المحروقات في المغرب.. حكومة ترفض تسقيف الأسعار وتختار دعم النقل بـ400 مليون درهم.. أين تنتهي الحسابات المالية وتبدأ حدود القرار السياسي؟

0
141

لم ينتظر المغاربة طويلاً لمعرفة الاتجاه الذي اختارته الحكومة الجديدة في التعامل مع ارتفاع أسعار المحروقات. فخلال الندوة الصحافية التي أعقبت اجتماع مجلس الحكومة، الخميس 5 نونبر 2026، أعلن الناطق الرسمي باسم الحكومة، سمير بلفقيه، استبعاد اللجوء في المرحلة الحالية إلى تسقيف أسعار المحروقات، واضعاً بذلك حداً، على الأقل في الوقت الراهن، للتوقعات التي كانت تنتظر تدخلاً حكومياً مباشراً لضبط الأسعار في محطات الوقود.

لم يكن التصريح معزولاً عن النقاش الذي سبق انعقاد المجلس الحكومي. فقد سبق لوزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، فوزي لقجع، أن عرض أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، يوم 3 نونبر، موقف الحكومة الرافض للعودة إلى نظام المقاصة بالنسبة للمحروقات، كما استبعد اعتماد تسقيف الأسعار، مستنداً إلى الكلفة المالية المحتملة لهذا الاختيار، والتي قد تتراوح، بحسب تقديره، بين 50 و70 مليار درهم.

بهذا التبرير، تقدم الحكومة موقفها باعتباره اختياراً اقتصادياً ومالياً يرمي إلى تجنب تحميل الميزانية أعباء إضافية ضخمة، وتوجيه الموارد العمومية نحو قطاعات تعتبرها أكثر ارتباطاً بالحاجات المباشرة للمواطنين، وفي مقدمتها الصحة والخدمات العمومية. غير أن النقاش لا يتوقف عند تكلفة إعادة المقاصة، لأن المواطن لا يواجه أسعار المحروقات باعتبارها رقماً في معادلة مالية، وإنما باعتبارها كلفة يومية تنتقل إلى النقل والمواد الغذائية والخدمات والإنتاج.

في الجهة المقابلة، جاء الإعلان عن تخصيص 400 مليون درهم لدعم مهنيي النقل الطرقي خلال الفترة الممتدة من فاتح إلى 15 نونبر الجاري. وأوضح وزير النقل واللوجستيك، عبد الصمد قيوح، أن هذه الدفعة تشمل مختلف أصناف مركبات نقل الأشخاص والبضائع، وأن التسجيل للاستفادة منها سينطلق يوم 10 نونبر عبر المنصة الإلكترونية المخصصة لهذا الغرض.

المبلغ ليس دعماً سنوياً ولا سقفاً نهائياً لتدخل الدولة، وإنما شريحة جديدة ضمن آلية الدعم الاستثنائي المباشر التي اعتمدتها الحكومة منذ موجات ارتفاع أسعار المحروقات. ووفق الأرقام التي قدمها الوزير، بلغ مجموع ما جرى صرفه في إطار هذا البرنامج نحو 11 مليار درهم منذ إطلاقه، منها قرابة 2.5 مليار درهم خلال سنة 2026 وحدها. كما يُنتظر أن يستفيد من الدفعة الجديدة نحو 200 ألف مركبة.

الأمر يتعلق، إذن، باختيار الاستمرار في ضخ المال العام داخل قطاع النقل للتخفيف من انعكاسات ارتفاع الوقود، بدلاً من التدخل في السعر النهائي للمحروقات أو إعادة نظام الدعم العام الذي كان معمولاً به سابقاً.

