ستة مليارات درهم سنوياً لإدماج الشباب.. وميزانية 2027 تفتح سؤال الإنصاف: من يستثمر في رياضة النخبة، ومن يترك رياضة أبناء الشعب على الهامش؟

0
78

مشروع ميزانية 2027 يرفع سقف التكوين والإدماج المهني ومواكبة المقاولات، ويمنح الرياضة موقعاً ضمن رهانات التنمية والتشغيل. غير أن الأرقام المعلنة تفتح نقاشاً يتجاوز حجم الاعتمادات: هل تتوفر المنظومة الرياضية المغربية على البنية الإدارية والتدبيرية والاقتصادية القادرة على تحويل الاستثمار العمومي إلى مهن مستقرة، وتوسيع قاعدة الممارسة الرياضية، بدل استمرار تركيز جانب كبير من الاهتمام على رياضة النخبة وكرة القدم؟

لا تُقرأ الأرقام الواردة في مشروع ميزانية 2027 باعتبارها اعتمادات مالية متفرقة فحسب؛ فهي تعكس تصوراً حكومياً يربط التكوين بالتشغيل، ويضع مواكبة الشباب والمقاولات والبنيات الاجتماعية والرياضية ضمن مسار يفترض أن يفضي إلى إدماج اقتصادي أوسع. لكن المسافة بين الإعلان عن البرامج وتحقيق أثرها الفعلي تظل مرتبطة بما سيجري على مستوى التنفيذ، وبقدرة المؤسسات المكلفة على تحويل الموارد إلى خدمات وفرص قابلة للقياس.

ويستحق التوجه نحو توسيع البنيات الرياضية للقرب التنويه من حيث المبدأ، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإتاحة فضاءات للممارسة أمام الأطفال والشباب والأسر خارج منطق المنشآت الكبرى ومراكز النخبة. كما أن الإعلان عن إحداث أو تأهيل مئات الملاعب والقرب يندرج ضمن حاجة حقيقية إلى تقريب الرياضة من الأحياء والمناطق التي لا تتوفر دائماً على تجهيزات مناسبة. غير أن نجاح هذا الاختيار لا يقاس بعدد المنشآت التي تُعلن أو تُنجز فقط، بل أيضاً بنوعية الرياضات التي تستوعبها، وبشروط الولوج إليها، وبطريقة تدبيرها، وبمدى قدرتها على الاستمرار في تقديم خدمة عمومية منتظمة.

فالممارسة الرياضية الشعبية لا تختزل في كرة القدم، مهما كانت مكانتها الجماهيرية وحضورها في الاستثمار والاهتمام الإعلامي. هناك رياضات القاعات والفنون القتالية والدفاع عن النفس، من الجودو والكاراتيه والتايكواندو إلى المصارعة والساندا والسامبو والجيوجيتسو البرازيلي والفنون القتالية المختلطة، فضلاً عن رياضات أخرى تحتاج إلى فضاءات وتجهيزات مختلفة عن الملاعب المفتوحة. وهذه التخصصات لا تحتاج كلها إلى مركبات ضخمة أو استثمارات ثقيلة؛ ففي حالات كثيرة يمكن لقاعة مغطاة بمساحة تتراوح بين 150 و200 متر مربع، مجهزة بأرضية ملائمة وحصائر أو بساط رياضي، أن توفر شروطاً عملية للتدريب والتأطير وتنظيم المنافسات المحلية.

المسألة، إذن، ليست المفاضلة بين ملعب للقرب وقاعة للفنون القتالية، ولا التقليل من أهمية الاستثمار في كرة القدم، وإنما التأكد من أن سياسة البنيات الرياضية تستجيب لتنوع الممارسة والحاجات المحلية. فملعب القرب لا يعوض قاعة الجودو أو الكاراتيه، كما أن القاعة المتخصصة لا تعوض فضاء كرة القدم؛ ولكل منشأة جمهورها وتجهيزاتها وشروط السلامة والتأطير الخاصة بها. ويظل السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه البرامج المعلنة هو: كيف ستُوزع هذه البنيات بحسب الحاجات الفعلية للمناطق والرياضات، وكيف سيضمن تدبيرها أن تكون متاحة للعموم والجمعيات، لا مجرد تجهيزات قائمة على الورق أو فضاءات يصعب الولوج إليها؟

