفيق الصلوح مديراً للمراقبة والأبحاث الجمركية بإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية.

أما وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فكانت صاحبة الحصة الأكبر من هذه التعيينات، بثلاثة مواقع: الحسين حيدة مديراً للوكالة الحضرية للصخيرات – تمارة، وهشام الخرساني مديراً للوكالة الحضرية للرباط – سلا، مع تجديد تعيين سعيد كبرى مديراً للوكالة الحضرية للرشيدية – ميدلت.

هذا التوزيع يضع ثلاث وكالات حضرية ضمن القرارات نفسها، وهي مؤسسات تضطلع بأدوار مرتبطة بالتخطيط العمراني ومواكبة التوسع الحضري وتأطير التنمية المجالية. ولا يتعلق الأمر بمجرد تدبير إداري داخلي؛ فعمل هذه المؤسسات ينعكس على وثائق التعمير، ومجالات الاستثمار، والتوازن بين حاجيات السكن ومتطلبات التنمية المحلية.

ثلاثة مناصب في التعمير.. وقطاعان آخران بتعيينين

تستحق حصة وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير وقفة خاصة. فثلاثة تعيينات من أصل عشرة مناصب جديدة، فضلاً عن تجديد التعيين، ذهبت إلى الوكالات الحضرية. ويتعلق الأمر بمناطق ذات خصوصيات عمرانية ومجالية مختلفة: الرباط – سلا، والصخيرات – تمارة، والرشيدية – ميدلت.

الرهان هنا يرتبط بقدرة هذه المؤسسات على مواكبة التحولات العمرانية، وتحسين جودة التخطيط، وتسريع معالجة الملفات، وتوفير بيئة أكثر وضوحاً للمستثمرين والجماعات الترابية والمواطنين.

وفي قطاع الشباب والثقافة، يجمع التعيين بين مؤسستين مختلفتين في طبيعة العمل: مؤسسة للتكوين الفني والموسيقي، ومديرية للشباب. أما الأمانة العامة للحكومة، فتجد نفسها أمام مسؤوليتين تتصلان بجودة التشريع ومواكبة النصوص القانونية التي تؤطر قطاعات متعددة.

هذه المواقع ستُختبر بما تنتجه من عمل، لا بمجرد صدور قرارات التعيين. فمدير الإحصائيات، مثلاً، لا تقاس مسؤوليته بعنوان المنصب، وإنما بمدى قدرة الإدارة على توفير معطيات دقيقة ومحينة. ومدير المراقبة والأبحاث الجمركية يُفترض أن ينعكس عمله على فعالية مراقبة المبادلات ومحاربة المخالفات الجمركية. ومدير الملاحة الجوية المدنية يتحمل مسؤولية تدخل ضمن قطاع يتطلب مستويات عالية من التنظيم والسلامة والنجاعة.

حكومة جديدة ومسؤولية قديمة: هل تتغير طريقة تدبير المناصب العليا؟

ثمة نقطة زمنية تستحق التصحيح قبل البناء عليها: اجتماع 5 نونبر لم يكن أول اجتماع لحكومة المنصوري بعد تنصيبها؛ فالأرشيف الرسمي لرئاسة الحكومة يوثق اجتماعاً سابقاً بتاريخ 20 أكتوبر 2026. وبالتالي، فإن ما يميز اجتماع 5 نونبر هو المصادقة على هذه الحزمة من التعيينات، وليس كونه أول مجلس حكومي للحكومة الجديدة.

أما سياسياً وإدارياً، فإن انتقال المسؤولية الحكومية إلى قيادة جديدة يضع التعيينات في صلب اختبار الاستمرارية والتغيير. فالمناصب العليا ليست امتداداً آلياً للتوازنات السياسية التي أفرزت الأغلبية الحكومية، كما أنها ليست مجالاً ينبغي أن يُترك للتقدير غير المعلن.

القانون يضع الاستحقاق والكفاءة والشفافية وتكافؤ الفرص في مقدمة المبادئ. ولا يكفي أن تستوفي القرارات الشكل الدستوري حتى يصبح تقييمها محسوماً؛ إذ تظل جودة المسطرة، وطريقة اختيار المرشحين، ومدى تطابق مؤهلاتهم مع طبيعة المسؤوليات، عناصر أساسية في الحكم على سلامة التدبير.

ولا تتوفر، ضمن الوثائق المنشورة التي أمكن مراجعتها، معطيات تفصيلية عن المسارات المهنية للأسماء الأحد عشر أو نتائج لجان الانتقاء، لذلك لا يمكن إصدار حكم بشأن أحقيتهم في المناصب، كما لا توجد أدلة تسمح بوصف التعيينات بأنها محاصصة حزبية أو مكافآت سياسية.

كذلك لا يقدم البلاغ أي معطيات عن الأجور والتعويضات المرتبطة بهذه المسؤوليات، ولذلك فإن وصفها جميعاً بأنها «مناصب سمينة» يبقى تعبيراً سياسياً عن أهمية مواقع القرار، وليس توصيفاً مالياً مثبتاً.

ويبقى تجديد تعيين سعيد كبرى حالة مختلفة عن التعيينات العشرة الجديدة؛ فهو قرار باستمرار مسؤول في منصبه، ويستدعي تقييم حصيلته السابقة، ومدى تحقيق الوكالة الحضرية للرشيدية – ميدلت لأهدافها، قبل النظر إلى التجديد باعتباره مجرد اسم إضافي في اللائحة.

الاختبار الحقيقي لحكومة المنصوري لن يكون في عدد الأسماء التي تصادق عليها، وإنما في قدرتها على جعل التعيين في المسؤولية العمومية مرتبطاً بالكفاءة والنتائج والمحاسبة. فالمواطن لا ينتظر معرفة من أصبح مديراً لهذه المؤسسة أو تلك بقدر ما ينتظر أن يلمس أثر الإدارة التي يديرها.