لكن هذا الاختيار يفتح ملفاً آخر لا يقل أهمية عن كلفة الدعم: من يضمن أن يصل أثر الأموال العمومية إلى المواطن؟

الدعم يصل إلى الناقل.. فمن يراقب السعر الذي يؤديه المواطن؟

في تصريحاته أمام الصحافيين، لم يكتف بلفقيه بتأكيد استمرار الدعم، بل أشار إلى ضرورة وضع آليات سريعة لمراقبة التزام مهنيي النقل المستفيدين منه بالحفاظ على أسعار خدماتهم. واستحضر مثال نقل البضائع بين الرباط وفاس، موضحاً أن الناقل الذي يحصل على مساعدة حكومية يفترض ألا يرفع ثمن الخدمة مستفيداً في الوقت نفسه من الدعم العمومي.

هذا التصريح يحمل اعترافاً ضمنياً بأن صرف الدعم لا يكفي وحده لضمان حماية القدرة الشرائية. فالحكومة تستطيع تحويل الأموال إلى حسابات المستفيدين، لكنها تحتاج إلى آليات رقابية موازية للتأكد من أن المساعدة انعكست فعلاً على أسعار النقل، ولم تتحول إلى مورد إضافي لا يغير ما يؤديه المستهلك.

والأمر لا يتعلق فقط بإعلان نية المراقبة. المطلوب معرفة الجهة التي ستتولى هذه المهمة، والأساس القانوني الذي ستستند إليه، وكيفية تحديد الأسعار المرجعية قبل صرف الدعم وبعده، وما إذا كانت هناك آلية لتلقي شكايات المواطنين، وإجراءات واضحة في حالة ثبوت استفادة ناقل من الدعم مع رفع الأسعار دون مبرر.

فالحديث عن ثبات الأسعار لا يصبح سياسة عمومية قابلة للتقييم إلا عندما يقترن بمؤشرات منشورة وآلية للمحاسبة. وإلى حدود المعطيات المعلنة في التصريحات الحكومية، لم تتضح بعد تفاصيل هذه الآليات ولا نتائجها العملية.

هل سوق المحروقات أقوى من قدرة الدولة على التدخل؟

السؤال الذي يفرض نفسه على النقاش الوطني ليس ما إذا كانت شركات المحروقات تملك نفوذاً اقتصادياً، بل ما الذي تكشفه بنية السوق عن قدرة المنافسة على حماية المستهلك، وعن مدى استعمال الدولة لصلاحياتها التنظيمية والرقابية.

تقدم تقارير مجلس المنافسة معطيات تستحق القراءة. ففي تقريره المتعلق بالربع الرابع من سنة 2024، أشار المجلس إلى أن تسع شركات شملها التتبع استحوذت على نحو 82 في المائة من واردات الغازوال والبنزين، كما سجلت النسبة نفسها تقريباً من إجمالي المبيعات التي رصدها التقرير. وبلغت مبيعات هذه الشركات حوالي 1.9 مليار لتر من أصل 2.2 مليار لتر خلال الفترة نفسها.

هذه الأرقام تكشف تمركزاً مهماً في جانب من السوق، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود اتفاق غير مشروع بين الشركات أو التحكم الجماعي في الأسعار. فإثبات الممارسات المنافية للمنافسة يحتاج إلى تحقيقات ومعطيات قانونية واقتصادية محددة، ولا يجوز تحويل التركيز السوقي تلقائياً إلى اتهام بالاحتكار.

ومع ذلك، فإن هذه البنية تجعل دور مجلس المنافسة والسلطات الحكومية المختصة أكثر أهمية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتتبع تطور تكاليف الاستيراد، وأسعار البيع، وهوامش التوزيع، ومدى انتقال انخفاض الأسعار الدولية إلى السوق الوطنية.

وتكشف البيانات نفسها عن أن السعر النهائي ليس مجرد انعكاس آلي لسعر النفط في الأسواق الدولية. ففي الربع الأخير من 2024، مثلت تكاليف الشراء نحو 54 في المائة من سعر الغازوال و46 في المائة من سعر البنزين، بينما بلغت حصة الضرائب، بما فيها الضريبة الداخلية على الاستهلاك والضريبة على القيمة المضافة، نحو 31 في المائة من سعر الغازوال و38 في المائة من سعر البنزين. أما هوامش التوزيع الإجمالية فبلغت حوالي 15 و16 في المائة على التوالي.