ستة مليارات درهم: برنامج حكومي عابر للقطاعات لا ميزانية مستقلة لوزارة واحدة

تبدأ القراءة الدقيقة من ضرورة التمييز بين البرنامج الوطني المعلن بقيمة ستة مليارات درهم وبين الاعتمادات القطاعية المرصودة لوزارة الشباب والثقافة والرياضة. فالتقديم المتداول للبرنامج قد يوحي بأن المبلغ موضوع تحت تصرف الوزارة وحدها، بينما المعطيات المرتبطة بعرض الحكومة تشير إلى تعبئة حكومية متعددة القطاعات، تتوزع مسؤولية تنفيذها بين قطاعات ومؤسسات مختلفة، مع اضطلاع الوزارة بدور في التنسيق والتتبع. وهذا التمييز ليس تفصيلاً محاسبياً؛ لأنه يحدد الجهة التي ستنفذ كل التزام، والميزانية التي ستتحمل كلفته، والجهة التي ينبغي مساءلتها عن النتائج.

وتتضمن الأهداف المعلنة تكوين مئة ألف شاب سنوياً وفق حاجات المقاولات، وتمكين عدد مماثل تقريباً من تجربة مهنية أولى، ورفع القدرة الاستيعابية للتدرج المهني إلى ما بين 150 ألفاً و200 ألف مستفيد، فضلاً عن مواكبة 12 ألف مقاولة سنوياً عبر الحضانة وتيسير الولوج إلى التمويل والضمانات والأسواق، بما فيها الصفقات العمومية. كما يتضمن التصور آليات للحركية المهنية والسكن بالإيجار بأسعار ميسرة قرب أقطاب الشغل والجامعات.

هذه الأهداف واسعة، لكنها تضع البرنامج أمام اختبار عملي: كيف ستُحدد حاجات المقاولات التي سيُبنى عليها التكوين؟ ومن سيضمن أن التكوين لا يتحول إلى دورات قصيرة لا تنتهي إلى تشغيل؟ وما طبيعة العقود أو فرص الإدماج التي ستُحتسب ضمن النتائج؟ وهل ستُنشر مؤشرات سنوية تفصل بين عدد المسجلين في التكوين، وعدد من أتموه، وعدد من حصلوا على عمل فعلي، ثم عدد من استمروا فيه بعد ستة أشهر أو سنة؟ فهذه مستويات مختلفة، ولا يجوز جمعها في رقم واحد لتقديم صورة متفائلة عن الإدماج.

تزداد أهمية هذه الأسئلة عند وضع البرنامج أمام صورة سوق الشغل. فبحسب المندوبية السامية للتخطيط، بلغ معدل البطالة لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة 30.5 في المائة خلال الفصل الثالث من سنة 2026، بينما وصل المعدل المركب لنقص استعمال اليد العاملة لدى الفئة نفسها إلى 44.5 في المائة. ولا يعني المؤشر الثاني أن جميع المعنيين عاطلون بالمعنى الإحصائي الضيق؛ بل إنه يوسع النظر ليشمل أشكالاً أخرى من عدم الاستفادة الكاملة من العمل المتاح. لكن دلالته واضحة: التحدي لا يتعلق فقط بإدخال الشباب إلى سوق الشغل، بل أيضاً بجودة الفرص واستقرارها ومدى ملاءمتها للتكوين والمهارات.

ميزانية الرياضة: الفارق بين رياضة المستوى العالي ورياضة العموم

تكشف تفاصيل الاعتمادات الرياضية عن تفاوت واضح في توزيع الاستثمار بين رياضة المستوى العالي ورياضة العموم. فمشروع ميزانية 2027 يخصص، وفق المعطيات المعروضة أمام البرلمان، نحو مليار و425 مليون درهم للاستثمار في برنامج رياضة المستوى العالي، مقابل 175.3 مليون درهم لبرنامج رياضة العموم والبنيات الرياضية للقرب. ويعادل الفارق بين البرنامجين أكثر من ثمانية أضعاف، فيما يستحوذ المستوى العالي على قرابة 89 في المائة من اعتمادات الاستثمار المعلنة للقطاع.

ولا ينبغي قراءة هذا التفاوت بمعزل عن طبيعة المشاريع المبرمجة؛ فاعتمادات المستوى العالي تتضمن 992 مليون درهم لبناء المنشآت والملاعب وإعادة بنائها وتهيئتها وتجهيز بنيات التكوين، إضافة إلى 345 مليون درهم لتطوير كرة القدم الوطنية وإعداد رياضيي المستوى العالي. ولذلك لا يصح اختزال المبلغ كله في كرة القدم، كما لا يصح إغفال الوزن المالي المخصص لها داخل هذا البرنامج. أما رياضة العموم، فتتوزع اعتماداتها على 133.807 مليون درهم لإحداث ملاعب القرب وإعادة تهيئتها، و26.5 مليون درهم لإنجاز بنيات رياضية جديدة للقرب، و15 مليون درهم لتأهيل البنيات القائمة وتحديثها.

هذه الأرقام لا تعني أن الاستثمار في رياضة النخبة غير مبرر؛ فالمنتخبات الوطنية والمنشآت الكبرى والتكوين عالي المستوى تحتاج إلى موارد مهمة، خصوصاً مع الاستعداد للاستحقاقات الدولية المقبلة. لكن النقاش يتعلق بالتوازن الذي ينبغي أن يحكم السياسة الرياضية: هل تُبنى المنظومة من القاعدة نحو القمة، أم يجري تقوية واجهتها التنافسية فيما تظل ممارسة الرياضة اليومية رهينة إمكانات الأسر والجمعيات وقدرة الجماعات الترابية على توفير الفضاءات؟

فرياضة العموم ليست بنداً اجتماعياً ثانوياً في الميزانية، بل هي القاعدة التي تتكون فيها المواهب، وتتوسع المشاركة، وتظهر الحاجة إلى المدربين والحكام والمسيرين وتقنيي التجهيز والصيانة. كما أن الاستثمار في الممارسة المنتظمة يخلق طلباً على خدمات رياضية محلية، ويفتح مجالاً لأنشطة اقتصادية صغيرة ومتوسطة، من مدارس التدريب إلى تنظيم المنافسات والتأطير الرياضي والتجهيزات. وإذا لم تتطور هذه القاعدة، فإن الاستثمار في المستوى العالي سيظل مطالباً بالبحث عن مواهب في محيط محدود، بينما تبقى فرص الشغل المرتبطة بالرياضة موزعة بشكل غير متكافئ.

ويستحق برنامج ملاعب القرب أن يُقرأ في امتداده التاريخي، لا باعتباره مبادرة بدأت مع ميزانية 2027. فقد أُعلن سنة 2018 عن برنامج لإنجاز نحو 800 ملعب للقرب في الوسطين القروي وشبه الحضري، بغلاف استثماري قدره 600 مليون درهم، وفق الاتفاقية الإطار التي نشرتها وزارة الاقتصاد والمالية. وقبل ذلك، كان هناك برنامج آخر أُطلق سنة 2009 لإنجاز ألف مركز سوسيو-رياضي للقرب، بكلفة تقديرية بلغت مليار درهم، وهو برنامج عرف تأخراً في الإنجاز وإشكالات في التدبير والاستغلال، بحسب المعطيات التي تناولتها الصحافة آنذاك. وهما برنامجان مختلفان، ولا يجوز الخلط بين كلفتيهما أو نتائجهما.

وتقدم المعطيات المنشورة على الموقع الرسمي لقطاع الرياضة صورة تراكمية أكثر تفصيلاً؛ إذ تشير إلى برمجة 2,180 ملعباً للقرب، وإنجاز 1,210 منها، إلى جانب إطلاق 624 مشروعاً خلال سنة 2025، موزعة بين مشاريع في طور الأشغال وأخرى في مرحلة الدراسات التقنية. كما تشير الصفحة ذاتها إلى اعتماد شراكات مع جمعيات رياضية لتفويض التدبير اليومي لبعض هذه التجهيزات. هذه الأرقام مهمة لأنها تُظهر حجم العمل المنجز وما تبقى من مشاريع، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على جودة الاستغلال أو انتظام فتح المنشآت أو عدد المستفيدين الفعليين منها. فعدد الملاعب المنجزة مؤشر على البنية التحتية، وليس مؤشراً تلقائياً على مستوى الولوج أو جودة الخدمة أو الأثر الرياضي والاجتماعي.

وتبرز هنا مسألة تنوع المنشآت. فالملاعب المفتوحة، مهما تعددت استعمالاتها، لا توفر بالضرورة شروط ممارسة جميع الرياضات. الجودو والكاراتيه والتايكواندو والمصارعة والسامبو والجيوجيتسو البرازيلي والفنون القتالية المختلطة تحتاج إلى قاعات مغطاة، وأرضيات مناسبة، وتجهيزات تحفظ سلامة الممارسين، ومساحات تسمح بالتدريب وتنظيم المنافسات. ولا تظهر في الأرقام التفصيلية المتاحة لبرنامج رياضة العموم صورة واضحة عن حصة هذه التخصصات من البنيات الجديدة، ولا عن عدد القاعات الموجهة إليها، ولا عن المعايير المعتمدة لتوزيعها جغرافياً.