وسجل التقرير هوامش تجارية إجمالية متوسطة بلغت 1.28 درهم للتر الواحد من الغازوال و1.67 درهم للبنزين خلال الفترة نفسها. وهي أرقام تتعلق بهوامش التوزيع الإجمالية، ولا ينبغي الخلط بينها وبين الأرباح الصافية التي تحققها الشركات.

أما في تقريره المتعلق بنتائج سنة 2024، فقد أشار المجلس إلى أن هامش الربح الصافي بلغ 43 سنتيماً للتر الواحد من الغازوال و61 سنتيماً للبنزين. وتبرز هذه المعطيات ضرورة التمييز بين هامش التوزيع التجاري، والتكاليف التشغيلية، والنتيجة الصافية للشركات، بدلاً من اختزال النقاش في رقم واحد وتقديمه باعتباره دليلاً قاطعاً على حجم الأرباح.

هذه الأرقام لا تبرئ الفاعلين الاقتصاديين ولا تدينهم، لكنها تضع أمام الحكومة مسؤولية نشر معطيات منتظمة تسمح بمعرفة كيفية تشكل الأسعار، وتحديد أين تنتهي كلفة الاستيراد والتخزين والنقل، وأين تبدأ هوامش التوزيع، وما الذي يمكن للرقابة أن تفعله لضمان منافسة حقيقية.

الضرائب والمقاصة.. هل الخيارات الحكومية محصورة بين ترك الأسعار للسوق وتحميل الميزانية كلفة الدعم؟

في مداخلته البرلمانية، تطرق فوزي لقجع أيضاً إلى المطالب المتعلقة بمراجعة الضرائب المفروضة على المحروقات، محذراً من افتراض أن تخفيض الضريبة بنسبة معينة سيؤدي بالضرورة إلى انخفاض مماثل في السعر الذي يؤديه المواطن بمحطات الوقود.

هذا التوضيح يستحق النقاش، لأن الضرائب تمثل جزءاً مهماً من السعر النهائي، وفق الأرقام التي نشرها مجلس المنافسة. لكنه لا يعفي الحكومة من دراسة إمكانية مراجعة بعض المكونات الجبائية، ولا من تقديم حسابات واضحة حول أثر كل سيناريو على المستهلك والخزينة.

فالتخفيض الضريبي ليس إجراءً مضمون الأثر بمجرد إعلانه، إذ يتوقف انعكاسه على السعر النهائي على طريقة تطبيقه، وبنية السوق، وسلوك الفاعلين، ومدى وجود آليات تضمن انتقال أثره إلى المستهلك. لكن عدم ضمان انتقال التخفيض كاملاً لا يعني أن الخيار غير قابل للدراسة أو أن الحكومة لا تملك أدوات لمراقبة نتائجه.

كما أن المقارنة بين كلفة المقاصة والموارد الموجهة إلى الصحة والخدمات العمومية لا ينبغي أن تتحول إلى مقارنة خطابية فقط. فالمواطن يحتاج إلى معرفة الكلفة الفعلية لكل خيار، والفئات المستفيدة منه، والأثر المتوقع على الأسعار والتضخم والمالية العمومية.

واللافت أن الحكومة تطرح كلفة العودة إلى المقاصة في حدود 50 إلى 70 مليار درهم، بينما أشار الناطق الرسمي إلى أن المبلغ المخصص لحماية القدرة الشرائية ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يبلغ 62 مليار درهم. وهذه مقارنة قدمتها الحكومة لتفسير أولوياتها المالية، لكنها لا تعني أن المبلغين متماثلان من حيث طبيعة الإنفاق أو نطاقه أو طريقة احتسابه.