من الناحية العملية، قد تكون قاعة مغطاة بمساحة تتراوح بين 150 و200 متر مربع، مجهزة ببساط رياضي وحصائر ومرافق أساسية، أكثر ملاءمة لحاجات جمعية محلية من مشروع مركب كبير لا تتوفر شروط تشغيله أو صيانته. ولا يعني ذلك أن القاعات الصغيرة تصلح لكل رياضة أو لكل مستوى من المنافسات، بل إن التخطيط ينبغي أن ينطلق من طبيعة النشاط وعدد الممارسين ومتطلبات السلامة والتأطير، لا من نموذج موحد للمنشآت. ويمكن أن يتيح هذا النوع من الفضاءات فرصاً للتدريب المنتظم، وتكوين الأطفال والشباب، وتنظيم بطولات محلية، وإحداث أنشطة مهنية مرتبطة بالتدريب والتحكيم والتسيير.

لكن توفير القاعة لا يحل المشكلة إذا بقي الولوج إليها غير واضح أو مكلفاً. فالجمعيات الرياضية تحتاج إلى ساعات استعمال منتظمة، وإلى إمكانية ترك التجهيزات الضرورية في أماكن آمنة، وإلى برمجة تسمح لها بتكوين مجموعاتها وإعداد المنافسات. وقد أظهرت مراسلة تتعلق بقاعة مغطاة بمؤسسة تعليمية في الرباط، عُرضت ضمن ملف هذا الموضوع، أن جدول استعمال القاعة كان محجوزاً على امتداد أيام الأسبوع، بما فيها عطلة نهاية الأسبوع، وأن المؤسسة لم تكن قادرة على توفير يوم كامل أو استعمال متواصل لمدة طويلة، حتى إن الفترات المحدودة كانت مرتبطة بحجوزات لاحقة تفرض إخلاء المكان وإزالة التجهيزات المؤقتة فور انتهاء الحصة. هذه المراسلة لا تسمح بتعميم الحكم على جميع القاعات، لكنها تكشف صعوبة عملية تواجه الجمعيات عندما لا تكون المنشأة مصممة أو مبرمجة لاستيعاب أنشطة تحتاج إلى تجهيزات ثابتة نسبياً أو إلى فترات استعمال متصلة.

وتظهر كلفة الاستعمال بدورها باعتبارها عاملاً قد يحد من الممارسة. فهناك فضاءات تُتداول بشأنها في أوساط الممارسين أسعار تتراوح، بحسب التجربة ونوع القاعة وشروط الاستغلال، بين 150 و200 درهم للساعة. ولا توجد، وفق المعطيات المتاحة هنا، تسعيرة وطنية موحدة يمكن تقديمها باعتبارها السعر الرسمي لجميع المنشآت. لكن حتى بوصفها كلفة في بعض الحالات، فإنها تثير سؤالاً عن قدرة جمعية محدودة الموارد على تحمل مصاريف الاستعمال المنتظم، ثم نقل هذه الكلفة إلى الأسر والممارسين. فالمنشأة العمومية التي أُنجزت بمال عام ينبغي أن يكون تدبيرها متوازناً بين تغطية تكاليف الصيانة والاستغلال وبين الحفاظ على وظيفتها الاجتماعية والرياضية.

وتفويض التدبير إلى الجمعيات يمكن أن يكون خياراً ناجعاً، إذا أُحيط بضوابط واضحة. فالجمعية القريبة من المجال الترابي قد تكون أقدر على معرفة حاجات المستفيدين وتنظيم الأنشطة اليومية من إدارة مركزية بعيدة. غير أن هذا النموذج يحتاج إلى طلبات عروض أو مساطر معلنة، ومعايير موضوعية لاختيار الجمعيات، ونشر الاتفاقيات وشروط الاستعمال، وتحديد جداول الحصص والتعريفات، وإقرار آليات للمراقبة والتظلم، والتصريح بحالات تضارب المصالح. فالمرفق العمومي لا ينبغي أن يتحول إلى امتياز خاص، ولا أن يصبح تدبيره مرتبطاً بعلاقات شخصية أو بمواقع إدارية تتيح لطرف بعينه الاستفادة منه دون منافسة أو رقابة. وهذه ضمانات مؤسساتية مطلوبة في كل نموذج للتدبير المفوض، وليست اتهاماً لجهة أو شخص بعينه.