القرار السياسي بين قوة السوق ومسؤولية الحكومة

يبقى السؤال الأكثر حساسية هو: لماذا لا تصارح الحكومة المواطنين بوضوح أكبر بحدود قدرتها على التدخل في سوق المحروقات؟ وهل يتعلق الأمر باقتناع اقتصادي بأن تحرير الأسعار هو الخيار الأفضل، أم بأن بنية السوق ومصالح الفاعلين الاقتصاديين تجعل التدخل أكثر تعقيداً مما تعكسه التصريحات الرسمية؟

لا توجد، في المعطيات المنشورة التي استند إليها هذا المقال، وثيقة أو قرينة تثبت أن شركات المحروقات فرضت على الحكومة قرارها، أو أن هناك أوامر عليا غير معلنة تمنع تسقيف الأسعار أو مراجعة الضرائب. كما لا يصح تقديم نفوذ الفاعلين الاقتصاديين باعتباره حقيقة مثبتة لمجرد وجود تمركز في السوق.

لكن غياب الدليل على وجود إملاءات لا يلغي حق المواطنين في مساءلة الحكومة عن اختياراتها، ولا يعفيها من توضيح حدود صلاحياتها، وما الذي تستطيع فعله وما الذي اختارت عدم فعله، والأسباب التي جعلتها تفضل دعماً موجهاً للناقلين على تدخل مباشر في مكونات السعر.

فالحكومة ليست مطالبة فقط بتفسير لماذا لا تريد العودة إلى المقاصة، بل مطالبة أيضاً بالكشف عن البدائل التي درستها، بما فيها تخفيض بعض الضرائب بصورة مؤقتة أو مشروطة، وتعزيز المنافسة، ومراقبة هوامش التوزيع، وتوسيع قدرات التخزين، وضمان انتقال انخفاض الأسعار الدولية إلى السوق الوطنية.

ولا يمكن إغفال ملف مصفاة سامير في هذا النقاش. فقد أعاد لقجع طرح مسألة إعادة تشغيلها إلى واجهة النقاش، معتبراً أن الأمر يحتاج إلى استثمارات مهمة ودراسة الجدوى الاقتصادية والتقنية، وأن تعزيز المخزون الاستراتيجي لا يتوقف بالضرورة على استئناف التكرير. وهي مقاربة تفتح بدورها نقاشاً حول الأمن الطاقي، وتكاليف الاستيراد، والقدرة الوطنية على التخزين والتكرير، دون اختزال الأزمة الحالية في مصير المصفاة وحده.

المواطن المغربي لا ينتظر من الحكومة أن تتحكم في أسعار النفط العالمية، لكنه ينتظر منها أن تشرح بوضوح كيف تتعامل مع انعكاساتها محلياً، وأن تثبت أن السوق لا تعمل خارج الرقابة، وأن المال العام الذي يضخ لدعم النقل يؤدي الغرض المعلن منه.

وعندما تعلن الحكومة عن دعم جديد بقيمة 400 مليون درهم، فإن السؤال لا ينبغي أن يقتصر على حجم المبلغ، بل على أثره الفعلي في أسعار النقل، وعلى الجهات التي ستراقب هذا الأثر، وعلى النتائج التي ستنشرها بعد انتهاء فترة الدعم.

أما القول إن لوبي المحروقات أقوى من الحكومة، أو إن هناك تعليمات غير معلنة تمنع التدخل، فيظل سؤالاً سياسياً مشروعاً للنقاش، لكنه ليس حقيقة صحافية يمكن الجزم بها دون وثائق أو أدلة.

ما تستطيع الحكومة إثباته أو نفيه هو مدى قدرتها على ضبط السوق، وفرض احترام قواعد المنافسة، ومراقبة المستفيدين من الدعم، وتقديم حساب واضح للمواطن عن الفارق بين ما تدفعه الدولة وما يتحمله من جيبه. وهذه هي المساءلة التي لا يمكن أن يعوضها أي تصريح عن أولوية القدرة الشرائية.