من إدارة المنشآت إلى إدارة منظومة رياضية متغيرة

يتصل هذا النقاش بدور الإدارة الرياضية نفسها. فقد انتقل قطاع الرياضة، بموجب التشكيلة الحكومية الجديدة، من وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة إلى وزارة الشباب والثقافة والرياضة، عقب تسليم السلط بين محمد سعد برادة ومحمد المهدي بنسعيد في أكتوبر 2026. ويكتسب هذا التغيير أهمية تنظيمية، لأنه يضع الرياضة ضمن وزارة تجمعها بالشباب والثقافة، لكنه لا يغير وحده طبيعة التحديات التي تواجه القطاع؛ فالمطلوب هو وضوح الاختصاصات واستمرار البرامج والتنسيق مع التعليم والجماعات الترابية والجامعات الرياضية والقطاع الخاص.

وتحدد الوثائق الرسمية لقطاع الرياضة مهاماً تتجاوز تدبير الملاعب والمنشآت، وتشمل إعداد السياسة الحكومية لتطوير الرياضة، وتنسيق الأنشطة الرياضية وتأطيرها ومراقبتها، ودعم رياضة المستوى العالي، ومواكبة الجامعات والجمعيات، فضلاً عن إرساء يقظة استراتيجية تسمح باستباق التحولات ورصد الممارسات الجيدة. وعندما تكون اليقظة الاستراتيجية جزءاً من الاختصاص الرسمي، يصبح من المشروع مساءلة الإدارة عن مخرجاتها: أين الدراسات الدورية حول تطور الرياضات الجديدة؟ ما المعايير التي تحدد أولوية دعم تخصص دون آخر؟ هل تتوفر قاعدة بيانات محينة عن الجمعيات والممارسين والمدربين والحكام والقاعات والملاعب؟ وكيف تُقاس حاجات كل جهة وإقليم قبل برمجة المنشآت؟

ليس المقصود أن الإدارة لا تقوم بأي عمل، أو أن مجهودات السنوات الماضية لم تنتج نتائج؛ فالمعطيات الرسمية تتحدث عن تطوير البنيات الرياضية، ومواكبة الجامعات، وبرامج لتأهيل الحكامة، كما أن قطاع الرياضة انتقل حديثاً إلى وصاية حكومية جديدة. لكن التحدي يكمن في الانتقال من منطق تدبير الملفات والاعتمادات إلى منطق قيادة منظومة تتغير بسرعة، حيث لم تعد الرياضة محصورة في المنافسة والمنتخب الوطني، بل أصبحت تشمل التدريب المؤدى عنه، والتأطير البدني، وتنظيم الأحداث، والتسويق والرعاية، وإدارة المنشآت، والإعلام الرياضي، والتحكيم، والتكوين، والاقتصاد الرقمي المرتبط بالممارسة الرياضية.

وتقدم الرياضة الدولية نماذج متعددة لتحول الممارسة إلى سوق مهنية؛ فالمدرب والحكم والمعد البدني والمسير ومنظم المنافسات وتقني البث والتسويق الرياضي يمكن أن يكونوا جزءاً من سلسلة اقتصادية واحدة. غير أن استحضار هذه الإمكانات لا يبرر تقديم أرقام عامة عن الوظائف التي يوفرها القطاع عالمياً أو محلياً من دون تعريف دقيق لما يُحتسب وظيفة رياضية، وما إذا كانت موسمية أو مستقرة أو بدوام كامل. وفي الحالة المغربية، لا تبدو الأرقام المتاحة في العرض الميزانياتي كافية لتحديد عدد فرص الشغل الحالية في القطاع، ولا الوظائف التي يُنتظر أن تنتجها الاستثمارات المبرمجة. وهذا نقص في قياس الأثر ينبغي أن يُعالج، لأن نجاح السياسة الرياضية لا يقاس فقط بعدد الميداليات والمنشآت، بل أيضاً بقدرتها على خلق مهن قانونية ومستقرة.

ويظل القانون رقم 30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة، الصادر سنة 2010، أحد المراجع الأساسية لتنظيم القطاع. وقد تضمن مفاهيم تتصل بالجمعيات والشركات الرياضية والرياضيين والأطر الرياضية والوكلاء والمنشآت الخاصة، كما أقر البعد الاجتماعي والاقتصادي للرياضة ومسؤولية الدولة في تأطير الحركة الرياضية ومراقبتها. واللافت أن النص الرسمي المنشور يتضمن منذ ديباجته إشارة إلى أن الرياضة أصبحت مجالاً عالمياً ومتطوراً، وأن الإطار القانوني يحتاج إلى مواكبة التحولات. كما تشير وثائق القطاع إلى ورش مراجعة القانون بناء على حصيلة تطبيقه، وبمشاركة الفاعلين، مع مراعاة تطور التخصصات الرياضية والصعوبات التي تواجه الجامعات.

وتصبح مراجعة القانون فرصة لإعادة النظر في العلاقة بين الإدارة والجامعات والجمعيات والشركات الرياضية، وفي شروط الاعتراف بالتخصصات وتنظيمها وتمويلها، وفي الوضع المهني للمدربين والأطر والحكام، وفي آليات حماية الممارسين وضمان سلامتهم. كما ينبغي أن تواكب المراجعة تطور الرياضات التي لا تنتمي بالضرورة إلى البرنامج الأولمبي، لكنها تملك قاعدة ممارسة وجمهوراً ونشاطاً تنافسياً واقتصادياً. فالاعتراف بالتنوع الرياضي لا يعني توزيع الدعم دون معايير، بل وضع معايير معلنة تأخذ بعين الاعتبار عدد الممارسين، والانتشار الجغرافي، والقدرة على التأطير، والنتائج، والاحتياجات، وإمكانات التطور.

وفي هذا الإطار، لا يكفي أن تُعلن الوزارة عن استراتيجية وطنية للرياضة أو عن لجنة وطنية لرياضة المستوى العالي؛ إذ ينبغي أن تتضمن الاستراتيجية أهدافاً قابلة للقياس، وآجالاً، ومسؤوليات محددة، ومؤشرات سنوية منشورة. ومن بين هذه المؤشرات: عدد المنشآت المفتوحة فعلياً، ومعدل استعمالها، وعدد المستفيدين بحسب الجنس والعمر والجهة ونوع الرياضة، وعدد الجمعيات المستفيدة من الدعم، وعدد المدربين والحكام الذين تلقوا تكويناً معترفاً به، وعدد فرص الشغل التي أحدثها القطاع، ونسبة استمراريتها. من دون هذه المعطيات، يصعب معرفة ما إذا كان ارتفاع الإنفاق قد وسّع قاعدة الممارسة أم اكتفى بتطوير منشآت ومشاريع ذات أثر محدود على الحياة الرياضية اليومية.

الصندوق الوطني لتنمية الرياضة: التمويل وحده لا يصنع سوقاً مهنية

يضاف إلى اعتمادات الميزانية العامة الصندوق الوطني لتنمية الرياضة، الذي حُدد سقف موارده أو تحملاته في حدود 800 مليون درهم، وتوجه تدخلاته أساساً إلى دعم الجامعات الرياضية وبرامجها، وتأطير الرياضيين، وتكوين المواهب، وإعداد المنتخبات والمشاركة في المنافسات القارية والدولية. وينبغي التعامل مع هذا الصندوق باعتباره قناة تمويل لها طبيعتها المحاسبية ومجالات تدخلها، لا جمع مبلغه آلياً مع اعتمادات الاستثمار القطاعية، وكأن الأمر يتعلق بغلاف واحد قابل للإنفاق بالطريقة نفسها.

وتكمن أهمية هذا الصندوق في الدور الذي يمكن أن يؤديه في دعم الحركة الرياضية الوطنية، لكن تقييم أثره يتطلب معرفة كيفية توزيع موارده بين الجامعات والتخصصات، وما إذا كان الدعم يذهب إلى البرامج القادرة على توسيع الممارسة والتكوين، أم يظل مرتبطاً أساساً بالمنتخبات والمنافسات والنتائج الآنية. كما أن دعم الجامعات لا ينبغي أن يُقاس بالمبالغ المرصودة وحدها؛ بل بمدى انعكاسه على الأندية والجمعيات القاعدية، وعلى تكوين المدربين والحكام، وعلى انتظام المنافسات، وعلى قدرة الرياضيين والأطر على بناء مسار مهني واضح.

وتحتاج الرياضة المغربية إلى توسيع مفهوم الاستثمار الرياضي ليشمل المقاولة الرياضية الصغيرة والمتوسطة، ومدارس التكوين، ومراكز التأطير، وشركات تنظيم المنافسات، وخدمات التحكيم والتجهيز والصيانة، والتسويق والإعلام الرياضي، والتقنيات الرقمية الموجهة للتدريب وقياس الأداء. وهذه مجالات لا يمكن أن تنمو بمجرد بناء المنشآت أو دعم المنتخبات؛ فهي تحتاج إلى قواعد قانونية واضحة، وتمويل قابل للولوج، وتكوين مهني، وسوق محلية تسمح باستمرار الأنشطة، وإدارة تضمن تكافؤ الفرص بين الفاعلين.

وهنا تلتقي السياسة الرياضية مع البرنامج الوطني المندمج للشباب. فإذا كان الهدف هو تكوين الشباب وفق حاجات المقاولات، فإن القطاع الرياضي نفسه يمكن أن يقدم مسارات تكوين وتشغيل في مهن متعددة، شريطة أن تُحدد هذه المهن وأن تُبنى لها برامج تأهيل معترف بها. فليس كل شاب يمارس الرياضة سيصبح لاعباً محترفاً، وليس كل جمعية قادرة على توفير منصب قار، لكن المنظومة تحتاج إلى مدربين مؤهلين، ومساعدين تقنيين، وحكام، ومسيرين، ومختصين في تدبير المنشآت، ومنظمي تظاهرات، وأطر في التسويق والتواصل الرياضي. وتوسيع هذه المهن يقتضي الانتقال من التعامل مع الرياضة باعتبارها نشاطاً ترفيهياً أو تنافسياً فقط، إلى اعتبارها مجالاً اقتصادياً واجتماعياً له سلاسل إنتاج وخدمات ومهن.

مؤسسات الشباب: الاستثمار في الفضاءات والمهارات

على مستوى قطاع الشباب، تبرز اعتمادات الأداء الاستثمارية لسنة 2027 في حدود 798.15 مليون درهم، موزعة أساساً بين 414.15 مليون درهم لإنجاز مؤسسات الشباب وتجهيزها، و240 مليون درهم لمشاريع مراكز التخييم، و70 مليون درهم لبرامج الشؤون النسوية، وخمسة ملايين درهم لبرامج الطفولة الصغرى، فضلاً عن 62 مليون درهم لنزع الملكية والأحكام المرتبطة بها. وتضاف إلى هذه الاعتمادات 300 مليون درهم من تراخيص الالتزام للسنوات اللاحقة، ما يرفع مجهود الاستثمار المبرمج للقطاع إلى نحو 1.098 مليار درهم، مع ضرورة التمييز بين اعتمادات الأداء والالتزامات المستقبلية عند قراءة الأرقام.

وتتجاوز المشاريع المعلنة مجرد ترميم دور الشباب أو إحداث مؤسسات جديدة؛ فهي تشمل الرقمنة، والربط بالإنترنت عالي الجودة، وإحداث قاعات للألعاب الإلكترونية ومدارس للتشفير والبرمجة، وتأهيل المؤسسات القائمة وإطلاق مؤسسات من جيل جديد. كما تتضمن توسيع خدمات «جواز الشباب»، وتعميم برنامج «مهارات» تدريجياً داخل مؤسسات الشباب، وتوسيع مجالات البرنامج الوطني للتطوع «متطوع»، إلى جانب مواصلة البرنامج الوطني للتخييم.

هذه اختيارات تستجيب لتحولات اهتمامات الأجيال الجديدة، خصوصاً مع اتساع المجال الرقمي والألعاب الإلكترونية والمهارات التقنية. لكن نجاحها يظل مرتبطاً بوجود أطر قادرة على تشغيل هذه المؤسسات، وبرامج منتظمة لا تقتصر على التجهيزات، وشراكات مع فاعلين في التكوين والمقاولة، وتوزيع ترابي لا يجعل المؤسسات الحديثة امتيازاً للمراكز الحضرية وحدها. فالقاعة الرقمية التي لا تتوفر على مؤطرين، أو فضاء الشباب الذي لا يملك برنامجاً سنوياً واضحاً، قد يتحول إلى استثمار مادي لا يحقق الغاية التي أُحدث من أجلها.

ويكتسب برنامج حماية الطفولة أهمية موازية، من خلال مواكبة إرساء الوكالة الوطنية لحماية الطفولة والاستعداد للمرحلة الانتقالية وفق المستجدات القانونية والتنظيمية، مع ضمان استمرارية خدمات التكفل بالأطفال، وتحسين ظروف الإقامة والرعاية والسلامة، وتعزيز التأطير التربوي والاجتماعي وتكوين العاملين بالمراكز. وهذه التزامات لا تقاس بعدد المراكز أو الاعتمادات فقط، بل بجودة الرعاية، واستقرار الموارد البشرية، والتأهيل المهني للعاملين، ومدى احترام حقوق الأطفال المستفيدين.

أما قطاع الثقافة، فيستفيد من ميزانية إجمالية تقارب 1.284 مليار درهم برسم سنة 2027، منها 643.17 مليون درهم للاستثمار. وتشمل المشاريع المعلنة المتحف الوطني للآثار وعلوم الأرض بالرباط، وتأهيل عدد من المواقع والمآثر التاريخية، ومشاريع مرتبطة بالمدن العتيقة والمشهد الحضري، إلى جانب برامج الكتاب والقراءة والفنون. ولا تنفصل هذه الاعتمادات عن النقاش حول التشغيل؛ فالصناعات الثقافية والفنية يمكن أن تخلق فرصاً للمبدعين والتقنيين والمقاولات الصغيرة، لكن ذلك يتطلب وصل الاستثمار في البنية التحتية ببرامج دعم الإنتاج والتوزيع والتكوين وتطوير الأسواق الثقافية، حتى لا ينحصر الأثر في إنجاز المشاريع العمرانية وحدها.

قياس الأثر هو ما سيحسم نجاح الأرقام المعلنة

تقدم ميزانية 2027، في مجموع محاورها، مؤشرات على توجه نحو توسيع الاستثمار في الشباب والرياضة والثقافة، وعلى إدراك حكومي بأن التشغيل لا يُعالج بإجراء واحد أو قطاع منفرد. كما أن الجمع بين التكوين المهني، والتجربة الأولى في العمل، ومواكبة المقاولات، والحركية المهنية، والسكن الميسر، يمثل محاولة لمعالجة أكثر من عائق يواجه الشباب في طريق الاندماج الاقتصادي. وتستحق هذه المبادرات أن تُناقش من زاوية إمكاناتها، لا أن تُختزل في التشكيك في جدواها قبل بدء تنفيذها.

لكن حجم الرهان يفرض الانتقال من لغة الأهداف إلى لغة النتائج. فالتكوين لا يساوي التشغيل، وإحداث الملعب لا يعني بالضرورة أن الشباب يمارسون الرياضة داخله، وتخصيص الدعم للجامعة لا يثبت أن أثره وصل إلى الجمعية المحلية، وإحداث دار للشباب لا يضمن وحده أن تتحول إلى فضاء منتج للمهارات والمبادرات. وبين هذه المستويات توجد الإدارة والتدبير والحكامة والتوزيع العادل للموارد، وهي عناصر تحدد القيمة الحقيقية لكل درهم عمومي.

وفي القطاع الرياضي تحديداً، سيكون من الضروري أن تتضمن الاستراتيجية الوطنية المرتقبة أجوبة عملية عن تنوع الرياضات، وعن التوازن بين رياضة النخبة ورياضة العموم، وعن حاجات الأحياء والمناطق القروية، وعن القاعات المتخصصة التي تحتاج إليها رياضات لا يمكن ممارستها في ملاعب مفتوحة. كما ينبغي أن تضع قواعد معلنة لتدبير المنشآت العمومية، وتضمن شفافية إسنادها واستعمالها، وتحدد كلفة الولوج إليها بما يحافظ على وظيفتها الاجتماعية، من دون إغفال شروط الصيانة والاستدامة.

أما على مستوى التشغيل، فالمطلوب أن تتجاوز مؤشرات التتبع عدد المستفيدين من التكوين أو عدد المقاولات التي تمت مواكبتها، لتشمل نوعية الوظائف، واستقرارها، والأجور، ومدى ارتباطها بالتخصصات التي جرى التكوين فيها. وفي الرياضة، ينبغي أن يُضاف إلى ذلك عدد الأطر التي حصلت على تأهيل مهني، وعدد الجمعيات والمقاولات التي استطاعت خلق نشاط مستمر، وعدد المنشآت التي تشتغل فعلياً، ونسبة استفادة النساء والأشخاص في وضعية إعاقة، ومدى انتشار الممارسة بين مختلف الفئات والمناطق.

إن الرهان الذي تضعه ميزانية 2027 أمام القطاعات المعنية لا يتعلق فقط بقدرتها على إنفاق الاعتمادات أو إطلاق البرامج، بل بقدرتها على بناء مسارات متصلة بين التكوين والممارسة والإنتاج والتشغيل. والرياضة، بما تتيحه من مجالات للتأطير والتنظيم والخدمات والمقاولة، يمكن أن تكون جزءاً من هذا المسار إذا جرى التعامل معها كمنظومة متكاملة، لا باعتبارها نتائج منتخبات ومنشآت كبرى فقط. وستظل قيمة الأرقام المعلنة مرتبطة بما ستكشفه الحصيلة الميدانية: من استفاد؟ وما الذي تغير؟ وأي فرص عمل استمرت بعد انتهاء البرنامج أو المشروع؟ فهناك، في هذه الإجابات، سيتحدد الفارق بين ميزانية طموحة وسياسة عمومية أحدثت أثراً ملموساً في حياة الشباب.